ما إن صعد جميع أفراد القافلة على ظهور الجمال حتى صاح شولتز توغراهان.
“انطلقوا!”
وبكلمته تلك، أحاط جيش شلريد بمرافقة قافلة إليسا القادمة من سيفيا وكأنهم يشكلون طوق حماية.
وهكذا عبروا على ظهور الجمال أحد الكثبان الرملية.
ومن خلف إليسا وأدريان، سُمعت أنفاسٌ متقطعة لاهثة.
كان كلٌ من إليسا وأدريان وقائد الفرسان فقط في حالةٍ قريبة من حالتهم عند الانطلاق، بينما كان بقية الفرسان يلهثون وهم يتلقون قِرَب الماء من فرسان شلريد.
كانت الشمس أشد حرارةً بما لا يُقاس من صيف سيفيا. جوّ جاف وحارقٌ إلى حدّ أن الرمال الخالية من أي شجرة أو ظل بدت وكأن الدخان سيتصاعد منها.
وبينما كانوا يعبرون نصف ذلك الامتداد الذي بدا بلا نهاية من الكثبان الرملية، تسللت مع الريح رائحةٌ مألوفة مالحة.
وتحت الكثيب، ظهرت مبانٍ صغيرة. كانت مبنيةً من الطين الأصفر، منخفضة الارتفاع، ذات نوافذ ضيقة، بتصميمٍ يهدف إلى صدّ الرياح الرملية ولو قليلًا.
وسرعان ما انبسط أمام أعينهم بحرٌ أزرق متصلٌ بالصحراء. كان ذلك ميناء رسوّ شلريد. وكانت هناك ثلاث سفن.
وبالرغم من صغر حجمها مقارنةً بأسطولٍ كامل، أدركت إليسا فورًا أن جميعها سفنٌ سريعة.
كانت مقدّماتها حادةً للغاية حتى بدت كقوارب صغيرة، إلا أن إحداها كانت مزودةً بمدفع.
“أليست السفن صغيرةً أكثر من اللازم؟”
“هل يمكننا حقًا أن نعود أحياء على متن هذه السفن؟”
لكن الشخص الوحيد في ذلك المكان القادر على تقييم السفن تقييمًا صحيحًا كانت إليسا.
فنظرت إلى الفرسان المرهقين وأصدرت أمرها.
“سأذهب لتفقد السفن بنفسي. أعيدوا تنظيم صفوفكم واستريحوا هنا.”
“نعم، مفهوم!”
وبأمر إليسا، دفعوا قلقهم بشأن السفن بعيدًا، وانشغلوا بالبحث حتى عن ظل خيمةٍ صغيرة بالكاد تتسع لراحة الجسد، فالصحراء كانت قاسيةً إلى هذا الحد.
“هل تودين الصعود ورؤيتها بنفسكِ؟”
وباقتراح شولتز توغراهان، تبعته إليسا متجهةً نحو الميناء.
“السفن هنا لم تُقم لها مراسم التدشين بعد، ولا تحمل أسماءً بعد. لذا لا داعي لأي قلق. لا الإمبراطورية ولا أي طرفٍ في القارة سيتعرف عليها.”
حين رأى أدريان إليسا وشولتز توغراهان يسيران معًا نحو الميناء، لحق بهما على عجل.
وعند سماع صوت خطواتٍ تطأ الرمل من الخلف، استدارت إليسا. وما إن تأكدت أن الذي يتبعها هو أدريان حتى ارتسمت على وجهها ملامح الاستغراب.
“ماذا؟”
“أنا أيضًا من البحرية.”
جاءها الرد وكأنه أمرٌ بديهي، فتجهمت ملامح إليسا.
ومع ذلك، فهو لا يجيد تقييم السفن أصلًا، فلماذا.…؟
تحطمت أفكارها تلك فور صعودهم إلى السفينة الأولى. فقبل أن يذكر شولتز توغراهان اسم السفينة، سأل أدريان،
“هل توجد مخازن للبارود والسلاح؟”
“بالطبع توجد.”
قاد شولتز توغراهان الاثنين إلى أسفل السفينة. وهناك، وُجدت كمياتٌ من البارود والأسلحة أكثر مما توقعا.
وعند رؤية ذلك الحجم، اتسعت عينا أدريان وإليسا دهشة. و اقتربت إليسا لتتفحص البارود والقذائف.
كان لونها ورائحتها مألوفين. إنه البارود ذاته الذي كان شولتز توغراهان قد سلّمه لهم متخفيًا تحت ستار الأحجار الكريمة والحُلي.
وبعد أن أدرك أدريان ذلك أيضًا، تشوهت ملامح وجهه. فنهض وتقدم بخطواتٍ ثقيلة نحو شولتز توغراهان.
“ما سبب حماسكَ إلى هذا الحد في مساعدة سيفيا؟”
“وهل عليّ أن أشرح ذلك حتى لابن دوقية أوبرون؟”
تعمد شولتز توغراهان أن ينادي أدريان بـ”الابن” لا “وريث الدوق”.
كان اختيارًا مقصودًا بوضوح. فهو لا يعترف به وريثًا مرتقبًا لدوقية أوبرون، ولا عضوًا في البحرية، بل يراه مجرد فتى مدللٍ من عائلةٍ ثرية، وقال ذلك دون مواربة.
ومع ذلك، وقف أدريان أمامه دون أن يتغير تعبير وجهه قيد أنملة.
“نعم، عليّ أن أسمع. أليس من واجبي أن أعرف إن كان هذا كرمًا دبلوماسيًا من ملك شلريد، أم أن وراءه نوايا أخرى؟”
التعليقات لهذا الفصل " 92"