3
غادر دانيال بعد أن قال إنّه سيحضر بالعربة صباح الغد.
يبدو أنّه كان ينوي المبيت في نُزلٍ خارج القرية.
لا أدري بأيّ حالةٍ ذهنيّة فعلتُ ذلك، لكن بعد أن أنهيتُ عمل المساء، ألقيتُ بجسدي المُرهَق على السرير.
وعندما تقلّبتُ على السرير الضيّق، ظهر أمامي السقف الخشبيّ العتيق الذي اعتدتُ رؤيته طوال عشر سنوات.
تنفّستُ زفرةً عميقة دون أن أشعر.
أنا ولين كنّا ننام في الغرفة نفسها كالأختين منذ عشر سنوات.
طبعًا، كان السبب هو ضيق البيت وقِلّة الغرف، ولين ستغضب إن سُمِعَت كلمة “أختين”، لكن مع ذلك، مجرّد التفكير بأنّني سأغادر هذه الغرفة بين ليلةٍ وضحاها جعل قلبي مضطربًا.
كنتُ أتقلّب تحت الغطاء بجسدٍ مُتعَب، حين دخلت لين بعد أن أنهت الاستحمام.
يبدو أنّها كانت مُرهَقة هي الأخرى من العمل طوال اليوم، إذ ألقت بنفسها على سريرها دون كلمة.
“…….”
كان الهدوء يعمّ المكان، حتّى إنّ أصوات الطيور الليليّة خارج النافذة بدت بعيدةً وخافتة.
لم يتفوّه أيٌّ منّا بكلمة.
أدرتُ جسدي بهدوء ونظرتُ نحو سرير لين.
رأيتُ ظلّها مستلقيًا ساكنًا في الظلام.
يا لها من فتاةٍ قاسية.
كنتُ أعلم أنّها باردة المشاعر، لكن كيف لها أن لا تقول كلمةً واحدة وهي تعلم أنّني سأرحل غدًا؟
“فتاةٌ سيّئة حقًّا.”
رغم أنّ لين بدت قاسية، فإنّ فراقنا دون أن نتبادل أيّ كلمة كان سيشعرني بالمرارة.
وبينما كنتُ غارقةً في التفكير وأوشكتُ أن أفتح فمي، سبقتني لين وسألت فجأة.
“أنتِ تتذكّرين، أليس كذلك؟”
“همم؟”
“قبل عشر سنوات، اليوم الذي كنتِ فيه نائمةً أمام بيتنا.”
قالت لين ذلك وهي تواجه الحائط.
كنتُ أظنّها قد نامت، فارتبكتُ وقلتُ بصوتٍ عالٍ.
“آه، طبعًا أتذكّر. بعد أن خرجتُ من الميتم وتشرّدتُ، أُغمي عليّ، فأدخلكِ العمّ والعمّة إلى البيت وطبخا لي حساء البطاطس.”
“…….”
“وأنتِ كنتِ تصرخين بأنّني سأعديكِ بجراثيم المتسوّلين، وتطلبين منّي ألّا أقترب.”
سادت لحظةُ صمت.
هل يُعقَل أنّ هذه الفتاة القاسية ستحاول إنكار الأمر؟
لقد سمعتُ ذلك بوضوح……
مع ذلك، في ذلك الوقت كنتُ في الثالثة عشرة شكلًا فقط، أمّا عقلي فكان عقل بالغ، لذا لم أتأذَّ كثيرًا.
وفوق ذلك، كنتُ فعلًا متّسخة.
ردّت لين بهدوء.
“أنتِ قلتِ سابقًا إنّ هناك ثلاثة فتيانٍ كنتِ مقرّبةً منهم في الميتم.”
“…….”
“الرجل الذي رأيناه وقت الغداء، أليس هو؟ أكثرهم قربًا إليكِ.”
رمشتُ بعينيّ في الظلام.
ثم استدارت لين بهدوء ونظرت إليّ.
كانت عيناها البنيّتان الثابتتان تحدّقان بي مباشرة.
“ذلك الرجل، دانيال لياندرو، صحيح؟ الثريّ الجديد الذي يظهر في الصحف.”
