كانت إليسا ترفع نظرها إليه بتركيز، ولاحظت، على عكس وجهه الخالي من أي تعبير، أن أطراف أذنيه قد احمرّت احمرارًا شديدًا.
‘كيف عليّ أن أتلقى هذا الآن؟’
تولّد في داخل إليسا دافعان في الوقت نفسه. أحدهما أن تمزّق ذلك الفم البغيض لأدريان إربًا إربًا.
والآخر أن تنقّب عن كل شيء، منذ متى كان ذلك، ولماذا وقع في حبها، وكيف تجرأ على القول أنه كان واثقًا من مشاعره ثم ارتكب بحقها ما ارتكبه، أرادت أن تعرف كل شيءٍ من أوله إلى آخره.
لكنها لم تستطع فعل أيٍّ منهما. لأن ذلك سيجعل الأمر يبدو وكأن عليها أن تسامحه حقًا.
وبالأحرى، كان أكثر ما تخشاه إليسا شوتر هو أن تبدو وكأنها متلهفة، يائسة، راغبةً في مسامحة أدريان أوبرون.
ساد في الغرفة صمتٌ بارد، صمتٌ لم يستطع لا أدريان ولا إليسا كسره.
وربما لو لم يطرق أحدٌ الباب، لما عرف أيٌّ منهما إلى متى كانا سيبقيان على تلك الحال.
عند تلك الكلمات، نهضت إليسا من مكانها دون أن تنظر إلى أدريان، وتقدمت بخطواتٍ واسعة، ولحقها أدريان من خلفها.
***
وهكذا وصل الاثنان إلى مكتب المستشار.
ومن خلف الباب الخشبي الداكن المزخرف بنقوشٍ عتيقة، كانت تتعالى أصواتٌ صاخبة لا تليق بهدوء المكتب.
“سمو الأميرة! توقفي!”
“لا أريد!”
“الكتب تُقرأ، لا تُرمى.”
رغم صوت المستشار الصارم، ظلّت داخل الغرفة أصوات أقدامٍ صغيرة تركض هنا وهناك مع تذمرٍ متواصل.
“بعد قليل سيصل الأدميرال ونائب الأدميرال، لذا—”
“آه، يا جلالة الملك، لقد وصلا بالفعل.”
مع صوت الخادم المرتجف، خرجت زفرةٌ مثقلة.
“فليدخلا.”
ما إن دخلت إليسا وأدريان إلى المكتب حتى اندفعت الأميرة سينثيا وعلّقت نفسها عند ركبتي إليسا.
ولم تستطع عينا أدريان الحمراوان أن تنصرفا عن اليد الصغيرة التي كانت تقبض بإحكامٍ على طرف سروال إليسا.
“أيتها الفارسة! ستأتين إلى حفلة ميلادي، أليس كذلك؟”
“بالطبع، يا صاحبة السمو.”
“إذًا، ستكونين شريكتي أيضًا، صحيح؟”
عند تلك الكلمات، تراجعت إليسا نصف خطوةٍ إلى الخلف دون وعي منها. لكن سينثيا، وكأنها لا تنوي تركها، شدّت على طرف ثوبها بقوةٍ أكبر.
فرفعت إليسا رأسها ونظرت إلى المستشار، و وجدته يومئ برأسه بتعبير متسامح.
“أه، أهذا بإذن من جلالة الملكة؟”
“بل قالت أنه أمر حسن. فرصةٌ جيدة لترسيخ مكانة الأدميرال شوتر داخل البلاط، وأوصتني أن أطلب منكِ قبول الأمر.”
كان معنى كلامه واضحًا. الملكة كانت تمنح إليسا دعمًا صريحًا. ولم تكن قد نسيت طموح إليسا التي قالت يومًا أنها تريد امتلاك روسيريكا.
لا يمكن تفويت هذه الفرصة.
وفوق كل شيء، كانت فرصةً للابتعاد، ولو قليلًا، عن تلك النظرة المقززة التي تعاملها كدميةٍ لأدريان أوبرون.
فلو دخلت حفل البلاط ممسكةً بيده، لانهالت الألسنة بالثرثرة كالمعتاد. أما الآن، فلا حاجة لذلك.
و خشية أن يتدخل أدريان، سارعت إليسا بالكلام.
“يشرفني أن أرافق صاحبة السمو.”
“بل أنا من يشكركِ على تحمل ابنتي الطائشة. يمكنكما الذهاب للراحة الآن. لا بد أنكِ كنتِ منشغلةً منذ الصباح برسائل شلريد.”
