في اللحظة التي أشهر فيها مبارزون مقنّعون أخفوا وجوههم بقماشٍ أسود سيوفهم نحوهم، سحب فريق إليسا سيوفهم كذلك.
وهكذا بدأ الاشتباك المفاجئ في منتصف الشارع.
مع صيحةٍ قتالية، هوى أحد المبارزين بسيفه العظيم فوق رأس إليسا. وحين صدّت الضربة، طَنَّت يدها رنّةً حادّة كأنها تصطكّ، فتقلّصت ملامح إليسا وتقطّب حاجباها.
“إذًا لستَ مجرّد ممسك سيفٍ عادي.”
ورغم إعجابها الممزوج بالسخرية، لم يُبدِ المبارز خلف القناع أي اضطراب. بل اندفع يضغط على سيف إليسا بلا توقف، دون أن يمنحها لحظةً لالتقاط أنفاسها.
كان أطول منها قامةً وأقوى بنيةً. و لم يكن أقل منها قوةً ولا سرعة. كأنها تقاتل أدريان نفسه.
التفتت بنظرةٍ خاطفة إلى الجانب. و كان هناك رجلان يواجهان أدريان أوبرون، ورجلان آخران يواجهان قائد الكتيبة الثانية من الفرسان.
أما المبارز الذي يواجه أصغر فارسٍ ملكيٍ جاء به قائد الفرسان، فكان أضخمهم؟ لا، بل كان أصغرهم جسدًا، ويبدو أن قوة ضرباته أضعف كذلك.
كان الخصم يعرف تمامًا من يكونون. بل ويعرف مستوى مهارتهم جميعًا.
تعمدت إليسا أن تُخفف قبضتها على السيف شيئًا فشيئًا، لتُدفَع تدريجيًا نحو بسطات السوق القريبة.
كان رأس خصمها أعلى من رأسها بمقدار رأسٍ كامل. و بدأت تتفادى ضربات سيفه العظيم وهي تتنقل بين البسطات. فانشطر عمودٌ خشبي كان يسند بسطةً وخيمةً من ضربة سيفه.
ومع صوت “طَق!” تحطم العمود الأخير وسقط متداخلًا مع البسطة. عندها صعدت إليسا على البسطات المصنوعة كدرجات، ثم هوت بسيفها من فوق رأسه.
في تلك اللحظة، انسلّ القماش الأسود “فِش!” ورفرف في الهواء.
كان المبارز قد غفل. فخصمه كان يتراجع أمامه بلا حيلة، والنصر بدا مضمونًا له. بل إنه كان يشعر بخيبةٍ لأن أداءها أقل مما سمعه عنها في الشائعات.
لكن في تلك اللحظة….انشق القماش الأسود الذي كان يخفي وجهه شقًا رفيعًا. ومع ذلك، لم يُصب وجهه بخدشٍ واحد.
وقبل أن يسقط القماش تمامًا، أسرع يغطي وجهه مجددًا. وهو يصدّ وابل ضربات إليسا بصعوبةٍ بيده التي تمسك السيف، فسألها،
“هل تراجعتِ عمدًا؟”
“ألم تنتبه إلا الآن؟”
رفعت إليسا طرف شفتيها بابتسامةٍ واثقة. ثم استدار المبارز وبدأ يهرب.
كما توقعت….لا بد أن من أرسله شخصٌ لا يجوز أن تُكشف هويته.
وفي اللحظة التي همّت فيها إليسا بالاندفاع خلفه، ظهر مبارزٌ آخر وقطع طريقها.
وبينما كانت تُزيح ضربته عن مسارها، فكرت،
‘من يكون هؤلاء بحق؟’
أسوار إستروا تُفتح كل يوم. وهذا المكان يعجّ بالتجار والسياح حتى يصبح بحرًا من البشر….ومع ذلك تعرّفوا على فريق إليسا القادم من سيفيا وهاجموهم فورًا.
وهذا يعني أن خصمهم يعرف حتى سبب مجيئهم إلى إستروا.
على الأقل….لا بد أنه نبيلٌ رفيعٌ يدخل القصر الإمبراطوري ويخرج منه. أو ربما….أحد أفراد الأسرة الإمبراطورية نفسها.
