من بين السفن الراسية في ميناء الصحراء، ما إن اختارت إليسا الزورق السريع حتى بدأ الوفد القادم من سيفيا بالاستعداد لمغادرة شلريد في اليوم التالي مباشرة.
وكان أكثرهم حماسةً لذلك أدريان أوبرون. بدا متعجّلًا، كأنه يريد مغادرة هذه الأرض بأسرع ما يمكن، مع أن الإبحار لم يكن ممكنًا إلا عند بزوغ فجر اليوم التالي بسبب عمق الليل.
كان تصرّفه فاضحًا إلى حد أن إليسا لم تستطع أن توجه له كلمة.
“إن كان يزعجكِ أن أتصرف هكذا، فالحل بسيطٌ يا إليسا.”
“.……”
“أخبريني. قولي لي عما تحدثتِ مع شولتز توغراهان، هاه؟”
عند صوته الخافت، كأنه يهمس، انكمشت إليسا قليلًا. بدا لها وكأنه يتوسل إليها، فشعرت بقشعريرةٍ تسري في ظهرها.
من حسن الحظ أن ليل الصحراء مظلم. و أن ضوء النجوم المتلألئة في السماء لم يبلغ بشرتها التي احمرّت.
‘كم تظنين أن هذه اللحظة، التي يخفض فيها أدريان أوبرون رأسه ويتوسل إليكِ، ستدوم؟ أنتِ تعرفين الجواب أصلًا.’
هكذا حدّثت إليسا نفسها، وهي تحاول تهدئة قلبها الذي أخذ ينبض بعنف.
لم يكن بوسعها أن تختار كلماتٍ تجيب بها أدريان.
أن تقول له أن شولتز توغراهان يكره شعبه أكثر من أي شخصٍ آخر؟ لا يمكن قول ذلك، وفوق كل شيء، أدريان أوبرون لن يكون مهتمًا أصلًا.
إذًا لم يبقَ سوى أمر واحد. أن إليسا شوتر تتزعزع أمام أدريان أوبرون بجنون.
هذا وحده، لن تنطق به أبدًا، حتى لو ظل هذا الشعور حيًا ولم يمت، ورافقها مدى الحياة.
“إليسا، أرجوكِ، أخبريني أنا أيضًا.”
عاد أدريان، الذي ضاق صدره من صمتها، يلحّ مرةً أخرى. و كان في صوته قلقٌ أشد من ذي قبل.
‘أرأيتم؟ لهذا أبدأ أنا بالتصرف على نحو غريب.’
“وما الذي قد نكون تحدثنا عنه فوق البحر؟”
“….…”
“لا بد أننا تحدثنا عن السفن الحربية فحسب.”
“لا تكذبي.”
أظلمت ملامح أدريان أوبرون، كظلمة ليل الصحراء.
“ولماذا تجزم بأنها كذبة؟ إن كنتَ لن تصدقني، فلماذا سألتَ من الأساس؟”
لكن إليسا، التي لا يمكن أن تخاف لمجرد أنه أدريان أوبرون، ردّت عليه بحدّة.
“أتريدينني أن أصدق أنكِ قبّلتِني بعد أن تحدثتما فقط عن السفن؟”
“.……”
“وتطلبين مني أن أصدق هذا؟”
فلم يبقَ لها ما تقوله.
“اهتزّ قلبكِ، أليس كذلك؟”
“ماذا؟”
فزعت إليسا من سؤال أدريان أوبرون.
“أتريدين البقاء في شلريد؟ بماذا وعدكِ شولتز توغراهان هذه المرة؟”
عند سماعها كلماته التالية، شعرت بالارتياح. كانت إليسا قد ارتابت بلا داعٍ.
بينما ظلت عينا أدريان أوبرون الحمراوان، بين النجوم المنهمرة في سماء الصحراء، مفعمتين بالقلق حتى فاضتا به.
“لن أترك روسيريكا أبدًا. أليس هذا كافيًا لكَ؟”
قالت ذلك بحدّة، ثم نهضت من مكانها. و نفضت الرمل العالق بثيابها بلا أي تردد، ثم أدارت له ظهرها.
