“تبًّا لك…!”
صرخت الفتاة القروية التي نشأت بشجاعة و هي تجوب المرتفعات ، ثم التفتت حولها تلتقط حجرًا و قذفته بكلّ قوّتها.
حين استعادت وعيها ، شعرت بغضبٍ عارم يتملّكها.
كانت التعاويذُ الشريرة لا تزال تتردّد في الأجواء ، و في وسط مسرح الذبح حيث تتطاير الدماء و تتكسر العظام ، انطلق حجرها المحمّل بالحنق.
“لقد قلت إنكَ ستوصلني!”
لم تكن تريد الموت هنا.
و فجأةً ، طار شيءٌ ما من بعيد و سقط بالقرب منها ليصيب الخيول بالفزع ، لكن بيلونا لم تُكلّف نفسها عناء الالتفات لترى ما هو ؛ فبالتأكيد لم يكن سوى ذراعٍ مقطوعة أو رأسًا ، أحدهما لا محالة.
ازداد صوت التعاويذ حدّة ، فصرخت بيلونا مجدّدًا بصوتٍ يملؤه الغضب :
“هاي! سول! أيها الأحمق! ألن تعود إلى رشدكَ؟”
انطلق الحجر الذي رمته بعشوائية ليُحدِث صوتًا مدوّيًا.
لقد تفجّرت جمجمة أحدهم.
‘أصبته! لقد كنتُ مفيدة!’
و في اللّحظة التي ارتسمت فيها ابتسامةُ فخرٍ لا إرادية على ثغر بيلونا ، كان سول قد سحب القوس و السهام المعلّقة على سرج الرجل الذي سقط صريعًا بالحجر ، ثم استدار شادًّا وتر القوس.
وسط السيوف و الرماح التي كانت تنهال نحوه ، لم يكن يملك الوقت إلا لإطلاق سهمٍ واحد فقط ، و قد آثر سول أن يمنح تلكَ اللّحظة الثمينة للساحر الذي استمرّ في إلقاء اللعنات عليه طوال الوقت.
أصاب السهمُ العينَ اليسرى للساحر فسقط من فوق جواده.
“واااه!”
هتفت المرأةُ التي نسيها لبرهة حين كان يقاتل و ظهره لها ، غارقًا في تأثير اللعنة.
لفحت نسماتُ الليل الباردة المختلطة برائحة الدماء وجنتيّ سوليشار ، و تبدّد الضباب الأسود الذي كان يملأ رأسه.
“هل قلتِ أنّني أحمق؟”
تمتم سوليشار بضحكةٍ ساخرة و هو يمسك بسهمٍ متبقٍّ ، ثم طعن به ذراع الرجل الذي كان يلوّح بسيفه نحوه.
لقد كانت محقّة في كلامها على أيّ حال.
“أنتِ ، إن كنتِ لا تريدين الموت فاختبئي فورًا!”
صاح بها بحدّة ، ففزعت بيلونا و اختبأت خلف صخرة على الفور.
و مع ذلك ، و تحسّبًا لأيّ طارئ ، قبضت على حجرٍ بقوّة حتّى آلمتها يدها ، بينما أمسكت بالأخرى لجام الحصان.
لم يتوقّف صهيل الخيل و لا أصوات الارتطام لفترةٍ من الزمن.
كانت الآن تعبر مجدّدًا الحدود الفاصلة بين الحياة و الموت.
لقد اندفعت بتهوّر نتيجة الضيق و الغضب ، لكنها أدركت تلقائيًا أنّها لو لم تنجح في مساعدة سول ، لكان قد قتلها هي أيضًا دونَ أن يتمكّن من تمييزها.
لذا ، كان عليها أن تظل يقِظة و تتأكّد من عدم وجود ساحرٍ آخر.
بمجرّد أن خطرت لها الفكرة ، رفعت بيلونا رأسها.
التقطت ثلاثة أحجار إضافية لرميها عند الضرورة ، و هيّأت نفسها تمامًا.
‘حتّى لو رأيتِ مناظر فظيعة مجددًا ، فلا تستسلمي’.
و بينما كانت تهمّ بالخروج ببطء من خلف الصخرة بعد أن عقدت عزمها ، التقت عيناها بحذاءٍ مغطّى بالغبار.
“آاااه!”
أطلقت بيلونا صرخةً مدوّية و رمت الحجر ثم تدحرجت بجسدها.
حاولت الوصول إلى حيث توجد الخيول ، لكن بينما كانت تتقلّب على الأرض الترابية ، شعرت بيدٍ تختطفها من الأعلى لتجد نفسها معلّقة في الهواء.
“لقد انتهى الأمر ، انهضي.”
سوليشار الذي رفع بيلونا و أوقفها ، أخذ ينفض الغبار عن ردائها الملطّخ بالتراب و هو يتفحّصها بحذر.
