رفعت إليسا عينيها المتسعتين تحدّق في شولتز توغراهان.
جسده الصلب بلون البرونز ملأ مجال رؤيتها بالكامل. و في تلك اللحظة، وقد انجذب بصرها إلى وسمه وحده، بدأت آثارٌ لم تنتبه إليها من قبل تدخل عينيها.
ذراعاه وصدره وفخذاه، وحتى بطنه المشدود حيث تستقر عضلات البطن بإحكام. في أنحاء جسده كلها، كانت هناك شقوقٌ طويلة لآثار ضربات السيوف، وندوب حروق، وحفرٌ غائرة بدت كأنها من رؤوس سهام.
كان شولتز توغراهان، الذي وقف في مقدمة الصفوف في معارك لا تُحصى ضد الإمبراطورية، هو الدافع الذي أعاد الحماسة إلى شعب شولتز الذين فقدوا وطنهم.
وتلك الندوب التي نالها، كانت الثمن الذي دفعه لتحرير شولتز من الإمبراطورية، ولتأسيس شلريد.
وهو، شولتز توغراهان نفسه، كان يقول الآن أنه لم يسامح شعبه ولو للحظة واحدة.
لم يكن بالإمكان اعتبار ما سمعته إليسا مجرد وهمٍ منها وحدها، فملامح شولتز توغراهان كانت صادقةً إلى حدٍ مقلق.
نظر شولتز توغراهان إلى عيني إليسا الذهبيتين المذهولتين، وسألها.
“ألهذا الحد يثير الأمر دهشتكِ؟”
“لِمَ، كيف.…؟”
“تقصدين كيف أسستُ شلريد وأنا أقول أنني لم أسامح شعب شولتز ولو للحظةٍ واحدة؟”
“لأنني لم أستطع أن أسامحهم، كان عليّ أن أقف فوقهم. كان لا بد أن أعتليهم وأحكمهم. شعرت أن غضبي لن يهدأ إن لم أفعل.”
“…….”
“فقط عندما أقف فوق رؤوسهم، ألن يضطر كل شعب شولتز، الذين دفعوا أمي يومًا إلى الموت، إلى الانحناء لي بأيديهم هذه؟”
لم تستطع إليسا أن تطبق شفتيها. بينما كان حرّ الصحراء يتسلل إلى أنفاسها.
ى أمامها الآن كان يقف رجلٌ يحمل في جسده حرارةً أشد من رمال الصحراء المسخنة بأشعة الشمس.
“كان عليّ أن أجعلهم يركعون أمامي، ولو بهذه الطريقة.”
وكان مصدر تلك الحرارة، هو الحقد.
وقف شولتز توغراهان وظهره إلى البحر، ناظرًا إلى الصحراء الممتدة على اتساعها. وحذت إليسا حذوه، فاتجه بصرها إلى حيث ينظر.
كانت حبات الرمل الكثيرة تعكس ضوء الشمس فتتلألأ. وتحت وطأة الحرارة الشديدة التي كاد السراب يتراءى معها أمام عينيها، اضطرت إليسا في النهاية إلى أن تصرف نظرها.
خلف تلك الصحراء، كان هناك الوطن الذي أسسه. وكانت هناك القوة العسكرية الهائلة التي بناها، وكان هناك الشعب الذي يمجّده.
وكان هو، وهو يحرق كراهيته وقودًا، يسعى إلى البحر بحثًا عن سبيلٍ يجعل بلاده أكثر ازدهارًا.
“لذلك، سأبذل قصارى جهدي لجعل شلريد قوةً عظمى، حتى يأتي اليوم الذي ينحني فيه كل من كان من شعب شولتز، دون أن يُستثنى أحد، أمامي. حينها، سيتذكرني التاريخ كملكٍ عظيم سامح وطنه الذي قتل أمه.”
وبينما كان يقول ذلك، تقدم شولتز توغراهان خطوةً نحو إليسا، وامتدت يده السميكة إلى خصلات شعرها الأحمر المبعثرة، المبتلة بالعرق من شدة الشمس.
“من دون أن يعرفوا شيئًا، سيمدحونني كملكٍ عظيم. من دون أن يدركوا أي أفكارٍ أحملها في أعماقي.”
اندفع نحوها بحرٌ يحمل طموحًا هائلًا وقاسيًا. صوتٌ منخفض، كمن يضع صدفةً بحرية بالقرب منها، تردد عند أذنها.
“لذا، فإن حقيقة أنني شخصٌ وضيعٌ ودنيء إلى هذا الحد، يلعن بلاده وشعبه حتى النهاية، ستبقى حقيقةً لا يعرفها الآن ولا في المستقبل، إلا أنتِ.”
“…….”
“أنتِ وحدكِ في هذا العالم.”
شعرت وكأنها شخصٌ جرفته الأمواج، لا يقدر إلا على التقاط أنفاسه بصعوبة.
و كأنها نسيت كيف تسبح تحت الماء، ظلت إليسا، بعينيها الزرقاوين العميقتين، تتخبط في دوامةٍ من الاضطراب.
كانت عيناه، العميقتان كالبحر، موجهتين إليها وحدها بلا انحراف. صدقٌ بلا ذرة كذب اندفع نحوها كمدٍّ لا يُقاوَم. و لم تستطع حتى أن تهرب منه.
