2
عندما يعقد البرلمان جلساته، يلتقي الأعضاء في قصر فاليات حيث يقع مبنى البرلمان.
والمثير للدهشة أن غالبية النبلاء الذين يشكلون مجلس الشيوخ لا يحضرون هذه الجلسات.
لذا كانت لويسا آلن التي تحضر بانتظام في كل جلسة، حالة استثنائية بلا شك بينهم.
“العضو آلن، لقد أتيتِ.”
“السيد الرئيس برادفورد، سررت بلقائكِ بعد غياب.”
لويسا وجهت التحية بوجه مشرق يعكس بإخلاص سرورها.
كان جيمس برادفورد رجلاً مسنًّا أشيب الشعر، يشغل حاليًا منصب رئيس مجلس الشيوخ.
“سمعتُ عن حادثة الانفجار. لا بد أن الأمر كان مُرهقًا لكِ.”
“ليس بيدنا حيلَة. لا يبقى إلا أن نتمنى أن يُحسَم الأمر على خير.”
لويسا ابتسمت برقة وكأن شيئًا لم يكن.
التقط برادفورد نظارته أحادية العدسة وضحك ضحكة هادئة.
“لقد كنت أفكر في هذا منذ سنوات، لكن يبدو أنني لم أعد بحاجة للقلق عليكِ الآن، أليس كذلك؟”
صوت فرك القماش الناعم على العدسة
“عندما دخلتِ هذه القاعة لأول مرة، طفلةً لم تزل علامات الصبا باديةً على وجهكِ، ترتدين ثيابًا بالكاد تليق بمكانة العضوية، ماذا ظننتُ وقتها؟”
“علامات الصبا؟ مهلا، لم أكن بذلك الصغر في النهاية.”
“لا تستهيني بذاكرة عجوز، سيدة آلن كنتِ آنذاك سيدةً شابة ذات وجنتين ورديتين ممتلئتين.”
“يا للعجب! هذه أول مرة أسمع فيها وصفي بهذه الطريقة.”
لويسا أظهرت تعبيرًا شبه متجهم.
عندها أطلق برادفورد ضحكة عريضة وقال:
“على أي حال، رؤيتكِ اليوم تثير في نفسي مشاعرَ جديدة حقًا فيليب أيضًا يمكنه الآن أن يرقد بسلام.”
نظر إليها برادفورد بنظرة إعجاب وافتخار لحظة، ثم ودّعها قائلاً إن عليه العودة إلى مقعده الآن.
فيليب أفيريت.
رددت في داخلها اسم والدها الذي بدأ يبدو غريبًا بعض الشيء الآن.
في الحياة، تأتي أحيانًا أوقاتٌ تتراكم فيها النكبات بشكل قاسٍ. وكان شتاء عامي الثامن عشر هو ذلك الوقت.
في البداية، جلستُ أمام شاهد قبر والديّ أبكي بلا توقف.
حزينةً، لائمةً القدر الذي نصب لي هذا المصير، وحانقةً على من خاننا.
لكن عندما علمتُ بأن هناك شابًا آخر، مثلي تمامًا، لا يملك سلطةَ اتخاذ أي قرار، ولا قدرةً على حل أي مشكلة.
وعندما وقف أمامي بوجهٍ شاحبٍ كأنه على شفا الموت، أدركتُ.
آه، وما الفرق بينه وبين حالي الآن؟
الشاب إدوارد آلن جثا على ركبتيه وانحنى برأسه أمام العضوين الباقيين من عائلة أفيريت متوسلاً:
[سأتحمل مسؤولية خطأ والدي سأبذل قصارى جهدي لأصلح كل شيء، فأرجوكم أعطوني بعض الوقت.]
[إحساسك بالمسؤولية نبيل يا إدوارد آلن لكن من رحلوا لن يعودوا.]
[ذلك…]
نظرت لويسا إلى الشاب الذي لم يستطع رفع رأسه تحت وطأة استجواب أخيها، وفكرت:
هذا اللوم وهذا الحزن، على الأقل، لا يجب أن يُوجَّها نحو هذا الرجل.
لذا قالت:
[لا، لا بأس. سنمنحك الوقت.]
[… لويسا؟]
[أخي. دعنا نأخذ منه أقصى ما يمكنه سداده.]
[أتقصدين أن نمنحه فرصة؟]
[إذا كان انتظاره حتى يكتسب القدرة يعني منحه فرصة، إذاً نعم. لنمنحه فرصة.]
[لويسا. الثقة العمياء في الناس عادة غير محمودة. أنت تعلمين ذلك.]
[أنا فقط أرى أننا جميعًا ضحايا لبنيامين آلن.]
[أها… نعم. هذا صحيح.]
ومنذ ذلك الحين، عاش آلن الذي تحمل عبء دين والده، والعضوان الباقيان من عائلة أفيريت اللذان تُركا وحيدين، بأقصى ما يستطيعان.
قلَّلَ ساعات نومه ووجباته إلى الحد الأدنى، وجمع بين الدراسة والعمل.
