من المؤكد أنها اعتقدت أنها وجّهت تحذيرًا كافيًا لقائد الحرس في ضواحي العاصمة، لكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك.
لكن مع ذلك، لم يكن من المنطقي أن تستدعي الملكة إلى القصر الملكي أشخاصًا فقط لتكريمهم على إنجازٍ لا يتعدى إلقاء القبض على بضعة قُطّاع طرق.
و حين ضاقت عينا إليسا، قفز أدريان بخفةٍ من العربة.
“ما الأمر؟”
كان فارس الحرس الملكي أصلًا في حالةٍ من الانبهار والضغط، رغم كونه فارسًا مثلهم، بسبب قامة أدريان أوبرون الفارعة وهالته الطاغية، لكن عينيه الحمراوين كانتا تحملان لمحةً من نية القتل.
أدريان، الذي قوطعت لحظاته مع إليسا، كان يحدق في الفارس بعين وحشٍ مفترس أُنتهكت منطقته.
“ا، الملكة جلالتها أمرت بإحضاركُما فورًا إلى القصر الملكي. هـ، هذا كل ما تلقيته من أوامر. سـ، سأقوم بالمرافقة!”
رافق فارس الحرس الملكي، وهو يرتجف رعبًا، العربة التي تقل إليسا وأدريان حتى القصر الإمبراطوري.
وكان هناك شخصٌ يرتجف أكثر من فارس الحرس.
إنه برايان، الذي وجد نفسه ذاهبًا إلى القصر الملكي دون أن يدري كيف.
***
بعد دخول العربة إلى داخل القصر، ونزول الثلاثة منها، بدا الارتباك على الحرس الملكي.
ألم يُطلب منهم إحضار قائد فرسان الشمال وأميرال الجنوب فقط؟ لكن كان هناك شخصٌ آخر داخل العربة. فقد كانوا معًا.
عضّ برايان على شفتيه بقوة. حتى هنا كان مجرد حملٍ لا قيمة له.
“سنرافقكما إلى قاعة الاستقبال. تفضلا من هنا.”
وفي النهاية، دخلا إليسا وأدريان فقط، دون برايان، إلى أعماق القصر الملكي برفقة الحرس.
ثم نظرت إليسا إلى بابٍ ذهبي ضخم نُقش عليه رأس أسد متقن الصنع. كانت قاعة المثول.
‘لماذا هنا تحديدًا؟’
نظرت إلى أدريان، لكنه كان يحمل تعبيرًا يدل على أنه لا يعرف شيئًا هو الآخر.
“سأفتح الباب.”
ومع تلك الكلمات، فُتح الباب الذهبي، وانكشف المشهد داخل قاعة المثول.
في المقعد الأعلى جلست الملكة، مرتديةً فستانًا أحمر مهيبًا، تمسك بهرّاوة، وتحتها اصطف النبلاء الشيوخ.
فسارعت إليسا بتفحص وجوههم. أن يجتمع هؤلاء الذين نادرًا ما يتحركون مجتمعين يعني أن الأمر ليس عاديًا أبدًا.
ثم، في منتصف قاعة المثول، كان هناك تابوتٌ كبيرٌ واحد. وبالنظر إلى خلوه من أي زخارف أو رموز عائلية، لم يكن الاحتمالان سوى اثنين: إما تابوتٌ لعامة الناس، أو تابوتٌ لشخصٍ ليس من أبناء سيفيا.
وبجانب التابوت، ظهر رجلٌ بشعرٍ بني مألوف، يرتدي زي البحرية.
كان مطأطئ الرأس كما لو كان مجرمًا، وكان شخصًا تعرفه إليسا جيدًا.
‘إينوك فيتزجيرالد؟ لماذا هو هنا؟’
ما الذي يحدث في البحرية الآن بحق؟
عند دخول إليسا وأدريان، سرت همهمةٌ في القاعة للحظات. وحين ضربت الملكة الأرض بهراوتها، دوى صدى اهتزازٍ ملأ القبة العالية للسقف.
“الهدوء. الآن فقط اكتمل الحضور. الأدميرال شوتر، ونائب الأدميرال أوبرون، لقد جئتما إلى العاصمة في توقيتٍ مناسبٍ تمامًا. فلنبدأ.”
أشارت الملكة إلى إينوك، ففتح غطاء التابوت بيدين مرتجفتين.
كانت الجثة المستلقية بالأسفل لشاب صغير البنية. لكن مهما أعادت النظر، كان وجهًا لا تعرفه. أي أنه لم يكن ابنًا لأي نبيلٍ تعرفه.
وكان هناك سِمةٌ أخرى، فم الجثة كان مفتوحًا، وداخل ذلك الفم لم يكن هناك لسان. كانت جثة شخصٍ انتحر بعض لسانه بنفسه.
وكلما دققت النظر، ازدادت الأسئلة، إلى أن فتح إينوك فمه.
“قبل عشرة أيام، كان هو الناجي الوحيد من سفينةٍ تجارية غرقت. لكن تبيّن أن جميع السفن التجارية التي أبحرت في ذلك اليوم قد خرجت بأمانٍ من مياه سيفيا الإقليمية.”
في القاعة الصامتة، لم يكن يُسمع سوى صوت إينوك. بينما أومأت الملكة برأسها وكأنها تطالبه بالمتابعة.
“وعندما اشتبهت البحرية في الأمر واستجوبته، كشف عن كونه جاسوسًا ثم أقدم على الانتحار.”
ما إن انتهى إينوك من كلامه حتى صرخ النبلاء الشيوخ.
