“هل نسيتَ بالفعل ما الذي قلتَه قبل قليل؟”
صرخت إليسا بصوتٍ أعلى وأكثر حدّةً مما توقعت هي نفسها.
“…….”
“وهل هذا وقتٌ للبقاء هنا بلا سبب؟ هل قلتَ ذلك لأنكَ لا تعلم أن منصبي الأدميرال ونائب الأدميرال في البحرية كلاهما شاغران الآن؟”
عندما ذُكرت البحرية، عضّ أدريان على شفته بقوة.
الوجه الذي خطر بباله تلقائيًا كان وجه رجل واحد. ومعه، تعبير إليسا وهي تبتسم حين كانت برفقته، إينوك.
إليسا التي كانت تثق بإينوك ثقةً بديهية وتبتسم براحة كانت هناك، في البحرية. على عكس ما تكون عليه حين تكون معه.
“وإينوك فيتزجيرالد لا يحمل رتبة عقيد للزينة فقط، أليس كذلك؟”
“ومنذ متى وأنتَ تقيّم إينوك بتلك الدرجة العالية؟”
حدّقت إليسا في أدريان بنظرةٍ غير راضية.
وتحت ذلك التحديق الحاد كأنه استجواب، لم يستطع أدريان في النهاية أن يقول كلمةً واحدة.
في النهاية، لم يبقَ لأدريان سوى خيارٍ واحد. الاعتماد على رحمة إليسا.
الفرصة الوحيدة التي أظهرتها له حتى الآن.
“لا أستطيع الذهاب. فأنا مصاب.”
أمسك أدريان بذراعه وجلس أرضًا. كان تظاهرًا سخيفًا بالمرض، لكن ما العمل؟ هذا كل ما كان أدريان قادرًا عليه.
منذ البداية، لم يكن يملك أهلية الوقوف إلى جانب إليسا. حتى ذلك الموقع كان قد انتزعه بالإكراه.
دور الخطيب المزيّف، والتعيين في البحرية. لو مرّ الأمر عبر موافقةٍ نظامية، لما حصل عليهما أبدًا.
ولو أُتيح الوقت ليُؤخذ رأي إليسا بالحسبان، لكان ذلك منصبًا يفوق ما يمكن أن يحلم به حتى في المنام.
ولو لم يكن هو، لكان منصب نائب الأدميرال في البحرية من نصيب إينوك فيتزجيرالد، ذلك الرجل. ومعه، المقعد إلى جوار إليسا شوتر أيضًا.
قبل أن يقتحم هو بلا ترددٍ مكتب الملكة، كانت الملكة قد اختارت الابن الثالث لعائلة فيتزجيرالد ليكون الشريك المؤقت لإليسا شوتر. بلا شك.
“حقًا يا إليسا، أنا مصاب.”
قررت إليسا أن تجاري أدريان أوبرون في لعبته هذه. فلو لم يكن قد استفزّ أعصابها، لكانت قد أخذته أصلًا إلى الطبيب.
بل كانت قد عزمت على التأكد من أن حالته الجسدية طبيعية، وكان هناك ما يبرر ذلك.
“حسنًا، لنتوقف هناك قليلًا ونحن في العاصمة.”
دون أن يعرف حتى إلى أين سيذهبون، وما إن انتهت إليسا من كلامها حتى انتشر على وجه أدريان ابتسامةٌ هادئة.
شفته الحمراء رسمت قوسًا على بشرته البيضاء وكأن الثلج قد ذاب عنها. ابتسامةٌ قادرة على إذابة الثلوج الأبدية، جعلت إليسا تحدّق فيه شاردةً للحظة.
لحظةً قصيرة جدًا.
قصيرةٌ حقًا.
حقًا.
***
المكان الذي أخذت إليه إليسا أدريان كان عيادةً تقع في موضعٍ لا يلفت أنظار الناس.
وما إن طرقت اللافتة الخشبية التي بدت وكأنها ستسقط صدئةً في أي لحظة، حتى فُتح الباب.
رائحة الأعشاب الطبية المتسربة من الداخل لسعت الأنف. عندها فقط أدرك أدريان أن إليسا قد كشفت كذبته، فتصلب جسده.
“لماذا هنا.…؟”
سأل أدريان وهو يتفقد تعابير إليسا بحذر، وقد استشعر شؤمًا وشيكًا.
“ألم تقل أنكَ مصاب؟ قلت أنكَ تتألم لدرجة أنكَ ستموت.”
“…….”
“قلت أنكَ تتألم لدرجة أنكَ لا تستطيع حتى العودة إلى البحرية، مع أن منصبي الأدميرال ونائب الأدميرال شاغران وقد يحدث أي شيء. إذًا، أليس من المنطقي أن تتلقى العلاج أولًا؟ أليس هذا هو العقل؟”
“…….”
“ماذا؟ ألا تستطيع الدخول؟”
حتى لو كان له عشرة أفواه، لما وجد ما يقوله.