انضم إلى مختبر بحثي يجلب المال بدلاً من المختبر الذي كان يحلم بالانضمام إليه.
تعلم أعمالاً لم يمارسها من قبل، وذهب إلى منازل مختلفة للعمل كمدرس خصوصي.
ولحسن الحظ، أو ربما بمحض الحظ، لم تخذلهم جهودهم.
بمرور الوقت، أصبح إدوارد آلن مهندسًا ورجل أعمال بارزًا، وتحول اسم “آلن” إلى عائلة معروفة على مستوى البلاد.
ظننتُ في تلك الأيام أنني سأكون أكثر سعادة حين يأتي مثل هذا اليوم.
على الأقل، هكذا فكرت تلك الفتاة التي وقعت في حب رجل عاش بأقصى ما يستطيع.
لكنني كنت صغيرة. لذا، بسذاجة، ظننتُ أننا نستطيع أن نحب بعضنا بصدق.
دون أن أقدّر حجم الشعور بالذنب الذي كان يثقل كاهله، ووهمًا مني بأن هذا الرجل الذي بقي بجانبي يحمل نفس مشاعري.
أخفَت لويسا طرفَ شفتها الساخر باحتساء رشفة ماء من قنينة الماء.
رئيس المجلس برادفورد الذي التقيته بعد غياب، كان يبتسم بوجهٍ مغتبط قائلاً إن قلقه قد قل الآن.
لكن هل هذا صحيح حقًا؟ هي لم تستطع الجزم.
كان والدها فيليب يسألها دائمًا: “هل أنتِ سعيدة يا ابنتي؟”، أما الآن فهي لا تستطيع الإجابة على ذلك السؤال.
***
دَوَّى هديرُ محرك السيارة المصنوع من حجر السحر برفق.
عبرت أحدث سيارات شركة آلن بوابة القصر بسلاسة وتوقفت أمام الرواق.
نزل جونسون من مقعد السائق.
“لقد وصلنا، سيدتي.”
فتح باب المقعد الخلفي.
على الفور تدفق هواءٌ منعش إلى الداخل.
شدَّت لويسا الوشاح الذي ترتديه وخرجت من السيارة.
“أهلاً وسهلاً بعودتك، سيدتي!”
ركعت ريتشيل التي خرجت لاستقبالها بانحناءة تحية.
كان اليوم متعبًا بشكل خاص..
بسبب نبأ حادثة شركة آلن، تلقَّت العديد من الانتقادات والتشكيكات حول ما إذا كانت هناك مخالفات في إدارة المعهد.
ولهذا، لم تُناقَش بنود جدول الأعمال المتعلقة بالتعليم التي كانت تود الحديث عنها بشكل صحيح.
كانت حركات ريتشيل وهي تتولى معطف لويسا خفيفة ونشيطة.
رغم أنها في المساء، بدت منشرحة، وكأن شيئًا سارًّا حدث.
قالت لويسا بابتسامة خفيفة:
“تبدو ملامحك مشرقة اليوم.”
“أوه!”
قالت ريتشيل مندهسة ثم همست بأذنها:
“لأن سيد البيت هنا اليوم أيضًا! ستتناولان العشاء معًا بعد فترة طويلة، لذا بذلت السيدة جونسون جهدًا خاصًا في الإعداد!”
أدركت لويسا السبب.
ابتسمت ابتسامة عابرة.
“قُولي للسيدة جونسون إنني أشكرها على اهتمامها.”
“حاضر، سيدتي! إذاً سأذهب الآن لإخبار السيدة بأن تبدأ في تقديم الطعام.”
انطلقت ريتشيل بخفة خطواتها المعهودة مسرعة نحو المطبخ.
بعد أن استبدلت ملابسها بفستان داخلي بسيط، ونزلت، رأت إدوارد جالسًا في مكانه ينتظر.
مشَت لويسا مسرعة إلى الطاولة قائلة:
“هل انتظرتني؟ أنا آسفة.”
“لا عليكِ. الأمر بخير.”
جلست لويسا مقابل إدوارد وقالت:
“كانت مغادرتك للعمل مبكرة اليوم.”
“كنت مشغولاً لفترة متواصلة الجو متوتر، لذا أرسلت الموظفين مبكرًا.”
عندما جلست هي أيضًا، وُضعت الأطباق المعدَّة مسبقًا تنبعث منها روائح شهية في الوقت المناسب.
بعد أن ضبط زاوية أدوات المائدة قليلاً، نقل إدوارد يده أخيرًا إلى طبق السلطة وكأنه وجد الوضع المناسب.
بينما يضع كمية من السلطة في صحنه، سأل:
“سمعت أنك ذهبت إلى قصر فاليات؟ يبدو أن الجلسات ستستأنف من اليوم؟”
“نعم. لقد أخبرتك سابقًا أن عطلة الصيف البرلمانية ستنتهي قريبًا… يبدو أنك نسيت بسبب انشغالك.”
