5
“لذلك كنتُ مهووسًا بالبحث عنكِ، أفكّر أنّه لا بدّ أنْ أعثر عليكِ مهما كان، وأنْ أصبح شخصًا قادرًا على تحمّل مسؤوليّتكِ وحدكِ على الأقلّ.”
“…….”
“لكن يبدو أنّني لم أفكّر جيّدًا. نسيتُ أنّكِ شخصٌ طيّب وسهل المعشر، وأنّكِ حتى لو سقطتِ في جزيرةٍ مهجورة فستعيشين فيها وحدكِ على خير ما يُرام.”
غاصت عينا دانيال السوداوان في عمقٍ أكبر، كأنّه كان غارقًا في أفكارٍ ثقيلة.
لم أستطع أنْ أحدّد إنْ كان الشعور الذي يسكن عينيه حزنًا أم فراغًا.
وضعتُ أكلي جانبًا.
شعرتُ وكأنّ هواء العربة قد ازداد ثقلًا.
كم لا بدّ أنّ دانيال وبقيّة الأولاد بحثوا عنّي بحرقة، وكم من الليالي التي لا تُحصى قضوها وهم يصلّون ألّا أكون قد متُّ، أمورٌ لم أجرؤ أنا نفسي على تخيّلها.
“دانيال.”
“ماذا.”
نظرتُ إليه من مكاني بهدوء.
لو كان الأمر بيدي، لوددتُ أنْ أخبره أنّ هذا العالم مجرّد رواية، وأنّني لستُ شخصيّةً مهمّةً إلى هذا الحدّ.
‘لستُ بتلك الأهميّة التي تستحقّ كلّ هذا القلق. فلا تُعطوني قيمةً أكبر ممّا أستحقّ!’
لكنّني حرّكتُ شفتيّ بتردّد.
شعرتُ بنظرات دانيال تتركّز عليّ.
كان وجهه يشي بانتظارٍ قَلِقٍ لما سأقوله، ذلك التعبير الخاصّ الذي يرتسم على وجهه حين يركّز في أمرٍ ما.
ما زلتُ أتذكّر ذلك التعبير جيّدًا.
وبينما أنظر إلى وجهه الذي ما زالت بقايا طفولته عالقةً به، سألتُ بصوتٍ منخفض:
“……أنا طيّبةٌ؟”
“…….”
“حتى بنظركَ أنا شخص طيّب، أليس كذلك؟ صحيح؟ على أيّ حال، في أيّام دار الأيتام كنتُ ألعب معك رغم طباعك السيّئة، أليس هذا دليلًا؟
يمكن القول إنّني ثاني أطيب شخص بعد كولين، أليس كذلك؟”
“…….”
“طيّبة، وسهلة المعشر، وأينما ذهبتُ أحبّني الناس وعشتُ جيّدًا، هذا ما تعترف به أنتَ أيضًا، أليس كذلك؟
على كلّ حال، ليس من طبعي أنْ يُبغضني أحد. بخلافك أنتَ، صاحب الطبع المختلفٓ منذ الصغر. أليس كذلك؟”
قلتُ ذلك ببراءةٍ مصطنعة، وأنا أومئ برأسي يمينًا ويسارًا بطريقةٍ مستفزّة.
عندها، ارتعش طرف ذقن دانيال الذي كان قد تجمّد ظنًّا منه أنّ حديثًا جادًّا قادم.
“……هل تريدين حقًّا أنْ تموتي؟”
* * *
واصلت العربة سيرها ساعاتٍ أخرى حتّى وصلت إلى إقطاعيّة الكونت.
كان القصر الذي يقيم فيه دانيال هو مقرّ حاكم إقطاعيّة درونيا، وقد منحه الملك إيّاه بنفسه تقديرًا لإنجازاته.
وبصفته سيّد إقطاعيّة درونيا، لم يعد دانيال عامّيًّا، بل أصبح كونت درونيا ورئيس اتحاد هولدن التجاريّ، ذائع الصيت.
لكنّ ذلك لم يكن خيرًا خالصًا.
فالملك، الذي تجاوز الأزمة الاقتصاديّة بفضل دانيال، كان يُظهر له مودّةً كبيرة، لكنّ تلك المودّة لم تكن سوى لأنّ دانيال شخصٌ نافع.
