1
تردّد وقع خطوات في زقاقٍ مظلم لا يتسرّب إليه الضوء.
استدار رجل كان غارقًا في العتمة على عجل. وهناك، عند مدخل الظلال، وقفت فتاة شقراء تشعّ نورًا.
“أخيرًا وجدتك.”
كانت رايتشل تبتسم، وعيناها الزرقاوان تتلألآن ببريقٍ واثق. زيّها الأبيض الناصع تلطّخ بالطين حتى غدا متّسخًا، غير أنّ ملامحها ظلّت مشرقة.
لقد أمضت زمنًا طويلًا في مطاردة هذا الساحر الأسود—
ذاك الذي أشعل الفتن، وأوقد نار الحرب، وأغرق هذه الأرض في الدماء سعيًا لاستدعاء ملك الشياطين.
وللوصول إلى هذه اللحظة، دفعت ثمنًا من الوقت لا يُستهان به.
“إذًا أنتِ من ظلّت تعترض طريقي طوال هذا الوقت!”
زمجر الساحر الأسود بصوتٍ محتقن بالغضب. وفي داخلها، فكّرت رايتشل أنّ تلك الكلمات كان يجدر بها أن تقولها هي.
لكنها لم تكن ممّن يطيلون الحديث أمام عدوّهم.
وبينما التزمت الصمت، تابع الساحر صياحه:
“كيف اكتشفتِ خططي كلها؟! لو لم تكوني موجودة، لكنتُ الآن حاكم هذا العالم— كخ!”
“كلامك كثير.”
انطلقت الجملة ببرود، وفي اللحظة نفسها اندفع من خلفها رجل ضخم البنية وركل الساحر بقوة.
“داينر، أختك كانت تتحدث.”
“قلتِ إن من يقبض عليه ينل لقبًا نبيلًا، أليس كذلك؟ أفضّل إنهاء الأمر بسرعة والعودة إلى المنزل.”
“أتفق مع ذلك. رايتشل، لا حاجة للاستماع إلى المزيد من هرائه.”
تحدّث الرجل ذو الشعر الفضي بعدما تقدّم خطوة إلى الأمام، بينما وقف إلى جانبه صاحب الجسد الضخم والشعر البني الداكن.
تنفّست رايتشل بخفة وقالت:
“حسنًا، يبدو أنكم مصرّون. لكن ما زال الفضول ظاهرًا على وجهك، لذا سأكتفي بثلاث كلمات فقط: جيدًا، بجدّ، وبكل ما لديك!”
الساحر الأسود الواقف أمامها لن يعرف أبدًا كيف استطاعت الوصول إليه.
“والآن، هل ستستسلم بهدوء؟ أم أُناديك باسمك الحقيقي، أيها الساحر الأسود؟”
وما إن نطقت رايتشل بالاسم حتى ارتجف جسده.
استغلّ الرجل ذو الشعر الفضي اللحظة، فانطلق إلى الأمام مشهرًا سيفه.
غير أنّ عظامًا بيضاء اندفعت من الأرض فجأة، معترضةً نصل السيف.
“لقد حان الوقت! كاكيا، أسيبيس، أبيسوس، ديورو.”
لفظ الساحر الكلمات وبدأ يتلو تعويذته.
صحيح أنه لم يجمع القرابين الكافية لاستدعاء ملك الشياطين، لكن الدماء التي سفكها على مرّ الأيام كانت وافرة. كافية تمامًا لينفّذ خدعته الأخيرة.
“يجب إيقافه!”
صرخت رايتشل بلهفة، فانقضّ الرجلان نحوه.
غير أن الطاقة الشريرة راحت تتصاعد في دوّامةٍ هائجة، حتى غطّت السماء بسوادها.
★★★★★★
•تذكير:{٭لا تجعل قراءة الروايات تُلهيك عن عبادتك.}
يمرّ الإنسان في حياته بأحداثٍ كثيرة، وبعضها يعجز العقل عن تفسيره.
لكن حين يتكرّر الأمر غير المفهوم مرارًا، لا مرّة واحدة، يفقد غرابته… ويصبح واقعًا لا مفرّ منه.
“سحقاً!مُتُّ مجددًا.”
