في مثل هذا الوقت من كل يوم، كانت إليسا تتبارز في ساحة التدريب مع الفارسة جان.
كان أدريان قد أحاط علمًا بكل أوقات إليسا ومسار تحركاتها. لكنه لم يجرؤ على التطفّل على وقتها. لأنه إن تدخّل، فستظن إليسا أنه يزعجها. ثم ستتجنب نظره وتذهب إلى مكانٍ آخر.
وعندها سيعود مجددًا إلى عدم معرفة أين تكون وماذا تفعل. وسيضطر إلى البحث عنها كأعمى مفتوح العينين يتخبّط في الطريق.
لذلك كان من الأفضل له أن يكتفي بمعرفة أين هي وماذا تفعل، بدلًا من أن يخسر ذلك كله.
كانت إليسا تواجه جان وشعرها الأحمر مبعثرٌ وغير منتظم.
ويبدو أنها أنهت التوّها المبارزة، إذ كانت قطرات العرق المتجمعة على جبينها تنحدر على ذقنها. وكانت تلمع فوق بشرتها البيضاء الناصعة وهي تعكس ضوء الشمس.
حين تراه إليسا، ستختفي تلك الابتسامة التي كانت على وجهها قبل لحظات، وستكفهر ملامحها وكأنها رأت منظرًا لا يُطاق.
لكن عيني إليسا لم تفعلا سوى أن اتسعتا بوضوح. و لم يظهر في أي موضعٍ من عينيها الذهبيتين، اللامعتين أكثر من الجواهر، أي أثر للانزعاج.
ومن جديد….تفتّحت في صدر أدريان بذرة أمل.
لقد سُحق هذا الأمل مراتٍ عديدة، وحاول قتله مرارًا، لكن بلا جدوى. فأدريان أوبرون خُلق هكذا.
وبالنسبة لإليسا….يا لسوء حظه اللعين معها.
وبهذا الشعور الساخر من نفسه، تقدّم أدريان نحو إليسا. وعندها فقط، بعدما أدركته إليسا إدراكًا كاملًا، عبست فجأةً وقطّبت وجهها بعنف.
تقبّل أدريان الأمر بهدوءٍ وكأنه يقول: ها قد جاء ما توقّعته.
بل إن من بدا مرتبكًا يراقب أجواء التوتر بينهما، كانت الفارسة جان التي اعتادت اتباع إليسا بإخلاص.
كانت إليسا تلتقط سيفها وكأن أسنانها ترتجف من الغيظ، وتهمّ بمغادرة ساحة التدريب، لكن أدريان كان أسرع بخطوة.
“جلالة الملكة تطلبكِ.”
توقفت إليسا بالكاد عند كلماته. ثم راحت تتفحّص محيط أدريان يمينًا ويسارًا.
‘من الذي تبحث عنه؟’
“لماذا أتيت أنتَ بدل خادم الملكة؟”
“….…”
لم يكن لديه ما يقوله. فهو لا يستطيع أن يعترف بأنه جاء بالإلحاح والعناد.
وبعد صمتٍ قصير، فتحت إليسا فمها بنبرةٍ محاسِبة،
“هل وصلت لدرجة أنكَ تلعب بي الآن؟”
“إن كنت ألعب بكِ أم أن جلالة الملكة استدعتكِ….سنعرف عندما نذهب.”
عندها، ورغم أن الشك بدا واضحًا على وجه إليسا، لم تجد خيارًا سوى أن تتبعه.
على الأقل….لم تكن تلك كذبة.
“مرحبًا بكِ، أيتها الأدميرال.”
“أحيي جلالة الملكة.”
“سبب استدعائي لكِ ليس إلا لأن ردّ شلريد قد وصل. كنتِ على حق.”
“ما الشرط الذي وضعته شلريد؟”
“شرط؟”
“نعم، ما الذي أراده ملك شلريد مقابل فتح الطريق؟”
“لا شيء.”
“ماذا؟”
“ما أراده شولتز توغراهان كان مجرد المصالحة مع سيفيا. ودليل ذلك أنه طلب زيادة حجم التجارة مع سيفيا في الحرير وجلود البامبي والقمح….أليس ذلك كأنه لا شيء أصلًا؟”
بدت إليسا مذهولةً قليلًا من جواب الملكة.
“لماذا تبدين مندهشةً إلى هذا الحد؟ ألم تكوني أنتِ من كان واثقًا من تعاون شلريد؟”
ما كانت إليسا تثق به….هو وعد شولتز توغراهان الأخير. كانت تؤمن بالرمز الذي سلّمها إياه.
لكن أن لا يضع حتى شرطًا….فهذا أمرٌ لم يخطر لها.
“إن لم تصدقي، فاقرئيها بنفسكِ.”
قالت الملكة ذلك وسلمت إليسا الرسالة بيدها. لكن الكلمات المكتوبة فيها لم تختلف قيد أنملةٍ عن كلام الملكة.
وبينما كانت حيرة إليسا تتفاقم، تابعت الملكة حديثها،
“سنقيم حفل ميلاد الأميرة. من حسن الحظ أن ميلادها اقترب. إنه مثاليٌ للتمويه.”
“ما معنى هذا.…؟”
“حين تُشغل الأنظار بالوليمة في القصر، ستغادران العاصمة في تلك الفسحة.”
حقًا….كانت الملكة سياسيةً تعرف كيف تستغل حتى ميلاد ابنتها.
وهكذا، حُددت اللحظة التي سيغادرون فيها إلى الإمبراطورية.
