‘هَذا…….’
نَظَرتُ شاردَةً إلى الفتاةٍ المَرسومٍه على وَرقة.
صحيحٌ أنّها رَسمةٌ مُرسومةٌ بمهارةٍ ساذجة، لكنّ الفتاة داخل الورقة كانت بلا شكّ أنا.
شَعرٌ أحمرُ طويلٌ متموّج، وعَينانِ بلونٍ أرجوانيّ.
ذلك الوجه الذي تأمّلتُه في المرآة مرّاتٍ لا تُحصى، الغريبُ المألوف في آنٍ واحد.
وتحت الرسم كانت مكتوبة عبارة “نبحث عن شخص”.
كان ذَلك خطّ كولين في طفولته.
حبستُ أنفاسي للحظة وعضضتُ على شفتيّ.
ثمّ، ما إن فتح كولين عينيه ببطء، حتّى أسرعتُ فأعدتُ إدخال الورقة بين صفحات الكتاب.
“……روز؟”
“استيقظتَ؟”
ابتسمتُ له وأنا أتظاهر بأقصى قدرٍ من الطبيعيّة.
فتح كولين عينيه على اتّساعهما وهو ينظر إليّ، وكأنّه استغرب جلوسي راكعةً أمام السرير.
“لماذا تجلسين هكذا؟”
“آه، لا. فقط…… خرجتُ بعد أن اغتسلتُ، ورأيتُك نائمًا.”
هاهاها.
ضحكتُ بارتباك وأنا أحكّ خدّي، فنظر إليّ كولين قليلًا ثمّ أطلق ضحكةً خفيفة.
“ما زلتِ غريبةً كما أنتِ.”
تمتم بذلك بصوتٍ تختلط فيه الضحكة.
“قلتُ إنّي سأنام قليلًا فقط، لكنّي غفوتُ. آسف. فقد قضيتُ الليل كلّه أقرأ.”
“لا بأس. ما زلتَ تحبّ الكتب كما أنت.”
“الإنسان لا يتغيّر بسهولة، أليس كذلك؟”
كان كولين، في دار الأيتام، أوّل من يقرأ الكتب وأكثَرهم قراءةً كلّما وصلت كتبٌ جديدة.
وبفضل ذلك، أصبح كولين في الرواية الأصليّة يتولّى الحسابات والتجارة في تجارة “هولدن”.
لكنّني تظاهرتُ بجهلي بتلك التفاصيل واكتفيتُ بابتسامةٍ خفيفة.
“روز، هل ستذهبين الآن؟”
“نعم، يجب أن أذهب. لقد تكاسلتُ بما فيه الكفاية. عليّ أن أعود للعمل قبل أن يُكشف أمري.”
نهضتُ من مكاني ونفضتُ الغبار العالق بركبتيّ.
“انتظري، روز. أحد الأزرار غير مُغلق.”
“أه؟ آه…….”
نهض كولين هو الآخر، ونزل من السرير حتّى وقف أمامي.
“آه، كان شعري مبلّلًا ومتداخِلًا فلم أستطع الإمساك به جيّدًا…….”
كان زيّ الخادمة يُغلق بالأزرار من الخلف.
لكنّ الأزرار كانت صغيرةً وكثيرة، وتمتدّ حتّى أسفل العنق مباشرة، لذا غالبًا ما تصاب ذراعي بتشنّجٍ وأنا أحاول إغلاقها وحدي.
وفوق ذلك، كان الشعر المبلّل متشابكًا، فلا يمكنني الإمساك بالأزرار أصلًا.
‘ظننتُ أنّ الشعر الطويل سيغطيها فلا تظهر.’
وبينما أتذكّر الزرّ الذي لم أُحكم إغلاقه عند العنق، رفع كولين يده فجأة.
“سأُغلقه لكِ.”
“ماذا؟ لا، لا بأس.”
حاولتُ الرفض، لكنّ كولين كان قد أمسك بكتفي وأدارني، ثمّ مدّ يده إلى شعري.
بلمسةٍ خفيفة، جمع كولين شعري الطويل الذي يصل إلى خصري وألقاه إلى الأمام، ثمّ لمس ياقة عنقي.
“الأزرار صغيرة. لا بدّ أنّها مزعجة.”
لأنّ الشعر أُزيح كلّه إلى الأمام، شعرتُ بأنّ أنفاس كولين قريبةٌ على نحوٍ غريب وهو يتمتم.
إحساسٌ غريبٌ بالدغدغة صعد من أطراف قدميّ.
لا، لا بأس.
نحن أصدقاء.
ليس غريبًا أن يُغلق صديقٌ زرًّا واحدًا لصديقته.
نعم، لأنّنا أصدقاء.
‘لكنّ كولين هذا…… لم يعد يسمع كلامي كما في السابق.’