وبهذا الاستنتاج، صدّت إليسا هجمةً حادةً مصقولة.
‘تبا….إذًا لا أستطيع مهاجمتهم بتهور.’
“توقّفوا!”
في تلك اللحظة، جاء صوت أدريان الحاد من خلفها. و استدارت بجسدها ونظرت جانبًا، فرأت فارسًا شابًا من الفرسان الملكيين وقد تمكن من إخضاع أحد المبارزين المقنّعين، وكاد يُجهز عليه.
“لا هجوم أبدًا. اكتفوا بالإخضاع فقط.”
وعند كلام أدريان، انتفخت وجنتا الفارس الشاب بضيق، وبدت على وجهه ملامح التبرّم.
ويبدو أن أدريان أيضًا تيقّن أن هؤلاء مرسَلون من القصر الإمبراطوري أو من طبقةٍ عليا داخله.
“إن واصلنا الدفاع فقط….فكيف سننهي هذا أصلًا؟!”
ومع ردّ الفارس الطائش المليء بالامتعاض، تذكّرت إليسا فجأةً الفارس الأول….ذلك الذي كان يرتدي خوذةً حتى وقتٍ قريب.
كان هناك حلٌّ واحد فقط يمكنه إنهاء هذا الموقف.
أين هو؟
وسرعان ما لمحت خوذةً ذهبيةً لامعة على مسافةٍ غير بعيدة عن ساحة القتال. فبدأت إليسا تبتعد تدريجيًا عن خصمها، تُفلت منه خطوةً بعد خطوة.
ثم غيّرت اتجاهها شيئًا فشيئًا نحو صاحب الخوذة. وحين اقتربت منه أخيرًا، استهدفت الفجوة بين الخوذة والدرع القماشي المبطن.
لكن الرجل تنبّه بسرعةٍ لاقترابها، وصدّ سيفها بمهارة. ثم تتابعت هجماتٌ خاطفة. وإليسا لم تترك واحدةً تمرّ، بل صدّتها كلها دون أن تُفلت ضربة.
وبعد تبادل عدة جولات، أدركت أن هناك شيئًا مختلفًا. إحساسًا غريبًا يميّزه عن بقية المبارزين السابقين.
“تبا….إذًا لستِ عاديةً فعلًا.”
خرج صوتٌ منخفض من داخل الخوذة، يترافق مع صوت “تسك” وكأنه يطقطق لسانه.
وما إن سمعت ذلك الصوت حتى تحوّل الشك إلى يقين.
ثم أطلق الفارس ذو الخوذة صفيرًا حادًا، فانهمر فرسانٌ مقنّعون من بين الأزقة وبين المتاجر والمباني، كالسيل.
“ها….هل بدأتِ تفكرين في أن تُساقي معنا بهدوءٍ الآن؟”
“….…”
“اطمئني، لا نية لنا لقتلكِ.”
همس الفارس ذو الخوذة في أذن إليسا بصوتٍ خافت. و شعرت أنها باتت تعرف من يكون ذاك الذي داخل الخوذة.
“ارمي سيفكِ. لا حاجة لمقاومةٍ بلا معنى.”
أنزلت إليسا سيفها ببطءٍ إلى الأرض. فأمسك صاحب الخوذة كتفها ودفعها بعنفٍ داخل عربةٍ كبيرة. ثم قيّد يديها خلف ظهرها وعصب عينيها.
كما أخضع المبارزون الآخرون أدريان وقائد الفرسان اللذين كانا يقاتلانهم، ووضعوهما في العربة بالحالة نفسها.
كان الفارس الشاب يزمجر بغيظٍ وملامحه تفيض غضبًا، لك بما أن سيد أوبرون المستقبلي، وحتى قائد الكتيبة التي ينتمي إليها، استسلما بهدوء….لم يجد بدًا من إنزال سيفه ومدّ يديه ليستسلم هو الآخر.
وبعد أن تأكدوا أنهم حبسوا الجميع بإحكام، مضت العربة الضخمة ذات العجلات الأربع ببطء، تاركةً وراءها البسطات التي تحولت إلى فوضى عارمة، ثم اختفت بكل هدوء.
***
داخل العربة، جرّت إليسا الحبل الذي يقيد يديها عدة مرات.