تعمد أنْ يضع النبيل الجديد دانيال في مواجهة كبار النبلاء، ومن خلف الكواليس زوّجه بالقدّيسة ليُبقي المعبد تحت المراقبة.
بكلمةٍ واحدة، كان دانيال في العمل الأصلي مجرّد ورقةٍ من أوراق الملك الكثيرة.
‘على أيّ حال، هذا العجوز ثعبان.’
ومع ذلك، وبفضله، تمّ الزواج السياسيّ بين ديبورا ودانيال في العمل الأصليّ.
وبالتدقيق، لم يكن الأمر سوى إعدادٍ لبدء القصّة.
‘آه، صحيح، متى يتمّ زواجهما السياسيّ؟’
كان سبب تركّز الأنظار على دانيال في هذه الفترة هو زواجه المرتقب من القدّيسة ديبورا.
وكان الناس يتناقلون الأحاديث عن أنّه يحبّها أو لا، وعن كونهما أجمل ثنائيّ في المملكة.
‘لا بدّ أنّ أذنيه تحكّانهِ من كثرة القيل والقال.’
ومهما يكن، فهذا عالمهم الخاصّ، لا علاقة لي به.
“أقولها مسبقًا، سأعمل خادمةً فقط، وما إنْ يكتمل بناء النُّزُل حتّى أعود فورًا إلى منزلي. وسأرسل لك المال الذي أربحه من النُّزُل شهريًّا.”
“تحدّثي بعد أنْ يكتمل البناء.”
“لن يتأخّر كثيرًا.”
“……على أيّ حال، سيكون نُزُلًا متهالكًا. من سيذهب إليه أصلًا.”
تمتم دانيال بصوتٍ خافت، لكنّه وصل إلى أذني بوضوح.
كدتُ أنْ أنفجر غضبًا وأردّ عليه، لكنّه أشاح بنظره إلى خارج العربة.
كانت العربة قد توقّفت.
“وصلنا.”
فتح السائق باب العربة.
نزل دانيال أوّلًا، كما فعل في ساحة العاصمة، ثمّ مدّ يده نحوي.
لكنّني أدرتُ رأسي عنه ونزلتُ وحدي عنادًا.
كيف يستخفّ بنُزُلي هكذا؟
لقد اشتريتُ ذلك الموقع الجيّد بسعرٍ زهيد، متملّقةً حتى لحاكم الأرض!
شعرتُ بالحزن على موقع البناء الذي تركته، وكادت الدموع تترقرق في عينيّ.
كنتُ أعتزم الرحيل من هنا بلا تردّد ما إنْ يكتمل البناء.
فبمجرد أنْ يتمّ الزواج السياسيّ بين ديبورا ودانيال، تبدأ القصّة الأصليّة فعليًّا.
رفعتُ رأسي ونظرتُ إلى قصر كونت درونيا الذي قيل إنّ الملك منحه مع الإقطاعيّة.
حدائق خضراء فاخرة تحيط بالقصر، ومبنى عاجيّ ضخم يبدو مهيبًا من النظرة الأولى.
تماثيل من الرخام، وأشجار سرو مصطفّة على أطراف الحديقة.
خرجت منّي آهةُ إعجابٍ دون وعي.
‘واو، إنّه مذهل حقًّا.’
كان القصر أكبر وأكثر أناقةً ممّا تخيّلت.
وخاصةً منظر الأعشاب وهي تتموّج في اتجاهٍ واحد مع هبوب الريح، كان جميلًا للغاية.
لكن من منظور خادمة، فهذا يعني أيضًا الكثير من العمل في هذا القصر الواسع.
حبستُ تنهيدةً كادت تفلت من صدري.
“سأرشدكِ إلى المكان الذي ستقيمين فيه.”
“ماذا؟ أنتَ؟”
“ولِمَ لا؟”
تلاشى إعجابي بالقصر سريعًا، وحدّقتُ فيه بوجهٍ جامد، فنظر إليّ باستغراب.
“لماذا يرافق السيّد خادمةً عاديّة إلى سكنها؟ هل تريد أنْ تُعلِن للناس أنّ بيننا معرفة؟”
“وما المشكلة في ذلك.”