حينها فقط، نهض في داخلها تساؤلٌ متأخر: هل يحق لي أن أعرف كل هذا؟
هل يجوز لجنديةٍ من دولةٍ أخرى مثلي أن تعرف أن آخر أمراء شولتز، وبطلًا، وملك شلريد المؤسس، إنما يضمر كراهيةً لشعبه أكثر من أي إنسانٍ آخر؟
لكنها سرعان ما أدركت مدى سذاجة هذا التفكير.
حتى لو راحت تنشر ما سمعته اليوم في كل مكان، فمن ذا الذي سيصدقها؟ من ذا الذي سيصدق أن ملك شلريد، الذي يسعى بلا كللٍ لرفع بلاده إلى مصاف القوى العظمى، يكره شعبه؟
وكان شولتز توغراهان نفسه قد خمّن ذلك مسبقًا، ولهذا باح لها بكل شيء.
حين عجزت إليسا عن تحديد ما إذا كان ينبغي لها أن تواسيه، أم أن تشكره لأنه قصّ عليها مثل هذه القصة، فتح فمه مجددًا، كأنه قرأ ما يدور في قلبها.
“لا بأس إن لم تفعلي شيئًا. لستِ مضطرةً لتحمّل أي مسؤولية.”
“لكن.…”
“لقد منحتِني فقط فرصةً لأن أقول كلامًا رغبتُ طويلًا في البوح به لأحد. بل أنا من يجب أن يشكركِ.”
“….…”
“سُررتُ بلقائكِ مجددًا، إليسا. إلى حدّ يجعلني أأسف لأنني لم ألتقِ بكِ قبل ابن أوبرون، ولأن سيفيا التي أحببتِها إلى هذا الحد لم تكن بلادي، بحيث لم تُتح لي حتى فرصةٌ واحدة.”
قال ذلك، ثم نزل شولتز توغراهان من السفينة أولًا.
وهو في طريقه نحو الشاطئ الرملي الأبيض، قال لها أن بإمكانها تفقد السفينة بالقدر الذي تشاء.
وبعد وقتٍ ليس بالقصير، أدركت إليسا أن ذلك لم يكن سوى مراعاةٍ منه، فقد انسحب أولًا خشية أن تشعر بعدم الارتياح.
وعندما اختفت حتى آثار خطوات شولتز توغراهان من فوق الرمال تمامًا، أدركت إليسا أنه للمرة الأولى ناداها باسمها، لا بلقبها كالأدميرال شوتر.
***
حين خطر لإليسا أخيرًا أن تنزل من السفينة، كان الأفق قد احمرّ، وكانت الشمس تستعد للأفول.
و ما إن وطئت قدماها الرمال حتى اندفع شخصٌ ما من بين الخيام، كأنه كان ينتظر خروجها من السفينة، وكأنه لم يرفع عينيه عن هذا الاتجاه ولو للحظة.
حتى من هذه المسافة، استطاعت أن تعرفه.
لم تكن ترى لون شعره، ولا ملابسه، ولا حتى ملامح وجهه. لكنها كانت تعرف هيئة ركضه.
تعرف الزاوية التي تتحرك بها ذراعاه وساقاه. تعرف نسبة طول ساقيه إلى ذراعيه.
كان أدريان أوبرون قد أصبح، دون أن تشعر، مألوفًا إلى هذا الحد في عيني إليسا.
ما إن تأكدت من أنه أدريان، حتى بدأت خطواتها تتباطأ. أما خطوات أدريان، فكانت تزداد سرعة. و كان يركض فوق الرمال التي تغوص تحت قدميه.
مهما أبطأت إليسا سيرها، كان أدريان أوبرون يضيّق المسافة بسرعةٍ أكبر بكثير. ثم أمسك وجه إليسا بين كفيه الكبيرتين.
“ما الذي حدث؟”
لم ترغب في الإجابة. فإليسا شوتر لم تكن قد حسمت شيئًا بعد.
“ماذا قال لكِ شولتز توغراهان؟ أخبريني، إليسا.”
أحاطت إليسا مؤخرة رأس أدريان أوبرون، الذي كان يتفحصها بقلق، بذراعيها. ثم جذبت عنقه نحوها، وقبّلت شفتيه.
‘هذا مجرد استغلال لكَ لا أكثر. لأنني لا أستطيع أن أروي لكَ ما دار بيني وبين شولتز توغراهان، فأحاول أن أملأ الفراغ بشيءٍ آخر.’
‘لكن يا أدريان أوبرون، ماذا سيحدث إن لم أسامحك إلى الأبد؟’
إلى أين سنمضي نحن؟
لم تكن تعرف أين توجد دفة هذه الرحلة.
بوصلة إليسا شوتر لم تعد تشير إلى الشمال. كانت فقط، في هذه اللحظة، لا تريد أن تفكر في أي شيء.
وكأنه قرأ أفكارها، شدّ أدريان ذراعه حول خصرها بقوة.
في صحراءٍ حارة يكفي الوقوف فيها لإشعال الجسد، كان الاثنان يعانقان بعضهما بلا أي مسافة.
_______________________
طيب وشفيها لو اعترفتوا عنكم ذولا عندكم وقت 🌝
اعتراف شولتز يجنن يوم قال حتى روسيريكا مب بلدي يوجع يجننننننن😔
مفروض المؤلفات مايقلون ادبهم ولا يحطون البطل الثاني كذا حلو يعني الحين اذا حبيت الثنين شسوي؟ تـء
التعليقات لهذا الفصل " 94"