“آه… هل قلتِ ذلك؟”
التهم إدوارد سلطته بصمت وكأنه يحاول تذكر شيء.
نظرت لويسا إليه بتلطف في صمت لحظة ثم قالت:
“لذا ستكون هناك جلسات متكررة في الفترة المقبلة.”
“بالمناسبة. لدي شيء أود سؤالك عنه.”
نظر إدوارد الذي ظل صامتًا برهة إلى لويسا وقال:
“هل تفكرين في الترشح لمنصب رفيع في الحكومة لاحقًا؟”
قالت لويسا مجتهدة في ابتسامتها:
“لم أفكر في الأمر إلى هذه الدرجة بعد. هل من سبب لتساؤلك؟”
“إذا لم يكن الأمر كذلك، فلماذا تذهبين إلى ذلك المكان باستمرار؟”
كان متوقعًا.
شعرت لويسا بشرود ذهني.
لطالما نظر زوجها باستياء إلى منصبها كعضو برلماني.
كانت تتوقع رد فعل حساس بسبب قضية المعهد، ولكن عندما واجهت الأمر فعلاً، شعرت بالإحراج رغم استعدادها النفسي.
كيف يمكن التعامل مع هذا الوضع الذي يتكرر دائمًا دون أن يلوح في الأفق أي حل؟
تابع إدوارد حديثه بنبرة سخرية:
“أليس ذلك مكانًا يلتقي فيه أناسٌ مهووسون بذم الآخرين؟ لا شك أنهم استغلوا حادثة انفجار المعهد ليثرثروا بكلامهم المعتاد لماذا تذهبين إلى ذلك المكان وتستمعين حتى إلى ما لا داعي لسماعه؟”
“قلتُ لك. كما تذهب أنت إلى الشركة، أذهب أنا إلى القصر. لأن هذا هو عملي.”
“عملكِ؟ الذهاب طواعية لسماع كلام فارغ؟”
“ليس هكذا—”
لستُ أذهب لسماع كلام فارغ، بل لأن لدي ما أريد تحقيقه، ولدي ما يجب أن أفعله، لذا أذهب.
لكن لويسا لم تستطع إكمال بقية الكلام، فقد توقفت شفتاها.
مرَّت في رأسها الكلمات التي قالتها مرارًا لإقناعه.
كم من المشاعر استنزفنا في تلك العملية؟
تخيلت في رأسها النهايات الواضحة التي رأتها مرات لا تحصى.
اختنق صدرها وشعرت بضيق عندما انتشر المشهد المألوف أمام عينيها كبانوراما.
ضغطت لويسا على صدرها وتنفست بعمق.
“أتظنين أن فعلِكِ هذا سيجعل أولئك الأشخاص ينظرون إليكِ بشكل أفضل؟ مستحيل أنا أعرف طبيعتهم جيدًا.”
“قلتُ لك أنني لا أذهب لأجل ذلك.”
“إذاً لماذا تذهبين حقًا؟”
سأل بدهشة.
من المؤكد أن منصب العضوية، الذي يشبه منصبًا شرفيًا، لم يكن حتى مصدر دخل حقيقي.
ومع ذلك، توليتُ المنصب بمسؤولية.
كما أقسمت مرارًا، وكررت مرارًا وأنا أنظر إليه:
“لأنني أتمنى أن يتغير العالم قليلاً لقد أخبرتك مرارًا. هذا هو دور العضو البرلماني.”
قَطَّب إدوارد حاجبيه وعبس.
يبدو أنها ليست الوحيدة المتعبة من التكرار الذي لا نهاية له.
“… تتمنين أن يتغير العالم.”
أطلق تنهيدة عميقة.
“إذا فعلتِ ذلك وحدكِ، فستكونين الحجر البارز الذي يُضرَب لو كان ذلك مجديًا، لكان كل النبلاء يحضرون باجتهاد مثلكِ لكن هل تعرفين لماذا لا يفعلون؟”
قال لها بوضوح وكأنه يريدها أن تسمع كل كلمة:
“لأنه لا داعي للقيام بعمل لا معنى له.”
“لو كان حقًا بلا معنى، لاختفت هذه الوظيفة منذ زمن، إدوارد.”
رفع إدوارد حاجبيه وكأنه يريد توبيخ لويسا التي ردت عليه دون تراجع.
لكنه أطلق تنهيدة بعد ذلك وتابع حديثه بهدوء:
“إذا كان الأمر كذلك، فاذهبي إلى أي تجمع اجتماعي بدلاً من ذلك سمعت أن السيدة برايز التي تربطكِ بها صداقة؟ يبدو أنها تنظم مع بعض الأشخاص ناديًا للقراءة أو شيء من هذا القبيل. انضمي إليه. سيكون ممتعًا.”
“شكرًا على اقتراحك. سأفكر في أمر نادي القراءة. لكن هذا لا يعني الاستقالة من منصبي البرلماني.”
“لويسا!”
أخيرًا لم يتمالك نفسه ورفع صوته.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 2"