……كيف أصبح هذا الشخص رئيسًا لاتحادٍ تجاريّ وهو بهذا القدر من قلّة الفطنة؟
تنفّستُ بعمق وأنا أنظر إلى وجهه الوقح.
هل يجب أنْ أشرح له كلّ شيءٍ بالتفصيل؟
لكن إنْ لم أفعل، فقد يبدأ بتحيّتي أمام الخادمات بلا أدنى إحراج.
‘وهذا أمرٌ أرفضهـ تمامًا.’
وفي تلك اللحظة، وقبل أنْ أحذّره ألّا يلتفت إليّ مستقبلًا، سُمِع صوتُ خطواتٍ مسرعة من بعيد.
“روز!!”
“……؟”
شعرتُ بنذير شؤم.
حين التفتُّ نحو القصر، رأيتُ شخصًا يركض نحونا.
شعرٌ ذهبيٌّ متموّج، ووجهٌ متحمّس.
ملامح بيضاء يافعة تتّضح شيئًا فشيئًا.
وحين اقترب إلى حدٍّ لم يترك لي مجالًا لمنعه، صاح:
“لوكاس!”
أمسكني لوكاس من خصري ورفعني عاليًا في الهواء.
من أين لهذا الفتى الجميل كلّ هذه القوّة؟
“آه!”
ارتفع مجال رؤيتي فجأة، ورأيتُ دانيال خلفي وهو يتقزّز من المشهد.
“إنّها روز حقًّا!”
صرخ لوكاس وهو لا يزال يرفعني عاليًا.
كان لقاءً بعد عشر سنوات، لكنّه لم يكن مؤثّرًا إطلاقًا، بل محيّرًا إلى حدٍّ لا يُصدّق.
بل الأدهى من ذلك…
‘لماذا هو قويّ هكذا؟!’
وجدتُ نفسي أركب ‘الطائرة’ على يد فتى أصغر منّي بخمس سنوات.
مع أنّ لوكاس، قبل عشر سنوات، كان فتىً ضعيف البنية كثير المرض.
“لو-لوكاس. أنزلني حالًا!”
كان قد بلغ لتوّه سنّ الرشد، لكن وجهه لم يتغيّر عن ذي قبل، لدرجةٍ يصعب معها التعرّف عليه.
هل هذه قوّة الأبطال الأصليين؟
فتى جميل الملامح، كأنّ حبّ الشباب لم يعرف طريقه إليه قطّ، يدور بي في الهواء.
أين ذهبت نحافته وضعفه القديم؟
لكنّ هناك أمرًا أهمّ من ذلك.
“لوكاس، كفى! قلتُ أنزلني!”
لو لم أوقفه، لشعرتُ أنّه سيستمرّ طوال اليوم.
بدأ الغثيان يتسلّل إليّ.
وبينما كنتُ أقول ذلك بوجهٍ شاحب، أدخل أحدهم يده تحت كتفي وأبعدني عن لوكاس.
وفي تلك اللحظة، وصل إلى أنفي عبير عطرٍ هادئٍ وعميق.
“لوكاس، هكذا تُربك روز.”
نزل صوتٌ دافئٌ منخفض فوق رأسي.
التفتُّ إلى الخلف لأرى من أمسك بكتفي.
شعرٌ بنّيٌّ ناعم، وعينان بلون العشب النقيّ.
وعلى الرغم من النظّارة الدائريّة التي تستقرّ على أنفه، كانت ملامحه الرجوليّة واضحة.
نسيتُ دهشتي وابتسمتُ بفرح.
“كولين؟”
“لم تنسيني، روز.”
ابتسم كولين، ثمّ أنزلني إلى الأرض برفق.
فتحتُ عينيّ بفرحٍ صادق.
“طبعًا لا. كيف لي أنْ أنسى كولين؟”
“روز، وأنا؟ ألم تنسيني أيضًا؟”
تدخّل لوكاس بيني وبين كولين فجأة.
كبر جسده كثيرًا، لكنّ عينيه الزرقاوين اللامعتين بقيتا كما هما.
نظرتُ إليه وهو يتشبّث بسؤاله، ثمّ رفعتُ يدي وربّتُّ على شعره الكثيف.