“جاسوس؟!”
“ألا ترى بعينيكَ الرسالة التي بعثت بها الإمبراطورية، أيها العقيد فيتزجيرالد! ذلك الرجل دبلوماسيٌ أرسلته الإمبراطورية!”
“سفينة دبلوماسيٍ إمبراطوري تحطمت وطلبت المساعدة، فتتجاهلون ذلك وتختلقون هذه الأكاذيب! وهل بعد هذا تدّعي أنكَ من البحرية؟!”
“الرسالة التي أرسلتها الإمبراطورية لا تطابق الحقيقة!”
ومن بين أصوات الهمهمة، ارتفع صوت إينوك الغليظ والواضح.
“لم تكن هناك أي سفينةٍ تحمل دبلوماسيًا إمبراطوريًا. وبدلًا من ذلك، في ذلك اليوم، تم رصد سفينةٍ مجهولة الهوية قرب المياه الإقليمية لسيفيا. وبالطبع، كانت مجهزةً بالمدافع.”
“…….”
“وحين ابتعد أسطول سيفيا، اختفوا دون أن يطلقوا قذيفةً واحدة. هل تستطيعون حقًا الجزم بأن هذا الجاسوس وتلك السفينة القرصانية لا علاقة بينهما إطلاقًا؟”
“…….”
“تصرفت البحرية بأقصى درجات الحكمة، وألقت القبض على الجاسوس دون إحداث أي أضرار.”
الآن فقط فهمت كل شيء. سبب استدعائها هي و أدريان أوبرون إلى القصر بهذه السرعة، وسبب مجيء إينوك فيتزجيرالد إلى العاصمة تاركًا كل شيءٍ خلفه.
يبدو أن الإمبراطورية تستهدف سيفيا. وبجديةٍ تصل إلى حد الاستعداد لخوض الحرب.
أما السبب، فكان بسيطًا إلى درجة يدركها طفل.
بعد أن حقق شولتز توغراهان استقلال شلريد، فقدت الإمبراطورية مجددًا خطها الساحلي الجنوبي. و في الوقت الحالي، كان أهم مفترق طرقٍ في التجارة البحرية هو الساحل الجنوبي.
كانت الإمبراطورية تمتلك الساحل الشمالي، لكنه كان مليئًا بالأنهار الجليدية والشعاب الصخرية إلى حد يجعل شق طرقٍ بحرية فيه بالغ الصعوبة.
إضافةً إلى ذلك، لم تكن هناك دولةٌ من دول الشمال تنشط في التجارة بقدر ما تفعل دول الجنوب.
وبسبب المناخ الأقل دفئًا، لم تكن المحاصيل وفيرة، فكان ذلك نتيجةً طبيعية.
وقبل أن تبدأ التجارة الساحلية على نطاقٍ واسع، كان مركز جميع طرق التجارة هو الإمبراطورية.
وبفضل أراضيها الممتدة عرضيًا، كانت تشتري البضائع من جهة وتبيعها في الجهة الأخرى، وتلعب دور الوسيط، محققةً أرباحًا طائلة. وبهذه الطريقة ازدهرت على مدى مئات السنين.
لكن الآن، بدأ أفق التجارة البرية يلوح بنهايته. ومع انفتاح الطرق البحرية وتراجع الاعتماد على الطرق البرية، كان من الطبيعي أن تطمع الإمبراطورية المتعجلة في الساحل الجنوبي.
غير أن جنوب الإمبراطورية كانت تسدها ثلاث دول: بورتريا، شلريد، وسيفيا.
لذلك، بادرت الإمبراطورية أولًا بغزو شولتز القديمة التي كانت آيلةً للسقوط، وحصلت للمرة الأولى منذ تأسيسها على ساحلٍ جنوبي.
لكن ذلك المجد العابر لم يدم طويلًا، إذ إن الشولتز، الذين توحدوا حول شولتز توغراهان، نجحوا في نيل استقلالهم. وفي النهاية، تلقت الإمبراطورية ضربةً داخلية، واضطرت مرةً أخرى إلى التخلي عن طريق البحر.
وهكذا، بدا وكأن حلم الإمبراطور بشق طرقٍ بحرية لإمبراطورية إستروا قد تحطم، إلا أن إمبراطور الإمبراطورية لم يكن قد تخلى عن طمعه بعد.
ويبدو أن الهدف الثاني كانت سيفيا.
لم يكن من الممكن ألا يدرك النبلاء الشيوخ المجتمعون هنا تلك الخطة الواضحة التي تراها إليسا جليًا.
لكنهم، رغبةً في عدم تضخيم الأمر، لم يفكروا إلا في تقديم إينوك ككبش فداء وتجاوز هذه اللحظة.
فالتعامل مع غضب الكونت فيتزجيرالد، الذي فقد أبناءه الثلاثة، سيكون أسهل من خوض حرب.
كان ذلك مقززًا. هل تظنون حقًا أن الإمبراطورية ستتراجع لمجرد تجاوز هذه اللحظة؟
لماذا لا يستطيع هؤلاء رؤية ما هو أبعد من خطوةٍ واحدة أمامهم؟
____________________
ادريان اول واحد بيقول تم خل نعطيهم اينوك فديه😂
والملكة تجنن حلو انها اختارت لبس هيبه دامها وسط ذولا والوضع كذا بس مدري ليه تضحكني
المهم ادريان كان شبه يتهاوش مع اليسا وش الي قاطع لحظتكم؟😭
التعليقات لهذا الفصل " 67"