***
راحت إليسا تقرأ رسالة شولتز توغراهان مرارًا وتكرارًا. وقلبت في يدها القلادة التي كان قد سلّمها لها قبل رحيله.
أمام الملكة كانت تتحدث بثقة، لكن الاعتماد على مساعدة شولتز توغراهان كان—حتى بالنسبة لإليسا—مقامرةً كبيرة.
بل أنها خافت أحيانًا أنها أقدمت على أمرٍ كبير اعتمادًا على هذه القلادة وحدها.
ومع النقش المتمايل أمام عينيها، تذكرت حكاية آخر ملكةٍ لشولتز التي قصّها عليها شولتز توغراهان.
يا لها من مفارقة. أن يكون ابن الملكة التي ماتت وهي تتلقى لعناتٍ لا تنتهي من شعب شولتز قد أصبح الآن ملك التأسيس الذي حاز أعظم حبٍ من شلريد.
في تلك اللحظة اختفت القلادة فجأةً من أمام عيني إليسا. و ظهرت أمام مجال رؤيتها يدٌ محفورةٌ بتصلباتٍ واضحة، تصلباتٍ لا بد أنها ليد من يمسك السيف، وخطفت القلادة.
“بمَ تفكرين؟”
كان حاجبا أدريان غائرين بعمق، وفي عينيه الحمراوين ارتسم امتعاضٌ واضح.
فابتلعت إليسا تنهيدة. لم يعد بإمكانها أن تسأله لماذا يظهر أمامها هكذا. فقد كان عليهما أن يذهبا معًا إلى الإمبراطورية، وأن يستعدّا لذلك.
‘تباً.’
“نائب الأدميرال.”
رفعت إليسا نظرها إلى أدريان وهي تناديه بلقبه الوظيفي.
كم شعر أدريان بالارتياح عند سماعه ذلك اللقب، وهو أمرٌ لن تعرفه إليسا على الأرجح طوال حياتها.
ما دام منتميًا إلى أسطول الجنوب، فإنها ستنظر إليه كنائب أدميرال. لن يعودا أبدًا إلى ذلك الوقت الذي لم يستطيعا فيه حتى تبادل نظرةٍ واحدة.
كان ذلك هو شعوره بالطمأنينة.
“نعم، أيتها الأدميرال.”
ولذلك لم تلاحظ إليسا أن صوت أدريان كان يرتجف ارتجافًا طفيفًا.
“ماذا يريد شولتز توغراهان؟”
كان أدريان يشعر في كل مرةٍ يقف فيها أمام إليسا وكأنه يتأرجح بين الجحيم والنعيم.
‘….ألم تكن تعرف ذلك مسبقًا؟’
ما الذي يريده شولتز توغراهان واضحٌ بطبيعة الحال….
‘لكن، هل عليّ أن أنطق بذلك بلساني؟’
عندما عجز أدريان المرتبك عن الإجابة، جاءه صوت إليسا.
“أدريان أوبرون؟”
وحين لم يأتِ رد، بدا أن الأمر أثار استغراب إليسا، فاستدارت وهي جالسةٌ على الكرسي.
رفعت عينيها الذهبيتين المائلتين إلى الأعلى وحدّقت فيه وهي ترفع رأسها.
أراد فقط، ولو لمرةٍ واحدة، أن يلمس ذلك الخد الأبيض الناعم. و أراد أن يدفن أنفه في ذلك الشعر الأحمر المنسدل. حتى أنه تخيّل نفسه وهو يرتب شعرها بيديه.
‘تشبه قطةً جميلة جدًا.’
وبدا أن هذا المكان هو النعيم فعلًا. فذلك البريق الذهبي الذي ينظر إليه كان يخنق أنفاسه.
لو استطاع، لاستدعى رسام البلاط ليخلّد هذه اللحظة إلى الأبد.
لكن صبر القطة لم يدم طويلًا. فقبل أن يتمكن أدريان من مد يده حقًا، تلقى خدشًا من القطة.
“ألن تجيب؟”
مع الصوت الحاد انكمشت العينان اللتان كانتا مرفوعتين بجمال. عندها فقط استفاق أدريان وسوّى صوته.
“….ألم تقولي أنك كنتِ تعرفين؟”
“أعرف ماذا؟”
“أن شولتز توغراهان كان مولعًا بكِ.”
ما إن سمعَت إليسا جواب أدريان حتى انطلقت ضحكةٌ ساخرة قصيرة من بين شفتيها الحمراوين.
“تعرف أن مدة بقاء شولتز توغراهان في روسيريكا لم تتجاوز شهرًا واحدًا، أليس كذلك؟”
أمام نظرتها المحتقرة، لم يجد أدريان بدًا من الإيماء برأسه.
“وفي تلك المدة القصيرة أحبني إلى حد إبرام اتفاقٍ يرقى إلى استفزاز الإمبراطورية؟ قل كلامًا معقولًا.”
بعد توبيخ إليسا، ساد في الغرفة صمتٌ قصيرٌ جدًا.
وبعد لحظة، سُمِع صوت أدريان الخافت، وكأن حلقه كان مختنقًا.
“….بالنسبة لي، كان أسبوعٌ واحد كافيًا.”
____________________
قصده في الاكاديميه😂
اعترف احب افكاره لاقعد يعاينها واكثر شي وناسه لاقطعت افكاره عليه وهي تدعسه😭😭😭😭
التعليقات لهذا الفصل " 83"