‘لقد كنتِ ترفعين يديكِ و تهتفين قبل قليل ، و الآن ترتعدين خوفًا’.
ابتسم بسخرية ثم استدار.
“أكملي تنظيف ثيابكِ بنفسكِ.”
لحسن الحظ ، لم تهرب الخيول و كانت قريبة.
يبدو أنها أدركت انتهاء الموقف أسرع من بيلونا.
أعاد سول ربط الخيول ، بينما اقتربت بيلونا لتمسح عليها و تثني على هدوئها.
“هل أنتَ بخير؟”
“أنا بخير.”
“ألم تُصب بأذى؟”
“أنا سليم تمامًا.”
“هل ماتوا جميعًا؟”
ساد الصمت في المكان و كأنه يجيب على سؤالها.
حتّى الوحوش التي كانت تعوي فرّت فزعًا من المذبحة ، و لم يعد يُسمع سوى صوت خطواتهما.
كانت الجثث الملقاة فوق الدماء واضحة تمامًا رغمَ الظلام ؛ لقد قتلهم سول جميعًا.
ابتلعت بيلونا ريقها بصعوبة.
“هل أنتَ بخير حقًّا؟”
أيعقل أنّه قتل كل هؤلاء الناس؟
لم تستطع تصديق الأمر رغم رؤيته.
“يكفي أنّني استعدت وعيي. أما أنتِ ، فلا ترغمي نفسكِ على النظر و ابقِي هنا.”
أجاب سوليشار و كأن الأمر لا يعنيه.
“ستقوم بتفتيش الأمتعة مجدّدًا ، أليس كذلك؟ أنا أستطيع فعل ذلكَ أيضًا.”
“هؤلاء الرجال يضعون السمّ حتّى على مقتنياتهم الشخصية. لا يمكنكِ ذلك.”
عند سماع كلامه المخيف ، سحبت بيلونا يدها التي كانت قد مدّتها نحو جثة بسرعة.
و مع ذلك ، التصقت بظهر سول ؛ لأن البقاء وحدها كان أكثر رعبًا.
“كيف تشعر الآن؟ هل أنتَ بخير؟”
“حاليًا ، نعم. و لكن كيف استخدمتِ السحر؟”
التفت سول نحوها و سألها.
“صحيح. ما فعلته كان سحرًا ، أليس كذلك؟”
تنهّد سوليشار و هو ينظر إلى هذه المرأة التي أذهلته عدّة مرات اليوم.
‘كيف تسألينني أنتِ عن ذلك؟’
كان أمامه الكثير ليفعله ؛ تفتيش الجثث للبحث عن خيوط تدلّه على مَنٔ يطارده ، و تنظيف المكان بسرعة للرحيل فورًا.
كان تركيزه على العمل وسيلة للهروب من مشاعره المتخبطة في داخله ؛ لم يكن يريد التحدّث أو إظهار ما يشعر به.
و هذه الفتاة التي لم تكن تعرف حتّى اسمها ، أوقفت نوبة هياجه بحركات بسيطة من يدها ، ثم تسأله ببراءة إن كان ذلكَ سحرًا.
هي لا تدري أنها الشخص الذي تسبّب في اتهامه و جرّه كجاني ، و مع ذلكَ تمسك بطرف ثيابه بتردّد.
كانت ترتجف خوفًا و عيناها مثبتتان عليه وحده ، ثم تنطق بكلماتٍ غريبة.
كان سوليشار يفضّل أن يستمر في غضبه.
فكلما ظنّ أن وجه بيلونا الصافي و هي تنظر إليه مبلّلة بالماء ، أو منظرها و هي تأكل الخبز بشهية ، جميـل ، كان يشعر بأنه أحمق.
و حتّى الآن، يدها التي تمسك بطرف ثيابه كانت تزعجه.
لكنه رغمَ ذلك ، كان يشعر بالفراغ لأن دهشته كانت تتبدّد مع غضبه.
“حين رأيتُ ما كنتَ تمرّ به ، تذكرتُ مشهدًا مشابهًا.”
“أي ذكرى؟”
“عندما كنتُ صغيرة ، كان لي صديق ألعب معه ، لقد تذكّرته عندما هاجم ذئبًا في الغابة أو الجبال و قاتله و هو غائب عن وعيه. كان يقاتل بقوّة غريبة.”
توقفت بيلونا عن الكلام لبرهة ؛ ففكرة وضع طفل في مواجهة وحش كانت مرعبة.
“في ذلكَ الوقت أيضًا ، كان هناك ساحرٌ شرير يتحكم به من بعيد. تلكَ التعاويذ يصاحبها ضجيج مزعج ، كأنه اهتزاز معدن أو صوت كشط.”