تنهدت الفتاة الشقراء الجالسة على السرير. كانت عيناها الزرقاوان الواسعتان صافيتين كعيني قطّ، وملامحها توحي بالبراءة حتى ليخيّل للناظر أنه أمام ملاكٍ هابط من السماء.
غير أنّ الشتيمة التي خرجت من بين شفتيها لم تكن لتليق بفتاة في الخامسة عشرة.
ومع ذلك، نطقتها بطلاقةٍ طبيعية، كأنها اعتادت الأمر.
لم يكن أمامها وسيلة أخرى لتفريغ هذا السيل من المشاعر.
فقد ماتت اثنتي عشرة مرّة…
وهذا هو اليوم الثالث عشر.
كانت جونغ يوري مجرّد صانعة محتوى تبثّ ألعاب الرعب. لم تكن نجمةً شهيرة، لكنها كانت تبني جمهورها تدريجيًا.
إلى أن وصلتها رسالة من مطوّر ألعاب مستقل، يطلب منها تجربة لعبته الجديدة.
حمل الملف عنوان «مرحبًا، أبي». ظنّت في البداية أنها قصة عن عاطفة أبوية، لكن الحقيقة كانت معاكسة تمامًا—
الأب لا ينقذ ابنته، بل الابنة هي من تخوض الجحيم لإنقاذ أبيها.
وخلال البث، كانت يوري تشاهد البطلة—الفتاة الشقراء رايتشل—تلقى حتفها مرارًا بسبب أشياء تظهر فجأة من العدم.
وفي كل مرة تموت فيها رايتشل، كانت يوري تعاهد نفسها أن تصل إلى النهاية مهما كلّف الأمر.
بعد تفادي دمى تهاجم بالسكاكين فجأة، ومخلوقات تطاردها كالزومبي، وجمع الأدلة المتناثرة في أرجاء القصر، انكشف السبب وراء كل شيء—
الأب نفسه.
هو أصل الشر.
تورّط في السحر الأسود.
بل وكان عالمًا مختلًا.
لم يكن هذا النوع من الانقلابات صادمًا في لعبة رعب. تماسكت يوري، وأكملت اللعب حتى أنهتها بعد أسبوع. لم تصل إلى النهاية الخفية، لكنها رأت النهاية العادية حيث تنجو رايتشل… وكان ذلك كافيًا.
أغلقت البث، ثم حاولت إغلاق اللعبة.
لكنها لم تُغلق.
انتهت شارة النهاية، ومع ذلك ظلّت الشاشة تعمل. وفجأة بدأت رايتشل داخل اللعبة تهمس عن شخصٍ سيخلّصها.
ثم خرجت أيادٍ سوداء من الشاشة، أمسكت بكاحل يوري وجسدها—
وحين فتحت عينيها، وجدت نفسها في مكانٍ غريب.
وفي الهواء أمامها، ظهرت نوافذ زرقاء متتالية:
[لقد ورثتِ لقب “ساحرة الشهر الثالث عشر – رايتشل”.]
[مستوى الخطر: 100٪]
[تم العبث بقانون السببيّة، وأُصيبتِ بلعنة الموت.]
[بناءً على أمنية الساحرة، ستتعزّز قدرتكِ على الرجوع بالزمن لمدة ثلاث سنوات. عند وفاة الساحرة أو أحد أفراد عائلتها، سيتم الرجوع إلى نقطة الحفظ.]
[بعد ثلاث سنوات ستزول اللعنة. نرجو لكِ النجاة.]
حاولت استيعاب الوضع…
لكن الفهم جاء بطريقة لم ترغب بها.
بينما كانت تقف شاردة قرب النافذة، سقطت مواد بناء من السقف الذي كان قيد الترميم، فأصابها أحدها في عنقها.
—لقد متِّ. سيتم الرجوع إلى نقطة الحفظ.
كانت تلك الدورة الأولى.
استيقظت وألم العنق ما يزال حاضرًا. كل شيء كان كما كان: الخادمة تصرخ “آنستي!” وتركض، العائلة تدخل مذعورة، الأب الطبيب يشخّص الحالة كما في المرة السابقة، الأم تقلق، والأخ الأصغر يقف خلفها صامتًا.
