في طريقِ الخروج، تسنى لي أن ألقيَ نظرةً على الزنازين. كان بداخلِها ضحايا كُثر؛ ما بين عظامٍ نخرةٍ ومومياواتٍ جافةٍ متناثرة. لمحتُ وسطَ هذا الركامِ شخصًا لا يزالُ ينبضُ بالحياة، لكنَّ العجوزَ تقدّمَ خطواتٍ ليحجبَ عني الرؤية، وكأنه يخبرني بصمتٍ أنه ليس عليَّ إنقاذُ الجميع.
قال أوين ذلك ونفضَ يدَه بحدة. قام ليام بتسويةِ قميصِه المجعدِ وهزَّ كتفيه:
“أنتَ لستَ مقاتلًا، وإذا حدثَ مكروهٌ بالداخل، سيصعبُ عليَّ حمايتُك. ما لم تكن تريدُ مني استهلاكُ ضعفِ طاقتي، فمن المنطقيِّ أن أدخلَ بمفردي.”
“لا يلينُ لسانُك بالمنطقِ إلا في هذه اللحظات.”
ابتسمَ ليام بخبث. لم يكن بحاجةٍ لقولِ إنَّ هذا اللينَ يظهرُ فقط عندما يتعلقُ الأمرُ بجين أوزموند.
بعد جدالٍ قصير، دخلَ ليام مور المتاهةَ وحدَه. استنشقَ الهواءَ المحملَ بالغبارِ والوعيد، وما إن خطا خطواتِه الأولى حتى بدأت المتاهةُ تهتزُّ بجنونٍ وكأنَّ زلزالاً قد ضربها. بدأت التربةُ تنهارُ لتسدَّ المدخل. سُمعَ صوتُ أنفاسِ أوين المذعورة، لكنَّ ملامحَ ليام ظلت هادئة، وكأنَّ الأمرَ لم يخرج عن توقعاتِه.
“ليام!”
نادى أوين بيأسٍ من خلفِ الركامِ الترابي.
“احفر طريقَك. أنتَ قادرٌ على ذلك.”
“تبًّا! أيها اللعين! أنا باحثٌ وعالِم!”
“وهل العالِمُ بلا يدين؟”
تمتمَ ليام بسخريةٍ وتابعَ طريقَه للداخل. تناهى إليه صوتُ أوين وهو يحتجُّ ويثرثر، لكنَّ الصوتَ تلاشفَ بعد بضعِ خطوات.
***
كانت المتاهةُ بالغةَ التعقيد، وكأنها صُممت خصيصًا لمنعِه من الوصولِ إلى جين أوزموند.
تحركَ ليام بصمتٍ تام، ولم يضئ أيَّ شعلةٍ سوى ما كان موجودًا بالفعلِ على الجدران. لم يكن لديه أدنى رغبةٍ في كشفِ موقعِه لعدوٍّ يتربصُ به في الظلام.
‘جين.. أين أنتِ؟’
استحضرَ في ذهنِه صورةَ الكهفِ الذي كانت محتجزةً فيه سابقًا. كان هذا المكانُ صورةً طبقَ الأصلِ منه، باستثناءِ غيابِ تلك الكائناتِ الغريبةِ في السقف. التكوينُ ذاتُه، القربانُ في المركزِ والدوائرُ السحريةُ المحيطةُ به. شخصٌ واحدٌ صنعَ هذا للغرضِ نفسِه.
وهنا.. ماتت جين أوزموند مرارًا وتكرارًا.
رغم أنَّ الذكرياتِ التي نقلتْها جين لم تنقل له الإحساسَ بالألم، إلا أنَّ ليام يدركُ جيدًا أنَّ هذا يفوقُ قدرةَ أيِّ بشرٍ سويٍّ على الاحتمال. حتى لو كانت جين أوزموند قوية، فإنَّ تكرارَ هذا التعذيبِ كفيلٌ بخلخلةِ عقلِها. لم يكن متأكدًا من الحالةِ التي سيجدُها عليها.
“تبًّا.”
قضمَ شفتيهِ بقلق، لكنَّ القدرَ اللئيمَ لم يمنحهُ وقتًا للمشاعر. همسَ الصوتُ الذي يحومُ حوله:
‘انحنِ.’
لم يتردد ليام، بل خفضَ جسدَه فورًا. مرَّ هراوةٌ ضخمةٌ فوق رأسِه مُحدثةً دويًّا مرعبًا؛ كانت مغطاةً بقطعٍ من اللحمِ الجافِّ والأشواكِ الحادة.
“هكذا إذًا.. كنتُ أتساءلُ من يحرسُ هذه المتاهة.”
خرجت كلماتُه بهدوءٍ وثقة، وهي سمةُ من اعتادَ مواجهةَ الموتِ ببرود.
زأرَ الوحش. عرفه ليام فورًا، لكنه لم يتوقع رؤيتَه هنا. رغم أنه يعيشُ في عصرٍ ينبضُ بالسحرِ والأسطورة، إلا أنه لم يتخيل مواجهةَ بقايا الأساطيرِ القديمةِ وجهًا لوجه.