بما أن الجثث كانت تحيط بهما من كل جانب ، و كان الصمت المريب يطبق على المكان فور توقفها عن الكلام ، تعمّدت بيلونا الثرثرة أكثر.
على أيّة حال ، كان استرجاع جزء من ذاكرتها خبرًا سعيدًا جدًا ، و أرادت قبل كل شيء أن تحفره في ذهنها كي لا تنساه أبدًا.
“لذا ، ساعدتُه تمامًا كما فعلتُ قبل قليل.”
“كيف؟”
سأل سول و هو يتفحّص القتلة الذين لم يجد معهم شيئًا كما هو متوقّع.
“ممم…. يكفي أن تمنع التعويذة السيئة و توفّر الحماية.”
“هكذا ببساطة؟”
أجابت بيلونا بخجلٍ شديد :
“نعم. هذا كل ما أجيد فعله.”
بدا صوتها محبطًا تمامًا.
‘لقد بدأتُ أفهم لماذا تكرهها القاضية التي ادّعت أنها صديقتها’.
في تلكَ اللّحظة ، عثر سوليشار على كيس نقودٍ ثقيل في جثة كان يفتشها.
‘هل هذا هو زعيمهم؟’
حين نزع اللثام ، ظهر وجهٌ مليء بالندوب ، لكنه لم يكن وجهًا يعرفه.
إلا أن الجثة التي كانت بعيدة قليلًا ، و التي قُتلت بكسر شنيع في الرقبة ، كانت لوجهٍ مألوف.
الساحر الذي اخترق السهم عينه و نفذ من رأسه تمامًا ، لم يستطع إغلاق عينيه و كان يحدّق مباشرة في سماء الليل.
“… بخصوص الذكرى التي ذكرتِها للتو.”
التفتت بيلونا ، التي كانت تتجنّب النظر إلى الجثث ، نحو سول بسرعة.
“هل رأيتِ وجه ذلكَ الساحر الشرير الذي كان يتحكم بصديقكِ؟”
“لا. كان بعيدًا ، لذا رأيته بلمحة خاطفة فقط.”
نظر سوليشار إلى السّاحر الميت.
من المثير للسخرية أن اثنين من المتهمين الثلاثة بمحاولة اغتيال وليّ العهد كانا هنا ؛ أحدهما يسرد ذكرياته المجزأة دونَ أن يدركها ، و الآخر جاء ليقتله مجدّدًا فانتهى به الأمر قتيلًا.
“و كنتُ خائفة جدًّا لدرجة أنني لم أستطع الاقتراب.”
تمتمت بيلونا بصوتٍ منخفض و هي تنظر بدورها إلى الساحر.
‘هل كان الموت مرعبًا حتّى بالنّسبة لشخصٍ يستمتع بمضايقة الآخرين؟’
كان وجهه المشوّه يفيض بالصدمة و الألم.
“لكنكِ تدخلتِ رغمَ شعوركِ بالخوف.”
“لأنّه صديقي.”
قالت بيلونا ذلك بجدية و هي تقطب حاجبيها.
“و حتّى لو لم نكن مقرّبين ، كان يجب عليّ إنقاذه بأيّ طريقة. لم يكن هناك بالغون في الجوار.”
“و هل كنتما مقرّبين؟”
بينما كان سول يفتش جثة الساحر ، وقفت بيلونا على بعد خطوة تفكّر بصمت ، ثم هزّت رأسها.
“لا أعرف. لكنّني أظن أنه كان شخصًا عزيزًا.”
توقّفت اليد التي كانت تقلّب الجثة بقسوة للحظة عند سماع ذلكَ الصوت المنخفض من خلفه.
“كنتُ أرغب بشدّة في إنقاذه.”
لقد سئم سول من رؤية الدماء اليوم ، و مرّةً أخرى تسببت نوبته في تناثر الجثث فوق الأرض القاحلة.
مع ذلك ، ضغط سوليشار على يده دونَ وعي ، فسمع صوت كسر أضلاع الجثة التي لا تزال دافئة.
إذا التفت خلفه متبعًا ذلكَ الصوت الذي اعترف بحذر ، سيجد تلكَ العينين بلون الماء تنظران إليه بجهلٍ تام.
بيلونا التي كانت خجولة لدرجة أنها لا تستطيع تحمّل التقاء الأعين ، و التي كانت تتصلّب و تجيب باقتضاب إذا وُجّـه إليها الكلام ، لم تعد موجودة.
و مهما كان الموقف طارئًا ، فإن تجرؤها على التحدّث بدون رسميّة و الصراخ في وجه وليّ العهد ، يؤكد تمامًا أنها فقدت ذاكرتها بالكامل.
لذا ، لم يكن بإمكانه محاسبتها على ذنب لا تتذكره.
لكن شعور الفقد الذي كان يعانيه وحده كان مقزّزًا لدرجة أصابت رأسه بالدوار.
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"