قالت لين ذلك بنبرةٍ حاسمة، من دون أن تنتظر إجابتي.
“اذهبي معه. أنتِ لا تنتمين إلى هذا المكان.”
“…….”
وبعد هذه الكلمات، استدارت لين مرّةً أخرى.
ثم ساد الصمت، لا أدري إن كانت قد نامت أم لا.
“لا أنتمي إلى هذا المكان…….”
أعدتُ كلماتها في ذهني بهدوء.
“هذا مؤلم قليلًا.”
* * *
حلّ الصباح التالي، وكان مطعم عائلة لين في عطلةٍ ليومٍ واحد.
استيقظتُ باكرًا، وكعادتي هممتُ بربط شعري بإحكام، لكنّني تركته منسدلًا.
في المرآة الصغيرة التي كنتُ أشاركها مع لين، رأيتُ نفسي بشعري الأحمر الأشعث.
أن أترك المطعم الذي عملتُ فيه عشر سنواتٍ بين ليلةٍ وضحاها.
كان شعورًا غريبًا.
عندما خرجتُ بعد أن حزمتُ أمتعتي، استقبلني العمّ هانس والعمّة ميريلين وهما يمسحان أنوفهما.
“روزيتا، تعالي لزيارتنا من حينٍ لآخر. سنطبخ لك حساء البطاطس متى جئتِ، وسنضع فيه لحم الضأن الذي تحبّينه.”
“يا صغيرتي، خذي هذا لتأكليه في العربة. مربّى التين والكعكات التي تحبّينها.”
“شكرًا جزيلًا، عمّي، عمّتي.”
ابتسمتُ متعمّدةً واحتضنتهما.
ثم ابتعدتُ ومسحتُ طرف عيني.
لم أعرف لماذا شعرتُ فجأةً بالحزن.
“كنتُ أفكّر يومًا أنّني سأبقى في المطعم مع لين، وأُريح العمّ والعمّة في شيخوختهما.”
يبدو أنّني كنتُ أعدّ نفسي فردًا من هذه العائلة دون أن أشعر.
فالعشر سنوات ليست بالمدّة القصيرة.
“بالمناسبة، أين لين؟ عندما استيقظتُ صباحًا لم تكن في الغرفة.”
نظرتُ حولي، فابتسم العمّ هانس ابتسامةً محرجة.
“آه، هذا…… قالت إنّها ستذهب لقطف الفطر منذ الصباح.”
“الفطر؟”
“قلتُ لها إنّ عليها توديعك، وسألتُها ألّا تؤجّل ذلك إلى الغد، لكن…… آسف. هذهِ العمةُ تعتذرُ لكِ بدلًا منها.”
“لا بأس.”
أجبتُ بلا مبالاة.
لم أكن أتوقّع وداعًا حنونًا باكيًا من لين أصلًا.
إنّها فعلًا صديقة قاسية وغير لطيفة.
وبينما كنتُ أحمل سلّة الخبز وحقيبة الأمتعة، رأيتُ من بعيد عربةً تقترب.
كانت عربةً فاخرةً تتوقّف أمام المطعم، ونزل منها دانيال.
“صباح الخير.”
“……كنتُ أظنّكِ ستفرّين ليلًا.”
“ما هذا الظنّ السيّئ؟”
بينما كان دانيال ينظر إليّ بعينٍ مليئةٍ بالشكّ، نزل السائق وحمّل أمتعتي كلّها دون كلمة.
حقًّا، أبناء النبلاء محظوظون.
وبينما كنتُ على وشك الصعود إلى العربة، حدّق دانيال بي.
“ما بكِ؟”
سألته، لكنّه واصل النظر إليّ بصمت، كأنّ شيئًا عالقًا على وجهي.
فهمتُ المقصود على الفور وقلتُ مسرعةً.
“أقول هذا احتياطًا، لا تظنّ أنّني أرافقكَ لأنّني أريد ذلك. ما إن يُبنَى النُزل حتّى أعود وأسُدِّد دَيني!”
كان دانيال قد اقترح أن أذهب إلى قصره مقابل عدم أخذ فوائد.
لكن الإعفاء من الدَّين دون عملٍ كان مريبًا جدًّا.