وما إن قال المستشار ذلك حتى أمسكت سينثيا بطرف سروال إليسا.
“أريد أن أبقى أكثر مع الفارسة الرائعة.”
“الأميرة سينثيا.”
ما إن نطق والدها، المستشار، بصوته الحازم حتى عبست الأميرة فورًا، وأفلتت طرف سروال إليسا على مضض.
قبل قليلٍ فقط، حين كانت وحدها مع والدها، لم تكن تكترث لمثل هذا التوبيخ، لكنها الآن، لوجود الآخرين، كانت تحاول التصرّف برزانة، وكان ذلك لطيفًا على نحوٍ لافت.
خدّاها المنتفخان امتلآ بالسخط كخدي هامستر، ومع ذلك كانت تقلد والدها، متحدثةً بنبرةٍ نبيلة تليق بأميرة.
“لم أفكر في الأمر إلى هذا الحد. يمكنكِ الذهاب للراحة.”
لكن إليسا انحنت وحملت الأميرة بين ذراعيها.
“هل تودين الخروج في نزهةٍ معي؟ أم أقرأ لكِ كتابًا هنا؟”
قالت ذلك وهي تحمل الأميرة، ثم نظرت إلى أدريان وأضافت.
“نائب الأدميرال، ألسْتَ مشغولًا؟ ألا تحتاج للذهاب؟”
كانت الأميرة الصغيرة بين ذراعي إليسا تحدق به بعينين واسعتين، وفي الوقت نفسه كانت أصابع إليسا البيضاء الطويلة تواصل مسح ظهر سينثيا بلطف.
أمام هذا الطرد الواضح، لم يكن أمام أدريان في النهاية سوى أن ينظر إلى الأميرة بعينين تغمرهما الغيرة، قبل أن يُجبر على الانصراف.
لم يكن هناك من لم يعجبه ما جرى في ذلك المكان سوى أدريان وحده، الذي وجد نفسه وقد سُلبت إليسا، التي ظن أنها هذه المرة ستصبح شريكته لا محالة، على يد فتاةٍ لا تتجاوز التاسعة من عمرها.
***
ما إن خرج أدريان مترنحًا إلى الممر حتى اقترب منه، وكأنه كان ينتظر، أحد كبار النبلاء.
كان الكونت بارتن، الذي ذاعت في الآونة الأخيرة شائعاتٌ عن انشغاله بالبحث عن زوجٍ مناسبٍ لابنته التي بلغت سن الزواج.
راوده شعورٌ سيئ وحاول تفاديه، لكن براعة الكونت الاجتماعية كانت أسرع.
قبل أن يضيق بينهما البعد، ناداه الكونت.
“السيد أوبرون! ما الذي أتى بسيدٍ مشغول مثلكَ إلى هنا؟”
فأوقف أدريان خطواته على مضض.
“ألسْتُ صديقًا قديمًا لوالدكَ؟ وقد جئتَ إلى العاصمة، أفلا ينبغي أن أدعوكَ إلى قصري؟ هل تستطيع أن تفسح لي بعض الوقت؟”
“لا وقت لديّ الآن. كما تعلم، أنا مقيمٌ في العاصمة لمساندة جلالة الملكة. إن وجهتَ لي الدعوة لاحقًا فسألبيها بكل سرور.”
“هم، هم، إذًا اصعد معي قليلًا إلى عربتي. لندُر حول القصر الملكي ونتبادل حديثًا قصيرًا. أعلم أنكَ رجلٌ مشغول، ولن آخذ من وقتكَ الكثير.”
ابتلع أدريان تنهيدةً قسرًا واتجه إلى عربة الكونت بارتن.
“كيف هي صحتكَ؟ سمعت أنكَ خضعت العام الماضي لعلاجٍ بسبب ركبتكَ.”
“أتتذكر ذلك أيضًا؟ هاها، كما توقعت، السيد أوبرون مختلفٌ عن بقية الشبان النبلاء هذه الأيام!”
“أنتَ تغمرني بالمبالغة.”
“انظر إلى تواضعكَ أيضًا. في هذه الحفلة، لم تعثر ابنتي بعد على شريك. فهل يمكنكَ أن ترافقها في هذه الأثناء؟”
هل يوجد في هذا البلاط من لا يعلم أن أدريان أوبرون مخطوبٌ لإليسا شوتر؟ لكن الكونت بارتن، بدا وكأن وجود إليسا شوتر لم يكن في حسبانه.