كان سهلًا إلى درجة أنها تستطيع فكه متى شاءت. وإن وقع خطرٌ حقيقي، يمكنها ببساطة أن تفكّه وتهرب.
وبينما كانت تفكر بذلك وتهمّ بالاتكاء على جدار العربة….أنزل أحدهم عصابة عينيها فجأة “هف!”.
ومع الضوء الذي اقتحم عينيها على حين غرة، رمشت إليسا مراتٍ عديدة.
تراءى وجه أدريان في طرف نظرها. و كانت عيناه الحمراوان، المستقرتان بين جفنين مفتوحين بوضوح، تحدّقان فيها وحدها وكأنهما لا تريان سواها.
في تلك اللحظة، اضطرت إليسا أن تحبس أنفاسها. لم تعرف هل السبب هو الضوء المفاجئ، أم لأن وجه أدريان أوبرون كان قريبًا منها أكثر مما ينبغي؟
و تراجعت إليسا إلى الخلف دون وعي. فبادر أدريان يسأل بقلق،
“إليسا….هل أُصبتِ في مكانٍ ما؟”
عندها فقط انتبهت إلى حالته هو، بعدما كانت مشدودةً لوجهه فلم ترَ شيئًا غيره.
كانت عصابته منزلةً إلى أسفل عنقه، وذراعاه حرتان أكثر مما ينبغي.
“ألا تفكر بأن الأمر قد ينكشف؟”
لكن أدريان تجاهل كلمات إليسا الحادة تمامًا، وبدأ يفك الحبل المربوط حول ذراعيها. ثم مرّر أصابعه على بشرتها البيضاء الرقيقة حيث ترك الحبل أثرًا أحمر….كأنه يتعامل مع ذلك الأثر وكأنه جرحٌ كبير.
شعرت إليسا وكأن حرارةً تصعد على سطح جلدها الرقيق، فسحبت يدها بسرعة. فعضّ أدريان شفته بإحباطٍ واضح.
وبعد لحظة، سحب يده التي كانت معلّقةً في الهواء بلا هدف، وفتح فمه،
“على أي حال، هم يعرفون من نكون. لم يظنّوا أصلًا أن حبلًا تافهًا كهذا وقطعة قماشٍ ستؤدي دورها حقًا. لو كانوا يريدون إخضاعنا فعلًا….لكان عليهم أن يأتوا بالأصفاد وكرةٍ حديديةٍ على الأقل.”
وعند كلام أدريان، أومأ قائد الكتيبة الثانية الذي كان قد نزع عصابته هو الآخر برأسه موافقًا.
“ثم إنهم على الأرجح مرتبطون بالقصر الإمبراطوري، لذلك لن يجرؤوا على تهديدنا أو إيذائنا أكثر. لهذا ألقت الأدميرال سيفها بهدوءٍ أيضًا، أليس كذلك؟”
و تفاجأ الفارس الشاب الذي لم يكن يفهم شيئًا مما يحدث.
“أهكذا كان الأمر؟”
نظرت إليسا إلى جانبه بطرف عينها، فإذا به ما يزال يتأوه وهو يحاول فك الحبل الذي يقيد ذراعه، عاجزًا عن حلّه حتى الآن.
فرمقته إليسا لحظة، ثم حوّلت نظرها إلى قائد الكتيبة الثانية وسألته،
“سيدي القائد، كيف تيقنتَ أن العائلة الإمبراطورية في إستروا متورطة؟”
“ألم تلاحظي أنهم جميعًا لفّوا أذرعهم بأكمامٍ طويلة بإحكامٍ رغم هذا الحر؟ أثار ذلك شكوكي، فشققتُ ملابسهم. وكما توقعت… كان أحدهم يحمل نقش شعار العائلة الإمبراطورية.”
“إذًا….إنها أميرة.”
“ماذا؟ ما الذي تقصدينه؟”
سأل أدريان بدهشة عند كلام إليسا. ولم يكن وحده. حتى قائد الفرسان، والفارس الشاب الذي تمكن أخيرًا من فك الحبل وإنزال العصابة عن عينيه، كانوا يحدّقون فيها وكأنهم يطالبونها بشرحٍ واضح.
التعليقات لهذا الفصل " 96"