“يا إلهي، لوكاس. بالطبع أتذكّرك. ماذا تظنّ عن ذاكرتي؟”
حين قلتُ ذلك بنبرةٍ عاديّة، انتفض لوكاس قليلًا، ثمّ ارتسم على وجهه تعبيرٌ معقّد.
“لقد كبرتَ كثيرًا، لوكاس.”
وبينما كنتُ أفرك شعره الذهبيّ بخشونة، أطبق فمه فجأة وأبرز شفته السفلى بملامح مظلومة.
كنتُ أعرف هذا التعبير.
إنّه وجه لوكاس حين يحبس دموعه.
‘يا إلهي، عمره الآن ثماني عشرة سنة، أليس كذلك؟ كان في الثامنة حين افترقنا… ومع ذلك، ما زال طفلًا.’
يبدو أنّ كولين أدركَ ذلك أيضًا، إذ رأيته يبتسم بخفّة من الخلف.
أمّا دانيال، فكان يقف وذراعاه معقودتان، يحدّق في الجبال البعيدة.
وبينما كنتُ أربّت على رأس لوكاس مرارًا، أمسك بمعصمي وأنزله.
كانت يده التي كانت صغيرة كأوراق القيقب قد برزت فيها الآن عروقٌ زرقاء.
“اشتقتُ إليكِ، روز.”
قالها بصوتٍ مرتجف بالكاد يُسمَع.
“أنا سعيدٌ جدًّا بعودتكِ. لن تغادري بعد الآن، أليس كذلك؟”
نظر إليّ بعينيه الزرقاوين اللامعتين، ثمّ فجأةً عانقني بقوّة.
عصَرني بشدّة.
كححتُ، إذ انحبس نفسي.
وسمعتُه يتمتم قرب أذني:
“……لا بأس إنْ لم تُجيبي. لن أترككِ مرّةً أخرى. لا تذهبي إلى أيّ مكان، روز.”
رأيتُ كولين ودانيال يقتربان ليُبعداه، فرفعتُ يدي بهدوءٍ لأمنعهما.
بدلًا من ذلك، مددتُ عنقي لأتنفّس، ثمّ ربّتُّ على ظهر لوكاس ببطء.
لأنّ يديه كانتا ترتجفان بخفّة.
‘يا له من فتى… يصعب عليَّ أنْ أطلب منه أنْ يبتعد.’
فلوکاس، رغم ملامحه المتكبّرة، كان أكثرهم حنانًا.
ثمّ إنّه صديق دار الأيتام الذي لم أره منذ عشر سنوات، لا بدّ أنّه سعيدٌ جدًّا.
‘مع أنّ همس الكلمات المتعلّقة بي قرب أذني ليس أمرًا مُرحّبًا به.’
هاها……
تظاهرتُ بعدم سماع كلماته المليئة بالتعلّق، وظللتُ أطبطب على ظهر أخي الصغير الذي كبر كثيرًا.
* * *
بعد أنْ ودّعتُ الثلاثة عند مدخل القصر، اتّجهتُ إلى سكن الخادمات برفقة رئيسة الخادمات التي حضرت متأخّرة.
استقبلتني السيّدة روزا، رئيسة الخادمات والمسؤولة عن القصر بعد كبير الخدم، بابتسامةٍ لطيفة.
“اسمي روزا. هل يمكننا التحدّث براحة؟”
“نعم، بالطبع.”
حملتُ حقيبة أمتعتي بكلتا يديّ، وتبعتُ السيّدة روزا.
كنتُ أخشى أنْ تكون مخيفةً أو صارمة، لكن لحسن الحظّ، بدا أنّها لا تعير ظهوري المفاجئ اهتمامًا كبيرًا.
يبدو أنّها تعدّني مجرّد فتاةٍ عاميّةٍ وصلت صدفة.
“لقد تأخّر الوقت، نامي الليلة بهدوء. غدًا ستحدّد الخادمات الأقدم مهامّكِ.”
“نعم، شكرًا جزيلًا.”
اقتادتني روزا إلى غرفةٍ تقع في آخر الممرّ.
وحين فتحتُ الباب، ظهرت غرفةٌ صغيرة لكن نظيفة.
كانت غرفةً فرديّةً فيها سريرٌ واحد.
التعليقات لهذا الفصل " 5"