و بعد أن يقدّموا إينوك قربانًا، هل يجهلون حقًا المستقبل الذي ستنقض فيه الإمبراطورية مستغلةً تصدّع تماسك البحرية؟
أم أنهم يتوهمون بسذاجةٍ أن إلقاء أحد أبناء النبلاء الشباب، الذي يُزعم أنه دفع دبلوماسيهم إلى الموت، سيكون كافيًا لمنع اندلاع الحرب؟
“يا جلالة الملكة، لا يوجد سوى سبيلٍ واحد لاحتواء غضب الإمبراطورية.”
“عليكم التخلي عن الابن الثالث لأسرة فيتزجيرالد. لقد أصبح بالفعل مجرمًا قتل دبلوماسيّ الإمبراطورية.”
صبّوا كل اللوم على إينوك، وتوسلوا أمام الملكة متذرعين بأن الحرب لا يجب أن تقع.
وإذ لم تطِق إليسا هذا المشهد، فتحت فمها.
“إن كان حقًا دبلوماسيًا، فلماذا اختار الانتحار؟”
بكلمةٍ واحدة من إليسا، تجمّد المكان كأنه غُمر بالجليد.
“أم أنكم تتظاهرون بالجهل، وتتمنون أن تتحمل البحرية كل الذنب، وأن تخسر سيفيا بحرها الجنوبي بهذه الصورة؟”
“…….”
“أم أنكم تتمنون حقًا اندلاع الحرب؟”
عند تلك الكلمات الأخيرة، تبدّل غضب النبلاء، فحوّلوا سهامهم من إينوك إلى إليسا.
“ما هذه الوقاحة! هل تحاول الأدميرال شوتر اتهامنا بالخيانة؟ ألا تعلمين أن من جرّ البلاد إلى شفير الحرب هو العقيد فيتزجيرالد، أحد مرؤوسي الأدميرال شوتر المباشرين؟!”
“بأي أساسٍ تتفوهين بهذا الهراء عن الحرب!”
“ألا تدركين أن الوقت ليس وقت حماية عقيدٍ بلا تفكير! هل تعلمين ما الذي اقترفه العقيد فيتزجيرالد، وما الذي ارتكبته البحرية؟ سواءً انتحر ذلك الدبلوماسي أم لا، تستطيع الإمبراطورية أن تتخذ من ذلك ذريعةً لإشعال الحرب! كلمةٌ واحدة من البحرية، تصرّفٌ واحد، قد يحوّل سيفيا إلى بحرٍ من النيران!”
“…….”
“وهل هناك من يجهل في هذه القارة أن إمبراطورية إستروا تطمع في المياه الجنوبية؟ وقد خسرت أصلًا ما كانت تملكه بسبب استقلال شلريد، فإلى من سيتجه الدور التالي!”
راقبت إليسا غضب النبلاء بصمت، وابتسمت في داخلها.
أخيرًا، خرج الموضوع الذي تريده إلى السطح. لقد واجهوا الواقع أخيرًا.
“سيكون الدور على سيفيا! أنتم، البحرية، ستجعلون سيفيا بحرًا من النار!”
“وخلال كل هذا، ماذا كانت تفعل أدميرال البحرية؟ لماذا كانت غائبةً عن منصبها؟ فلتشرحي لنا!”
وسط هذا السيل من الاتهامات الموجهة إلى البحرية، بل إلى قائدة تلك البحرية، إليسا شوتر، لم يكن من يحترق قلقًا سوى أدريان وحده.
فألقى نظرةً مضطربة نحو الملكة. لكن وجهها، وهي تجلس في المقعد الأعلى تراقب هذه الفوضى بصمت، لم يُظهر أي تعبيرٍ يمكن قراءته.
هل ستحمي الملكة إليسا؟
لا شك أن الملكة كانت تقدّر الأدميرال إليسا شوتر تقديرًا عاليًا. ولهذا اختارت إبقاءها مقيدةً ببحار روسيريكا بدل بيعها بثمنٍ باهظ لشولتز توغراهان.
لكن خصمها كان سياسيًا مخضرمًا يفوق الجميع دهاءً. وربما لن تصل حمايتها إلى حد احتواء هذا الموقف أيضًا، فالداعمون خلف إليسا أضعف من هؤلاء.
بالنسبة لدوق روسيريكا، وللدوق الأكبر أوبرون، وحتى للملكة نفسها، لم تكن إليسا سوى ورقةٍ واحدة. ورقةٌ تُستخدم عند الحاجة، وتُرمى عند انتهاء فائدتها.
كل من في هذا المكان سيستخدم إليسا شوتر وسيلة. درعًا يقيهم ويلات الحرب.
و الشخص الوحيد الذي لم يستطع احتمال رؤية ذلك المصير كان واحدًا فقط. فبالنسبة لأدريان أوبرون، لم تكن إليسا وسيلةً قط. لم تكن كذلك ولو مرةً واحدة.
لقد كانت إليسا دائمًا هدفه.