نصفُ إنسانٍ ونصفُ ثور (المينوتور) كان يزأرُ أمامَه. لم يهتمَّ ليام باللغةِ التي يتحدثُ بها، فكلُّ ما كان يشغلُ بالَه هو هوسٌ واحد: القضاءُ على هذا الكيانِ والوصولُ إلى جين أوزموند.
المينوتور :
قبضَ على الهواءِ وسحبَه، فاستحالَ في يدِه سيفٌ يشبهُ الزجاج. انحنى ليام بجسدِه واضعًا يدَه اليمنى على الأرض، وارتسمت على وجهِه ابتسامةٌ واثقة.
الهدفُ الآن واضح. شكرَ هذا الحارسَ في سرِّه لأنه ظهرَ علانيةً بدلَ أن يضطرَّ للبحثِ عن تهديداتٍ خفية.
وعندما انطلقَ الزئيرُ المدوّي، وثبَ ليام مور بكلِّ قوتِه.
***
رفعتُ حاجبيَّ حين سمعتُ تلك الأصواتَ الغريبةَ القادمةَ من نهايةِ الممر.
بدا الأمرُ وكأنَّ شخصًا ما يحطمُ الممرَّ تحطيمًا. صوتٌ يشبهُ ضربَ الجدرانِ بمطرقةٍ عملاقة. كان ذلك حتمًا “كلب صيد” كلارا الذي كان يطاردني، فصوتُها وهي تأمرُ شيئًا ما بالقبضِ عليَّ لا يزالُ يرنُّ في أذني.
شعرتُ بالغثيانِ حين تذكرتُ مجددًا أنَّ صديقتي كانت في الحقيقةِ جثةً هامدةً يحركُها عقدٌ سحري.
لكنني لا أستطيعُ الغضب؛ فكما قالت كلارا بارنوم، أنا غريبةٌ عنهم.
تزاحمت في مخيلتي صورُ كلارا وهي تمثلُ بشغفٍ في فرقةِ ليكسيميون. لديَّ ذكريات جين أوزموند، وأعرفُ كم كانت جين الأصليةُ تحبُّ كلارا، مما جعلَ قلبي يعتصرُ مرارة.
في نوفمبر 1870، سُلبت جين أوزموند جسدَها بسببي، وتغيرت صديقةُ كلارا بسببي أيضًا. يبدو أنني أنا السببُ في كلِّ شيء.
لكن ماذا بيدي أن أفعل؟ قررتُ إلقاءَ اللومِ على صانعِ اللعبة. في “الألعاب الفاشلة”، أهمُّ قاعدةٍ هي الانتصارُ النفسيّ؛ اللعبةُ لا تسيرُ جيدًا منذُ البداية؟ هذا ليس خطئي، بل لأنَّ الشخصياتِ غريبة. الزعيمُ لا يموت؟ لأنَّ المهاجمينَ فشلوا في دورِهم. إذًا، مَن أوقعني هنا هو أصلُ كلِّ شر.
حسمتُ أمري: لن أشعرَ بالذنبِ تجاهَ أمورٍ حدثت دون إرادتي. وبدلَ إضاعةِ الوقتِ في الندم، الأفضلُ استغلالُه في النجاةِ من جنةِ هؤلاءِ المختلينَ عبَدةِ الطوائف.
وفجأة… رأيتُ المشهد. ليام مور وهو يطيحُ برأسِ ثورٍ ضخم. بدأ النحسُ يلاحقني مجددًا، فبمجردِ أن انحرفتُ عند الزاوية، كان هذا أولُ ما رأيتُه.
تطايرت الدماء. طارَ رأسُ ذلك الكيانِ نصفِ البشريِّ ونصفِ الثورِ برشاقة، وتناثرت الدماءُ في كلِّ مكان. غُطينا أنا وليام مور بتلك الدماءِ الساخنةِ تمامًا.
يا لها من تجربةٍ مقرفة. أغمضتُ عينيَّ بشدة، وحين فتحتُهما، كان النصفُ العلويُّ من جسدي مبللًا بالدماءِ كأنني استحممتُ بها.
‘يا لَحُظي العاثرِ في هذا اليوم…’
تنهدتُ وأنا أمسحُ وجهي بكمِّ قميصِ النوم. لا بدَّ من التخلصِ من هذا القميص؛ فقد أصبحَ رثًّا ومغطىً بالترابِ والدماء. عليَّ شراءُ قميصِ نومٍ جديد.
كان ليام في حالةٍ سيئةٍ أيضًا. فبمجردِ قتلهِ للوحش، اتكأَ على سيفِه وجثا على ركبتِه. بدا وكأنه يريدُ الركضَ نحوي، لكنَّ جسدَه خذلَه.
أشفقتُ عليه وركضتُ نحوه، ففتحَ ذراعيهِ لي بحركةٍ تلقائية.
تجاهلتُ حقيقةَ أنه قتلَ شيئًا ما للتو، وأنَّ الجثةَ ملقاةٌ بالقربِ منا. لم يعد ذلك مهمًا. ارتميتُ في حضنِه وتشبثتُ بعنقِه.
التعليقات لهذا الفصل " 109"