“يا صاحبة السمو، يبدو أن أناسّيلا مشغولةٌ قليلًا الآن. ما رأيكِ أن نعود أولًا إلى غرفة النوم؟ إذا انتظرنا هناك فستأتي أناسّيلا بالتأكيد.”
لكن أذنَي الأميرة، المنشغلة بالقلق على وصيفتها، لم تعودا تلتقطان صوت إليسا منذ وقتٍ طويل.
“لا. أناسّيلا يجب أن تأتي معي.”
كتمت إليسا الزفرة التي كادت تفلتُ منها، وأخذت تفكّر ببطء وهي تنظر إلى ابنة العائلة النبيلة والسيد الشاب الواقفَين أمامها.
يشبه الأمر أيام الأكاديمية. ففي أيام الكلية العسكرية، كانت النبيلات يأتين أحيانًا لرؤية أدريان أوبرون.
لا، في الحقيقة كنّ كثيرات. على الأقل بقدر ما تعرفه إليسا، كان عددهن يكفي لأن يُعدّ على أصابع اليدين.
وقد رأت إليسا أدريان يُستدعى إليهن غير مرة. ماذا كان يفعل حينها؟ لا تتذكر. أو بالأحرى، لا تريد أن تتذكر.
حتى إن لم تتذكر كيف كان يتعامل معهن، فهي تتذكر جيدًا كيف كنّ يتجاهلنها بازدراء.
وفي اللحظة التي كانت تستحضر فيها تلك الذكريات البالية، التقت عينا إليسا بعيني أدريان.
و لم تكن تقصد هذا. حقًا لم تكن.
لم يكن لدى إليسا أدنى نية، في هذه اللحظة المتأخرة، لأن تقوم بأفعالٍ تشبه ما يفعله العشاق العاديون.
أن تحب، وتغار، وتعاتب، ثم تطلب تأكيد الحب من جديد، لم تكن تنوي فعل أيٍ من ذلك مع أدريان أوبرون.
لقد سئمت من مثل هذه الشكوك. لكن، لماذا أنتَ تتصرف هكذا؟
على الوجه الجامد كالقناع الذي كان بلا تعبير حتى قبل لحظة، ارتسم الارتباك فجأة. و تزلزلت عينا أدريان كشمعةٍ موضوعةٍ في مهب الريح، توشك أن تنطفئ في أي لحظة.
قبل قليل، كان من يبدو متوترًا وخائفًا من كلام الطرف الآخر هي أناسّيلا، أما الآن، فقد صار هذا السلوك من نصيب أدريان أوبرون.
‘ما به هذا؟ كأنه خان فعلًا.’
لا، وحتى لو خان فعلًا، فماذا في ذلك؟ أنتَ أكثر من يعرف أن إليسا هذه لا تكنّ لكَ أي مشاعر.
‘فماذا تريد مني أصلًا وأنتَ تأتي إليّ بهذا الشكل؟’
كان أدريان، الذي كان يتحدث مع أناسّيلا قبل لحظة، يتصرف وكأنها غير موجودة. و ما إن لمح إليسا حتى اندفع نحوها بخطواتٍ واسعة، كأنه يركض.
“لا، إليسا.”
وكان هذا أول ما تفوّه به بلا تمهيد.
“حقًا لا. لم يحدث شيء.”
“….…”
“أقسم لكِ، إليسا. أرجوكِ، ثقي بي.”
مع أن إليسا لم تبادر إلى أي استجواب، راح أدريان يسرد أعذاره واحدًا تلو الآخر.
و كانت وصيفة الأميرة، التي بدت على وشك الانفجار بالبكاء، غير موجودة في نظره، فقد كانت عيناه الحمراوان معلّقتين على إليسا وحدها.
الآن، أصبحت إليسا مرتبكةً حقًا. لم يكن هناك شيءٌ واحدٌ هنا تريد تقبّله كواقع.
كان من العبث أن تكون هي من يكتشف أن وصيفة الأميرة المقرّبة تظاهرت بالمرض أثناء دوامها وتركت الأميرة وحدها، وكان أكثر عبثًا أن يكون الشخص الذي أرادت لقاءه رغم كل تلك الأكاذيب هو شريك زواجها السياسي.
لكن أكثر ما أربكها على الإطلاق كان،
“لم يحدث أيّ من أسوأ الأمور التي تتخيلينها.”
“…….”
“لم يكن ذلك ما أردتُه، حقًا.”
ما إن خرجت تلك الكلمات من فم أدريان حتى شحب وجه الوصيفة كصفحة ورق.
نعم، هذا بالضبط. هذا التصرف من أدريان أوبرون، وكأنه حبيبٌ يبرّر، ويشرح، ويتوسّل الغفران.
“ماذا عليّ أن أفعل كي تسامحيني؟”
وعندما واصلت إليسا صمتها بوجهٍ خالٍ من التعبير، جثا على ركبتيه فورًا، من دون ترددٍ لثانيةٍ واحدة.
كان هذا، من بين كل شيء، أكثر ما وضعها في مأزقٍ وأربكها.
لم تعد الوصيفة قادرةً على الاحتمال، فانهمرت دموعها كحبّات المطر.
ولأن إليسا لم تستطع تحمّل رؤية ذلك المشهد أكثر، سلّمت سينثيا، التي كانت ترمقهم بنظراتٍ مترددة، إلى وصيفتها،
“عودي مع صاحبة السمو. أمرُ محاسبتكِ على ما حدث اليوم سيُبتّ فيه لاحقًا من قبل جلالة الملكة والمجلس.”
“نعم، سأضع ذلك في ذهني. أنا آسفة.”