وفوق ذلك، بعد تركي للمطعم، لم يكن لديّ سبيلٌ آخر لسداد الدَّين.
لذا تشبّثتُ برأيي.
“لا أريد العيش مجّانًا. سأعمل هناك وأسُدِّد لك الدَّين كاملًا!”
ما إن أسدّد الدَّين، فلن يكون له حقّ التعلّق بي بعد ذلك.
وبحسب ما سمعتُ، فإنّ أجرة خادمةٍ في قصر دانيال تبلغ أربعة أضعاف أجرتي في المطعم، متأثّرةً بأسعار العاصمة.
مئتا بيلينغ في الساعة.
وما دمتُ سأضطرّ لسداد الدَّين على أيّ حال، فمن الأفضل أن أجني المال بأسرع وقت.
تجهم وجه دانيال عندما قلتُ إنّني سأعمل في قصره، لكنّه لم يمنعني.
غير أنّه الآن كان يرفع حاجبيه وينظر إليّ من علٍ، ثم سأل بلهجةٍ جافّة.
“متى سألتُكِ عن هذا أصلًا؟”
“إذًا، ماذا؟”
“ودّعي الجميع. هناك شخصٌ ناقص.”
قال دانيال ذلك وهو يلقي نظرةً خاطفة على العمّ هانس وزوجته.
رغم أنّه رآها مرّةً واحدة، فقد لاحظ غياب لين.
تردّدتُ قليلًا ثم قلتُ.
“آه، لين لن تأتي على أيّ حال…….”
خرجت منذ الصباح الباكر لتسلّق الجبل، ولا أعلم متى ستعود.
ثم إنّها لن تعود مبكرًا من أجلي……
“روزيتا.”
توقّفتُ في منتصف كلامي واستدرتُ.
كانت لين واقفةً في الزقاق.
“لين؟”
“خذي هذا.”
قدّمت لي فجأةً شيئًا وأنا أنظر إليها بذهول.
“ما هذا؟”
عندما دقّقتُ النظر، كان سلّةً مليئةً بالتوت البرّيّ.
قالت لين عندما رأت دهشتي.
“أنتِ كنتِ تردّدين منذ أيّام أنّكِ تريدين أكل التوت البرّيّ.”
آه، صحيح.
في الحقيقة، كنتُ ألحّ لأنّني لا أريد تسلّق الجبل بنفسي، وطلبتُ من أيّ شخص أن يجلبه من الخلف.
ولين، كعادتها، تجاهلتني قائلةً: “من أين يأتي نباح الكلاب؟”
لكنّها كانت تتذكّر.
ضممتُ السلّة إلى صدري.
“شكرًا لكِ، لين…….”
“لا تبكي. ستبدين قبيحة، ولن أطيق رؤيتكِ.”
ردّت بوجهٍ صارم عندما تدلّت حاجباي.
وعندما ابتلعتُ دموعي بسرعة، ابتسمت لين ابتسامةً خفيفة.
“ستعودين عندما يُبنى النُزل، فما الذي يقلقكِ؟”
“معكِ حقّ. سأعود.”
ضحكتُ بخفّة.
وبجانبي، عقد دانيال حاجبيه بامتعاض.
“أبدو وكأنّني الشرير الذي فرّق عائلةً متماسكة.”
“هذا ليس بعيدًا عن الحقيقة.”
أجابت لين ببرود، ثم دخلت المطعم مباشرة.
كان العمّ هانس وزوجته يمسحان أنوفهما التي احمرّت دون أن نشعر.
“سأعود، عمّي، عمّتي.”
ابتسمتُ وودّعتُهما وداعًا قصيرًا.
* * *
انطلقت العربة ببطء وغادرتُ.
بينما كانت العربة تسير فوق الطريق الترابيّ الوعر، أخذتُ أتناول التوت البرّيّ واحدًا تلو الآخر.
انتشر طعمه الحامض والمنعش في فمي.
“لذيذ؟”
“لن أعطيكَ.”
“…….”
تشقّقت عينا دانيال بحدّة.
لم يكن قد طلب، لكن بدا أنّه تأذّى من ردّي القاطع.
“لا تُحدّق هكذا. أأعطيكَ واحدًا؟”
“كُليه كلّهُ.”