إجباره لي على الاغتسال قبل قليل، وإصراره الآن على إغلاق الزرّ بنفسه.
‘هل كبر وأصبح له عنادٌ؟ حقًّا. كان طفلًا وديعًا لطيفًا.’
في دار الأيتام، كان يسمع كلامي دون أن يسأل عن السبب.
ولم يُلقّب بـ”الملاك كولين” عبثًا.
وبينما أشعر بالأسى لتغيّره الطفيف، لامست أصابع كولين عنقي ثمّ ابتعدت.
“انتهيتُ، روز.”
“شكرًا لك.”
“لا شكر على واجب.”
أعدتُ شعري إلى الخلف وابتسمتُ له ابتسامةً واسعة.
انتهى يوم العمل بعد أن قضيتُه كاملًا في تنظيف السلالم فقط.
سلالم الملحق، وسلالم القصر الكبير كلّها، حتّى زواياها الخفيّة.
وبعد ذلك، أصبح خصري يؤلمني وعيناي مثقلتين……
لكنّ لحسن الحظّ، خفّ التعب قليلًا بفضل حمّام الماء الساخن.
‘حقًّا، النبلاء يعيشون حياةً طيّبة. ماءٌ ساخنٌ كلّ يوم دون حساب.’
عدتُ إلى السكن مبكّرًا، تناولتُ العشاء، ثمّ عدتُ إلى غرفتي أستريح قليلًا وأنا أتحسّر على حالي.
طَقْ طَقْ.
سُمِع صوت طرقٍ على الباب.
فتحتُه، فإذا بإحدى الخادمات الكبيرات تقف مرتديةً ثياب النوم.
“أنتِ، اسمكِ روزيتا، صحيح؟”
“نعم. ما الأمر؟”
كان الوقت قد تأخّر، والجميع يستعدّ للنوم.
ما الذي جاء بها الآن؟
عقدتُ حاجبيّ عند ظهورها المفاجئ، وكان الإحساس سيّئًا منذ البداية.
“نسيتُ خاتمًا في غرفة زينة السيّد الكونت. هل يمكنكِ إحضاره لي؟”
“ماذا؟ ولماذا أنا؟”
سألتُها بدهشة، فقهقهت وكأنّها الأكثر استغرابًا.
“لماذا؟ لأنّكِ خادمةٌ مبتدئة. آخر من انضمّ. أليس من حقّي أن أُكلّفكِ بمهمّة؟”
وجهٌ خجولٌ مليءٌ بالنمش، لكنّ نبرة صوتها كانت وقحةً على غير المتوقّع.
تذكّرتُ شخصًا رأيتُه نهارًا، لا أدري لماذا.
لكنّي لم أنوِ طاعتها ببساطة.
“لو كان عملًا رسميًّا لكان ممكنًا، لكنّ إحضار خاتم مسألة شخصيّة. لماذا تُرك الخاتم أصلًا في غرفة زينة السيّد الكونت؟”
“ذ-ذلك…….”
ارتبكت الخادمة عندما واجهتُها بسؤالي الواضح.
غرفة مليئة بالمجوهرات، ولا حاجة للتخمين.
حتّى دون أن أرى، الأمر واضح.
خلعت خاتمها وجرّبت خواتم السيّد، ثمّ نسيت واحدًا منها.
والآن، لأنها لا تريد العودة في هذا الوقت المتأخّر، جاءت تبحث عن خادمةٍ جديدة تستغلّها.
‘ومع ذلك، هل عليّ فعلًا قبول هذا الطلب؟’
كنتُ أريد تجنّب المشاكل، لكنّ هذا تجاوزٌ واضح.
وحين لاحظت أنّني أحدّق فيها بازدراء، احمرّ وجهها فجأةً واتّسعت عيناها غيظًا.
“إذًا، ترفضين؟”
“نعم، أرفض. يمكنكِ الذهاب غدًا وإحضاره بنفسك.”
“أنتِ…… سأخبر رئيسة الخادمات أنّكِ شوّهتِ الدلو اليوم.”
استدرتُ إليها بذهول.
“ماذا؟ كان الدلو مشوّهًا أصلًا، وقد قالت رئيسة الخادمات إنّه يُرمى.”
“على أيّ حال! لا شيء في هذا القصر ملككِ. كلّه ملك السيّد الكونت. أنتِ أتلفتِ ممتلكاته، هل تفهمين؟”
تذكّرتُ بالكاد كيف ركلتُ الدلو ظهرًا فانبعج.
وهل ستبتزّني بهذا؟
‘وهل سيهتمّ دانيال بدلوٍ واحدٍ مشوّه؟’
لكنّها ظنّت أنّ صمتي خوفٌ من التوبيخ.
والمقصود بالتوبيخ هنا ليس دانيال، بل رئيسة الخادمات.