إن حاولت الملكة استخدام إليسا كورقةٍ تُضحّى بها، فإن أدريان سيصبح خائنًا طوعًا، وسيقبض على سيفه مقلوبًا.
لا شيء في هذا العالم كان ليتقدم على إليسا شوتر في قلب أدريان أوبرون، حتى لو كان ذلك سيفيا نفسها.
وحين وصل تفكيره إلى هذا الحد، لم يعد هناك ما يدعو للانتظار. كان أدريان على وشك أن يتقدم خطوةً إلى الأمام، حينها، نسيَ أن الشخص الوحيد القادر على إيقافه كانت تقف بجانبه مباشرة.
إليسا شوتر كانت قادرةً على إيقاف أدريان أوبرون بمجرد حركةٍ من طرف إصبعها.
أمسكت بيده. و في لحظة، تلامس ظهر الكفين، وسحبت معصمه إلى الخلف. فاشتعل الموضع الذي لامسته فيه بأناملها.
أمام تلك اللمسة الحاسمة، توقّف أدريان. فلم يكن أمامه خيارٌ آخر.
ى بدلًا منه، تقدمت إليسا خطوةً إلى الأمام.
كانت تتلقى وحدها كل أنظار الملكة ونبلاء الشيوخ. ولم يكن بوسع أدريان سوى أن يثق بها وينظر إليها.
“سأذهب أنا إلى إمبراطورية إستروا.”
فساد الصمت في القاعة.
رأى أدريان الظهر المستقيم الأنيق أمامه. الشعر المرفوع والمربوط عاليًا، خط العنق المرتب، وخط الكتفين المستديرين المنسدلين بانضباطٍ مع الزي الرسمي.
‘ماذا….ماذا سمعتُ للتو؟’
ولم يبدأ عقل أدريان بالعمل كما ينبغي إلا بعد أن خفّ الاضطراب في القاعة.
“كـ، كحّم. إ، إذا كانت الأدميرال تنوي الذهاب بنفسها إلى الإمبراطورية لمعالجة الأمر.”
“وبما أن ما حدث شأنٌ يخص البحرية، والبحرية تقول أنها ستتولى الحل، فلا سبب يمنع ذلك.”
تطايرت نحوها أصواتٌ خسيسة ماكرة، تشبه أصوات الخفافيش.
وفي أذن أدريان، لم تكن تلك الأصوات سوى همساتٍ شياطين تحاول انتزاع إليسا منه.
ومع ذلك، وقفت إليسا طوعًا على منصة اختبارهم. فرفع أدريان رأسه ونظر مباشرةً إلى الملكة الجالسة على العرش.
بدأ تردد الملكة يتعمق. تجعدت أطراف عينيها بفعل العبوس الشديد. و قد كان وجهها جميلًا، لكنه يحمل أثر العمر الذي لا يمكن إخفاؤه.
كانت تضعهم وإليسا على كفتي ميزان، وتزن قيمة كل طرف.
إذًا، لا بد من إضافة ثقلٍ إلى الميزان. فتقدم أدريان خطوةً إلى الأمام. ووقف إلى جوار إليسا، كتفًا إلى كتف.
لا أحد يعلم كم انتظر هذه اللحظة. كم طال شوقه وحنينه للوقوف إلى جانبها هكذا. كان قلب أدريان ينبض بجنون.
“ما رأي جلالة الملكة؟ هل ترون حقًا أن على أدميرال البحرية أن تتحمل كل هذا وحدها؟”
ثم شعر بنظرة إليسا تتركز عليه بالكامل.
‘آه، حتى دون أن أنظر، أستطيع تخيل التعبير على وجهها.’
تلك العينان الشبيهتان بعيني قط، المرفوع طرفاهما قليلًا، وكيف تنظر إليه كأنه شخصٌ مثيرٌ للشفقة، اتخذ قرارًا أحمقًا.
كانت إليسا صافيةً إلى حد الوضوح المؤلم، حتى كاد يضحك.
حتى لو لم تكن إليسا ترغب في ذلك، فقد كان أدريان ينتظر هذه اللحظة تحديدًا. لا مفر.
“إن كان على الأدميرال شوتر الذهاب إلى الإمبراطورية، فسأذهب معها أنا أيضًا.”
كان حلم أدريان أوبرون واحدًا.
لم يكن سلطة دوق أوبرون، ولا شرف قائد فرسان الشمال. بل أن يكون شخصًا يملك الأهلية للوقوف إلى جانب إليسا شوتر.
ذلك وحده. قضى حياته بأكملها لم ينظر فيها إلا إلى هذا الهدف.
منذ اللحظة التي رآها فيها لأول مرة، وحتى الآن. كان كذلك دائمًا.
______________________
ياناس من يوم شافها وهو بزر وهو واقع واضح
بس يا انه مسكين صدق يعني مستانس عشان لمسه والحين مستانس عشانه وقف جنبها؟😭
التعليقات لهذا الفصل " 68"