ناولته حبّةً متأخّرة، لكنّه عقد ذراعيه وأغمض عينيه بعدم رغبة.
كان وجهه يبدو أكثر تعبًا من الأمس، وكأنّه لم ينم جيّدًا بسبب سوء النُزل.
“في النهاية، كلّ نُزل القرى سيّئة في نظر النبلاء.”
وفجأةً، أضاءت أشعّة الشمس وجه دانيال من نافذة العربة.
شعره الأسود انسدل على وجهه الأبيض.
رموشه كثيفة فوق عينين مغمضتين، وخطّ أنفه إلى شفتيه كان ناعمًا.
توقّفتُ عن الأكل وحدّقتُ في وجهه بهدوء.
رغم مرور عشر سنوات، ظلّ دانيال وسيمًا بشكلٍ مذهل.
لكن فوق ذلك الوجه الجميل كتمثالٍ، بدت لمحةُ تعبٍ لا تناسب عمره.
تذكّرتُ حياة دانيال في الرواية الأصليّة.
وتحديدًا، كم عانى بعد احتراق الميتم وهو يكافح للعيش.
في العمل الأصليّ، وبعد أن احترق الميتم، لم يتردّد دانيال في فعل أيّ شيءٍ من أجل لقمة العيش.
دخل عصابات الصبيان المشاغبين، وسرق المال من الناس.
وعمل في المناجم وهو صغير ليكسب المال.
كان الجميع فقراء، لكن دانيال كان حسّاسًا للمال على نحوٍ خاصّ.
كان يعتقد أنّ كلّ مصائبه سببها الفقر.
وبعد مراهقةٍ مبكرةٍ قاسية، التقى في سنّ الخامسة عشرة برجلٍ صار له كالمعلّم.
بدلًا من السرقة، تعلّم منه التجارة، وعمل تحت يده، ثم أسّس قافلته بمالٍ جمعه بجهد.
تحوّلت قافلته إلى واحدةٍ من أعظم قوافل القارّة، فكافأه الملك بمنحه لقبًا وأرضًا.
“ومع ذلك، مهما كان ثريًّا جديدًا، فكيف لرجلٍ لا يُهدر بيلينغًا واحدًا أن يشتري دَيني كلّه؟”
نظرتُ إلى دانيال بعينين نصف مغمضتين.
سمعتُ أنّه أنفق مالًا كثيرًا حتّى في البحث عنّي.
“اسمع، لديّ سؤال.”
“ماذا؟”
أجاب وهو مغمض العينين.
“……هل كولين ولوكاس بخير؟”
فتح دانيال عينيه عند سؤالي.
قلقتُ أن أكون قد أزعجتهُ دون قصد.
صمت قليلًا ثم قال.
“ستجدينهما في القصر.”
“كما توقّعت…….”
فذلك القصر هو مسرح الرواية الأصليّة، ولا بدّ أنّهما هناك.
كما ذكرتُ، كولين ولوكاس هما البطلان الآخران في “القدّيسة التي تُسيء الفهم”.
كان كولين أكبر منّي ومن دانيال بعامين، ورفيقنا في الميتم ومرشدنا النفسيّ.
فتًى محبّ للكتب، قرأ الكتب الباليةَ في الميتم عشرات المرّات، وكان لطيفًا مع الجميع.
وكان دائمًا مَن يتدخّل حين أتشاجر مع دانيال.
أمّا لوكاس، فكان أصغر منّا بخمس سنوات، صبيًّا لطيفًا.
وفي الرواية، كان فظًّا ظاهريًّا، لكنّه يمتلك سحرًا كهرّةٍ صغيرة.
“مع ذلك، اللقاء بعد كلّ هذا الزمن يجعل الشعور غريبًا. عشر سنواتٍ طويلة.”
مسحتُ أنفي بخفّة.
“لو كنتِ فضوليّةً إلى هذا الحدّ، لظهرتِ أمامي.”
قال دانيال بصوتٍ بارد.
“كانت الصحف تتحدّث عنّي طوال اليوم، فلا بدّ أنّكِ كنتِ تعلمين أنّني ما زلتُ حيًّا.”
التعليقات لهذا الفصل " 3"