صحيحٌ أنّ السيّدة روزا دافعت عنّي اليوم، لكن لا أحد يعلم إلى متى ستبقى لطيفة.
وإن وصلت أخبار الشجار إلى أذنها، فقد تنقلب عليّ الأمور.
لا أريد أن أترك انطباعًا سيّئًا، حتّى لو كنتُ سأغادر قريبًا.
‘إثارة الضجّة الآن لن تفيدني.’
نظرتُ إلى الوقت وتنهدتُ.
“سأفعل ذلك هذه المرّة فقط. وهذه آخر مرّة.”
“ماذا؟ هذا أنا من يقرّرُ! أيتها الوقحة، خادمةٌ جديدة و…….”
“نعم، نعم. سأذهب الآن.”
آه، لا أسمع شيئًا.
قاطعتُها عمدًا وخرجتُ من الغرفة.
سمعتُها تتمتم خلفي، لكنّني حككتُ أذني بدلًا من الردّ.
ففي هذه اللحظة، كان وقت نومي الثمين يُهدَر.
يا لجرأتها.
بهذا الأسلوب المتعالي.
الشخص الوحيد الذي يحقّ له معاملتي هكذا هو لينّ فقط.
“كلّما فكّرتُ، يبدو أنّها خافت من الظلام وأرسلتني بدلًا منها.”
أشعلتُ المصباح الذي أحضرته من السكن واتّجهتُ إلى داخل القصر الكبير.
فالقصر الأبيض في الليل بدا كأنّ الأشباح ستخرج منه، مهيبًا وموحشًا.
ولحسن الحظّ، لم أكن أخاف الأشباح كثيرًا.
“الأحياء أخطر من الموتى.”
الخوف من البشر والمال، تلك حقيقةٌ تعلّمتُها في دار الأيتام.
ابتسمتُ بخفّة وعبرتُ البهو المركزي المظلم، ثمّ صعدتُ الدرج.
للوصول إلى غرفة الزينة، يجب الصعود إلى الطابق الثاني، إلى آخره.
رفعتُ المصباح إلى مستوى كتفيّ وأنا أتمتم.
“جرأتها عظيمة. تصرخ عليّ بسبب دلو، ثمّ تضع خاتم السيّد في إصبعها؟”
ورغم تظاهري باللامبالاة، لم يختفِ شعور الانزعاج.
تجاهلتُها، لكنّي في النهاية لبّيتُ طلبها.
‘هل أنا ساذجة؟’
يا إلهي.
هل انخدعتُ؟
خرجتُ بخطى سريعة، لكنّ النتيجة واحدة.
أنا أفعل ما طلبته.
‘اليوم فقط. إن هددتني بدلوٍ مرّةً أخرى، سأخبر دانيال مباشرة.’
ربّما كان عليّ أن أرفض من البداية.
صعدتُ إلى الطابق الثاني بوجهٍ متجهم، وأنا أتذكّر تلك الخادمة الساذجة المظهر.
قالت السيّدة روزا إنّ الطابق الثاني يضمّ غرف النوم والمكاتب وغرفة الزينة، أمّا الثالث ففيه غرف الضيوف.
استعدتُ خريطة القصر في ذهني، واتّجهتُ يمينًا عند المفترق.
في نهاية الممرّ، ظهرت بوّابة واحدة.
فتحتُ الباب البنيّ، فبدت غرفة الزينة، تضمّ منضدة تزيين وصناديق مجوهرات وخزائن عدّة، تحت ضوء القمر الخافت.
ولحسن الحظّ، كان هناك خاتم فضّيّ رفيع فوق المنضدة.
“جيّد أنّه ظاهر.”
تنفّستُ بارتياح، ثمّ أدرتُ رأسي نحو النافذة.
كان الطابق الثاني متّصلًا بشرفةْ طويلةٍ، يمكن التنقّل عبره بين الغرف.
ومن المؤكّد أنّ هذه الشرفةَ يمتدّ من هنا حتّى آخر غرفة، ومعظمها غرف أصحاب القصر.
‘همم……؟’
في تلك اللحظة، لمحتُ شيئًا أبيض يتحرّك على الشرفةِ.
ظلٌّ أبيض يتمايل، وشَعرٌ ذهبيّ يلمع ببرودةٍ تحت ضوء القمر.
“لوكاس؟”
ناديتُ اسمه وأنا أقترب من الشرفةِ.
كان لوكاس يقف هناك وحده، مرتديًا قميص نومٍ واسعًا.
مال برأسه وهو ينظر إليّ.
“روزي؟ ماذا تفعلين هنا؟”
“وأنتَ، لماذا تقف في الشرفةِ في هذا الوقت؟ الجوّ بارد.”
نظرتُ إليه بذهول، ففتح النافذة واقترب منّي بخطوةٍ واسعة، مبتسمًا.
“جيّد.”
“هم؟”
“ابقَي معي، روزي.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"