“هل نسيتَ أن لديّ خطيبة؟”
“كلا، بالطبع لا، لكنكما لم تقيمَا المراسم رسميًا بعد، أليس كذلك؟ في الأصل، زيجات النبلاء أمورٌ يمكن أن تُبرم في أي وقت، وتُفسخ في أي وقت.…”
تجمّد هواء العربة فجأة. حتى الكونت بارتن، الذي كان يتحدث بلسانٍ مدهون بالزيت، شعر بتغير الجو، فأطبق فمه أخيرًا.
“أعد ما قلتَ.”
“لا، ما قصدته هو….بالطبع قد تشعر بالاستياء يا سيد أوبرون، لكن لم تكن تلك نيتي—”
“نعم، أشعر بالاستياء.”
قطعت كلمات أدريان الحادة كلامه، فتغير لون وجه الكونت بارتن إلى الأزرق الشاحب.
لكن أدريان لم ينوِ التوقف عند هذا الحد.
“هل تنوي حقًا أن تجعل الآنسة بارتن كورتزان*؟”
*معناها ااي يرافقون بس لغرض سياسي او ثقافي وكذا يعرضون انهم يرافقون النبلاء الي مالهم شريك بس بدون رومانسيه ولا نية زواج اغلب الي يسوونها نبلاء منخفضين او المحتاجين
“مـ، ماذا قلتَ؟!”
بدأ وجه الكونت يحمر غضبًا. فاهتزت العربة بعنفٍ وهو يتحرك بجسده.
كاد ينقض على أدريان وكأنه سيمسك بياقته، لكنه في اللحظة الأخيرة كبح نفسه، وقد تذكّر أن من أمامه هو ابن الدوق الأكبر أوبرون.
“سألتُ إن كان حلم ابنتكَ أن تصبح كورتزان.”
“كيف تجرؤ على التفوه بمثل هذا الهراء عن ابنتي.…!”
أمسك أدريان بذراع الكونت بارتن الممدودة نحوه، ثم ضغط بلطفٍ قاتل على كتفه وأعاده إلى مقعده.
تحت قوة أدريان، انساق الكونت بلا قوة. و لم يستطع حتى أن يطالبه بالإفلات، وذراعه المرتجفة كانت ترتعش تحت قبضة أدريان.
“آمل ألا أضطر لسماع الاقتراح نفسه مرةً أخرى.”
قال أدريان ذلك ثم طرق جدار العربة مرتين. وما إن توقفت العربة حتى نزل أدريان وحده، تاركًا الكونت المتجمد في مكانه.
وحين طرق أدريان مرةً أخرى على خارج العربة مرتين، انطلقت من الخيول صهيلٌ خافت، وتحركت العربة من جديد.
وهو يراقب العربة تبتعد، أدرك أدريان أخيرًا كيف يجب أن يستعد لحفل الأميرة.
لم يكن أدريان أوبرون ينوي تكرار الأمر نفسه مرةً أخرى. فلا ينبغي لإليسا أن تسمع كلماتٍ قذرة كهذه مرةً ثانية.
هذه المرة، لا بد أن ينجح. في هذه الحفلة، لن يُسمح لأحدٍ بأن يستخف بإليسا.
لذا، كان هناك الكثير مما يجب فعله.
دندن أدريان لحنًا خافتًا وبدأ يرتب في رأسه الأشخاص الذين قد تواجههم إليسا.
أولًا، عليه التوجه إلى فرسان الحرس الملكي.
‘آه، وقبل ذلك، عليه أن أراجع قائمة المدعوين لأرى إن كان أولئك الأربعة بينهم.’
فغارون هايسن، وإيزيك لانغكاستر، لم يعد بوسعهما أصلًا أن يرفعا وجهيهما أمام إليسا.
_________________
ياقوة الامل عنده يعني بتزين الحفل لها يمكن تحبك اكثر؟ وناسه😭
اما الأميره مفروض تحمد ربها ان ادريان مايقدر يعطيهت حتى نظرة المعصب😂
بنية صغيره ماظني بيحط راسه براسها بس عنه غار منها بعد
بس شسمه الملكة قالت لهم يروحون دام الناس مشغولين في الحفل ولا؟ شكلهم بس بيحضرون اول الحفل ويركضون عشان اثبات حضور و مايكسرون خاطر الاميره بعد🤏🏻
التعليقات لهذا الفصل " 84"