قالت ذلك وهي تأخذ سينثيا، التي كانت تفتح عينيها على وسعهما دون أن تفهم ما الذي يحدث، ثم انسحبت من المكان على عجل.
“انهض.”
غادرت أناسّيلا والأميرة سينثيا، لكن المكان كان داخل القصر الإمبراطوري. و كان الخدم يتظاهرون بعدم الاكتراث، لكنهم يرمقون هذا المشهد بنظراتٍ خاطفة.
لم يقتصر الأمر على الخدم والوصيفات، بل حتى عربات النبلاء الذين أنهوا مقابلة الملكة في طريق عودتهم بدأت تخفف سرعتها.
بعض العربات توقفت علنًا، وفرسان الحرس الملكي المتجهون لتبديل نوباتهم توقفوا أيضًا يحدقون ويتهامسون.
على الأرجح، بعد ثلاثة أيام، ستكون إليسا شوتر على كل ألسنة القصر.
وفي الصحف الصفراء الرديئة سيُسحب عنوانٌ فاضح: “[وريث أوبرون عاجزٌ أمام ابنةٍ غير شرعية، أهي حيل الفراشة أم سحرٌ أسود؟]”
لكن وكأن نظرات الآخرين لا تعنيه بشيء، ظل أدريان أوبرون يكرر جملةً واحدة كالببغاء.
“أرجوكِ، إليسا. سامحيني.”
عضّ أدريان على شفتيه بقوةٍ وهزّ رأسه. عنادٌ جعله يبدو وكأنه سيبقى جاثيًا في مكانه حتى تخرج كلمة “المغفرة” من فمها، ما جعل رأس إليسا ينبض بالألم.
“أدريان، هذا ليس أمرًا يخصّني لأغفره أو لا.”
رفع نظره إليها بعينين معكّرتين حائرتين، غير فاهمٍ لمعنى كلامها.
وقرأت إليسا في داخله بقايا أملٍ ضعيف. هل يعني هذا أنكِ الآن تصدقين براءتي؟ أنكِ ستصدقين أنني لم أضع في قلبي سوى أنتِ؟
لكن إليسا لم ترغب في تركه يربي هذا الأمل من تلقاء نفسه.
“قلتُ لكَ منذ البداية أنني لا أمانع حتى لو كان لكَ خليلة. حتى لو قبّلتها أمامي، لما كان ذلك سيهمني.”
ما إن انتهت كلماتها حتى تشوّه وجه أدريان. و تحطّم الأمل في عينيه الحمراوين إلى شظايا.
أغمض عينيه بإحكام، وقد بدت على قبضتيه الموضوعتين فوق ركبتيه عروقٌ نافرة.
“ألم نكن قد أنهينا هذا الحديث منذ زمن؟”
كان يلفظ كلماته حرفًا حرفًا وكأنه يسحقها بأسنانه، وخوفه مما قد تقوله بعد ذلك جعله لا يترك لها فرصةً للرد، فواصل كلامه بإلحاح.
“وأنا أيضًا قلت لكِ مرارًا أنني لن أفعل شيئًا كهذا.”
كان صوت أدريان متشققًا، يغلي من أعماق صدره وكأنه يكبت غضبًا متفجرًا. عندها فقط نظرت إليه إليسا نظرةً حقيقية.
كان يضع تعبيرًا لم تره عليه من قبل. حتى في أيام الأكاديمية العسكرية، لم يبدُ له وجهٌ كهذا أمامها.
كان وجه أدريان ممتلئًا بغضبٍ أحمر قانٍ، غضبٍ يكاد يحطم كل ما يقف أمامه. حتى إليسا، التي حاولت أن تتجاهل مشاعره، لم تستطع إنكار وضوح ذلك الغضب.
لكن خصم أدريان أوبرون كان دائمًا إليسا. الشخص الوحيد في هذه المملكة الذي لا يخاف من غضب أدريان أوبرون. الشخص الذي يتمنى فقط أن يُنسى بهدوء.
لذلك، لم يكن كل ما يحدث بالنسبة لإليسا سوى مسرحيةٍ هزلية.
فليكونا عاشقين تعاهدا على الحب، أو زوجين جمعهما الثقة والود. وإن لم يكن هذا، فليكونا على الأقل صديقين يتشاركان المشاعر.
لكن حتى صديقين لم يكونا. بين أدريان أوبرون وإليسا شوتر لم يكن هناك أي شيء.
لم تكن إليسا تنوي قبول أو مشاركة أي شيء.
‘ومع ذلك، بأي حق تجرؤ على أن تنظر إليّ بتلك النظرة؟ لماذا تتصرف وكأنكَ خُنت؟ ماذا كنتَ تتوقع مني أصلًا؟’
ألا يبدو الأمر مضحكًا حتى لكَ؟ أدريان أوبرون؟
ثم انخفض صوت إليسا كما انخفض صوته.
“وأنا أيضًا كنتُ أكرر هذا الكلام منذ زمن. تلك المشاعر التافهة، ماذا بها؟ شيءٌ يمكن أن يتغير في أي وقت، فبأي وجهٍ تتباهى وتلقي عليّ مثل هذا العبء؟”
_______________________
أدريان: -100 دهس الأمل: 1000
النبلاء الي يوقفون يشوفون شالسالفه كأنهم هنا عندنا اذا صار حادث الله يستر يوقفون طوابير بس عشان يعرفون وش صار 😂
المهم ادريان قد استعملت الدموع ولا نفعت وعنك راكع ولا نفع ماودك تجرب شي جديد؟ مثلاً يعني تشرح لها شي هي ناسيته وكذا 😘
التعليقات لهذا الفصل " 78"