إن واصلت النظر إليه، شعرت بأنها ستزداد غرابة. وخوفًا من أن تغرق وحدها مرةً أخرى في أوهامها وتخبطها، قررت هذه المرة أن تكون جبانة.
ظل أدريان يحدّق طويلًا في المكان الذي اختفت فيه إليسا. و حتى عندما تلاشى شعرها الأحمر تمامًا في الظلام، لم تلتفت إليه مرةً واحدة.
كانت ما تزال تتركه في الماضي، وتمضي وحدها إلى الأمام.
مجرد وعد بعدم مغادرة روسيريكا؟ لم يكن ذلك كافيًا. لم يكن كافيًا أبدًا لإرواء عطش أدريان.
لكن إليسا شوتر لم تحاول حتى أن تفهم ذلك. و كان منظر ظهرها المبتعد قاسيًا عليه.
***
رافق شولتز توغراهان الوفد حتى نهاية الصحراء، إلى منطقة الحدود. وتقدّم قائد الفرسان الثاني ليقدّم له الشكر.
“على الرغم من أن طلب الزيارة كان مفاجئًا، نشكركم على هذا الاهتمام. هذا هدية شكرٍ من جلالة الملكة، عربونًا عن كرمكم معنا.”
كان داخل الصندوق الطويل السميك سيفًا نفيسًا. في مقبضه المصقول بعناية، و استقر عليه حجرٌ غامض بحجم قبضة طفل، يغيّر لونه تبعًا لضوء الشمس والقمر.
وعلى الغمد، امتزج الحجر المصقول مع الألماس، فتلألأ الضوء الغامض كتموّجات الماء.
“إنه سيفٌ مزخرف. الحجر المثبّت فيه أخضرٌ الآن، لكنه يتحول إلى بنفسجيٍ عند حلول الليل، وهو من أندر الأحجار الكريمة.”
اضطرب فرسان شلريد وهم يحدّقون في جوهرةٍ تُلقي تحت ضوء الشمس لمعانًا أخضر غامضًا.
ولم يكن المدهش هو الجوهرة وحدها؛ فحدُّ السيف الذي صنعه حدّاد القصر الملكي عكس وجوه الناس كمرآةٍ ملساء بلا خدشٍ واحد أو ثُلمة.
ومع ذلك، فتحه شولتز توغراهان ببرود، ولم يقدّم سوى ردٍّ شكلي.
“تلقيتُ هديةً ثمينة دون انتظار. سأرسل قريبًا هدية ردٍّ إلى الأسرة الملكية في سيفيا.”
لم يلبث السيف النفيس الذي قيل أن الملكة اختارته بنفسها أن خرج من دائرة اهتمامه، لينتقل إلى يد مساعده.
كانت عينا شولتز توغراهان الزرقاوان الداكنتان لا تبرحان إليسا أبدًا، لا السيف المصقول حدُّه بحدّةٍ قاطعة، ولا الجوهرة الكبيرة المصاغة بعنايةٍ فائقة.
“كنتُ أودّ لو أنكِ أتيتِ إلى شلريد لأردّ لكِ ما لقيتُه من حفاوةٍ في روسيريكا، لكنكِ مكثتِ لوقتٍ قصيرٍ إلى هذا الحد….إنه لأمرٌ مؤسفٌ حقًا.”
“لقد أغدقتَ علينا ما يكفي.”
“في المرة القادمة، لا بد أن تمرّي بالعاصمة، حتى أستطيع أن أقدّم لكِ مأدبةً فاخرةً تليق بشلريد وحدها.”
لم تُبدِ إليسا سوى ابتسامةٍ خفيفة على كلماته.
“آه….سأعيد هذا إليكَ.”
ثم أخرجت من جيبها قلادةً معلّقة كان شولتز توغراهان قد سلّمها لها سابقًا.
كانت تلك القلادة التي وضعها في يدها قائلًا أنها تخصّ والدته.
وكانت إليسا تعتقد أن سبب موافقة شولتز توغراهان بسهولةٍ على طلب فتح الطريق البحري يعود إلى الوعد الذي قطعه لها وهو يمنحها تلك القلادة.
وعده بأنه سيستجيب لها مرةً واحدة، أيًّا كان ما تطلبه.