تجنّبت الاقتراب من النافذة هذه المرة، لكن لوحًا خشبيًا سقط من الخارج، فقتل الخادمة في الأسفل—رأسها تهشّم كما الوحش ذي الجمجمة المحطّمة في اللعبة.
عندها فقط فهمت معنى النوافذ الزرقاء.
لكن في اليوم التالي، التقت عيناها بفأر خرج من جحره في الممر.
صرخت فاختلّ توازنها، واصطدمت بتمثال سقط فوقها.
—لقد متِّ. سيتم الرجوع.
(ايريس: قد شفتوا بطلة تموت بسبب فار؟ رايتشل تسلم عليكم)
الدورة الثانية.
الثالثة: سقطت في بئر.
الرابعة: تحطّمت العربة وسقطت في منحدر.
الخامسة: لدغتها أسراب نحل.
السادسة: أُصيب أخوها داينر بسهم.
السابعة: سقطت فوق شجيرات ورد… وماتت لسببٍ غامض.
الثامنة: سقطت عليها مطرقة في المخزن.
التاسعة: ماتت على درج القبو.
تسع مرّات لأسبابٍ تافهة.
في الدورة العاشرة أخبرت عائلتها بكل شيء.
فشخّصها والدها باضطرابٍ عقلي، وحُبست في الطابق الثاني، وأُزيلت كل الأدوات الخطرة.
خلال حبسها قرأت مذكّرات رايتشل، وكتب والدها في المكتب. وبعد عامين… مات أحد أفراد العائلة. وعادت.
الحادية عشرة: أخفت الأمر، وتجنّبت المخاطر، ولم يقع حادث…
لكن بعد عامين خرجت الأم بعربة… وماتت.
الثانية عشرة: شدّدت الحراسة على العربة. عاشت عامين بأمان، لكن أُعدم أقارب الأم بتهمة التمرّد، فاختفت الأم في اليوم التالي… وماتت.
وهكذا بلغت الدورة الثالثة عشرة.
ستّ سنواتٍ وشهر تقريبًا عاشتهما كرايتشل.
كل ما تريده الآن… أن تتجاوز ثلاث سنوات.
فتحت عينيها، وكما في كل مرة، اندفعت الخادمة خارج الغرفة.
دخلت العائلة.
“رايتشل!”
احتضنتها امرأة شقراء تشبهها—إيفلين، أمها.
شخصية لا تظهر في اللعبة. تموت في الأصل بعد عام. وربما كانت سبب رجوعها ثلاث مرّات.
كانت دائمًا أول من يحتضنها. ويوري، التي كانت يتيمة، وجدت في ذلك العناق دفئًا لم تعرفه من قبل.
“هل أنتِ بخير؟ لا يؤلمكِ رأسك؟”
“أنا بخير.”
“ارتاحي لبعض الوقت.”
الرجل ذو الشعر الأسود الذي يتفحّصها هو والدها، أنري إمفوروس. طبيب يعالج النبلاء فقط، يقيم غالبًا في العاصمة. خلال ستّ سنوات، بالكاد قضت معه شهرًا كاملًا.
كان زوجًا صالحًا، وأبًا لطيفًا لابنه… لكنه بارد معها وحدها.
ومع ذلك، كان محور كل شيء.
بعد وفاة إيفلين، سيلجأ إلى التجارب البشرية والسحر الأسود لإحيائها.
والكارثة التي اجتاحت القصر في اللعبة—الوحوش، الجثث المتحرّكة، الدمى والتماثيل—كانت نتيجة لذلك.
إن لم تمت العائلة، فذلك المستقبل كان بانتظارها.
سجّلت أحداث اللعبة مرارًا، لكن كل سجلّ يختفي مع الرجوع. وبعد ست سنوات، لم يبقَ في ذاكرتها سوى الخطوط العريضة.
الخلاصة واضحة:
يجب أن تمنع أنري من لمس السحر الأسود.
وإنقاذ إيفلين… أمرٌ لا يقبل التفاوض.
انتهى….
ترجمة: ايريس
التعليقات لهذا الفصل " 1"