لكن تصرّفه جاء على غير ما توقّعت. أطبق بيده الكبيرة على قبضة إليسا. و كانت يدها بيضاء، لكنها اليد التي تمسك السيف وتطلق الرصاص.
لم تكن صغيرةً قط، غير أن يد شولتز توغراهان حين غطّتها أخفت بياضها تمامًا.
“سأستلمها في المرة القادمة.”
عند كلمات شولتز توغراهان، انقبض وجه أدريان الذي كان يراقبه بحذرٍ إلى جواره بشكلٍ فاضح.
“سأستلمها لاحقًا”….لا شك أن تلك حيلةٌ رخيصة. حيلةٌ يرمي بها إلى إيجاد نقطة تماسّ أخرى مع إليسا بأي طريقة.
ورغم وضوح الأمر تمامًا، لم تفعل إليسا سوى التحديق بحرجٍ بين القلادة المستقرة في يدها ووجه شولتز توغراهان، تتناوب النظر بينهما.
“لننتهِ من هذا ونرحل.”
عندما قال أدريان ذلك وجذب ذراعها، فقط حينها تحرّكت ببطءٍ وامتطت حصانها.
و طوال خروجهم من الصحراء، لم يكن أمام أدريان سوى أن يتمنى بحرارةٍ ألا تكون إليسا قد تركت في هذا المكان أي تعلّقٍ أو تردّد.
***
ما إن خرجوا من الصحراء حتى ظهر بابٌ حصينٌ شاهق. وخارج البوابة امتدّ طريقٌ مرصوفٌ ومنظّمٌ من الطوب الأبيض.
كان ذلك طريق التجارة البرّي الذي مهّدته الإمبراطورية عبر مئات السنين. وقد راكمت إستروا ثروتها باستدعاء شتّى التجار عبر هذا الطريق.
أبرزوا تصاريح المرور لحراس البوابة. وعلى عكس ما توقّعوه وهم مشدودو الأعصاب عند دخولهم إمبراطورية إستروا، انفتحت البوابة بسهولةٍ مدهشة.
وحين دخلوا إلى الداخل، ملأت روعة مدينةٍ تجارية ثريةٍ مجال رؤيتهم.
كانت الطرق المصقولة مستقيمةً بلا ذرة طين. وكان قصر الحاكم المصنوع من الرخام الأبيض الناصع يتوّجه سقفٌ قبّبي بلون اليشم، كما ارتفعت هنا وهناك معابد ذات أبراجٍ شاهقةٍ تكاد تلامس السماء.
لم تكن ملابس الناس في الشوارع مصنوعةً من حريرٍ ناعم فحسب، بل كانت أزياء صاغتها أنامل المصممين.
وعلى وجوه أصحاب المتاجر ابتسامةٌ وسعة بال واضحة.
كان الثراء يفيض من كل زاويةٍ في المكان. لكن لم يكن لديهم متّسعٌ للاستمتاع بذلك طويلًا.
“إنها رائحة الحديد.”
“أعرف.”
ما إن عبروا البوابة حتى لم يستقبلهم حاكمٌ يقدّم لهم أطيب الطعام والمبيت، ولا نبيلٌ يرشدهم إلى العاصمة، ولا كاهنٌ إمبراطوريٌ يقال أنه في غاية القداسة.
بل صرخ فارسٌ بصوتٍ مدوٍّ، وقد غطّى وجهه وجسده بالكامل بخوذةٍ ودرعٍ ذهبيين.
“اعتقلوهم جميعًا واقتادوهم إلى القصر الإمبراطوري!”
صرخ الناس الذين كانوا يعيشون يومهم المعتاد وتفرّقوا مذعورين، بينما اندفع الجنود من كل صوبٍ كالسيل، موجّهين سيوفهم نحوهم.
___________________
ونعم الاستقبال؟ ماقالوا حتى يالله صباح خير توهم جايين من البحر شوي شوي
الي يضحك المؤلفه ليه سوت سكيب لروحتهم في البحر؟ حسبت ادريان واليسا بيكملون وقاش هناك
اما ادريان ليته لاحظ ان اليسا تغيرت معه مب على كيفك وانت الي كان تلاحظ ادق تفاصيل التفاصيل😭
التعليقات لهذا الفصل " 95"