وكلما واصلت إليسا كلامها، ازداد وجه أدريان شحوبًا.
إن لم يدخل، فسيكون قد خدع إليسا. وإن دخل، فحين يثبت أن جسده سليمٌ تمامًا، سيكون قد خدعها مرةً أخرى.
وفوق ذلك، إن انكشف أنه بخير، فقد يُكشف أيضًا أنه تعمّد تلقي الضرب من قِبل عصابة قطاع الطرق.
وبينما كان أدريان المرتعب يتردد أمام الباب، لا يجرؤ على الحركة. ما إن رأى إليسا ترفع عينيها الذهبيتين بحدة، حتى لم يبقَ أمامه سوى خيار واحد.
و كالثور الذي يُساق إلى المسلخ، خطا أخيرًا درجات السلم الخشبي بخطى لا تكاد تنفصل عن الأرض.
رائحة الأعشاب اللاذعة جعلت برايان يقطب حاجبيه فورًا.
و في الداخل كان يجلس رجلٌ عجوز متصلب الملامح.
“لستم طلاب الأكاديمية العسكرية، ولا من فرسان القصر الملكي، ووجوهٌ لم أرها من قبل في العاصمة. فما الذي جاء بكم؟”
صوت العجوز خرج أجشاً ثم أجابت عليه إليسا.
“نحن خريجو الأكاديمية العسكرية. يبدو أنَ لم تتعرف علينا لأن وقتًا قد مضى على تخرجنا.”
حدق العجوز في وجه إليسا طويلًا، ثم فتح فمه مبتسمًا.
“مستحيلٌ أن أنساكِ. لأنني لم أرَ بعد شخصًا يتدرب مثلكِ ويعود مصابًا بهذا القدر.”
ما إن قيل ذلك حتى ردّ أدريان فورًا.
“كنتِ تُصابين بهذا القدر؟ كيف؟ ولماذا؟”
“هذا لا يعنيكَ. أرِه موضع الإصابة.”
أمام توبيخ إليسا الحاد، ارتسم على وجه أدريان تعبيرٌ غير راضٍ، لكنه اضطر في النهاية إلى أن يُري الطبيب ذراعه التي أصابها سيف أحد قطاع الطرق.
نقر الطبيب بلسانه وهو يضع الأعشاب الطبية فوق جرح السيف مباشرة تقريبًا، ثم لفّه بالضماد.
“الجرح ليس عميقًا، لكن عليكَ الحذر من الالتهاب. لقد طُعنت بسيفٍ لم يُعتنَ به جيدًا.”
“وأماكن أخرى؟”
“مرّ وقتٌ طويلٌ بالفعل، لا بأس.”
“إذًا، كل هذه الضجة لأن ذراعكَ خُدشت قليلًا، وتقول أنكَ لا تستطيع حتى مغادرة العاصمة؟”
أمام كلمات إليسا القاسية، بدأ أدريان على مضض بفك أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر. و كشفت الجروح التي أُصيبت في الشمال عن نفسها.
عند بطنه كانت لا تزال كدماتٍ داكنة تميل إلى السواد، لم تختفِ بعد. ناهيك عن عدد آثار السيوف المتبقية.
حتى إليسا، التي طلبت منه أن يخلع، صُدمت.
بهذا الجسد جاء إلى هنا؟ وخاض قتالًا بالسيوف مع عصابةٍ من قطاع الطرق؟
“أين كنتَ تتدحرج بهذه القسوة حتى عدتَ على هذا الحال؟”
ولم يكونا إليسا وبرايان وحدهما من فوجئ.
“معظمها شُفي. لم يكن هناك عائقٌ في الحركة.”
“شُفي؟ إن كان هذا ما يبدو عليه بعد الالتئام، فكيف كان حاله في البداية أصلًا؟”
“…….”
“أن تُصاب بهذا القدر، ثم تأتي بجسدٍ لم يلتئم أصلًا وتحمل جروحًا جديدة، أهذا معقول؟ كأنكَ تطلب الموت بنفسكَ.”
قال الطبيب ذلك وهو يُخرج كميةً كبيرة من الأعشاب من حقيبته.
“على الأقل، خذ قسطًا من الراحة لعدة أيامٍ واغلِ هذه الأدوية واشربها. لمجرد أنكَ ما زلت شابًا لا يعني أن تعبث بجسدكَ هكذا.”
“شكرًا لكَ.”
حتى بعد خروجهما من العيادة، كان وجه إليسا جادًا للغاية.
أدركت إليسا أنها كانت تفكر بلا وعيٍ أن دوق أوبرون لن يؤذي أدريان أوبرون بصدق. ولم يكن ذلك غريبًا، فأدريان أوبرون كان ابنه الشرعي الوحيد و وريثه.
لكن، لماذا؟ ولماذا إذًا؟
ما الذي كان يمثله الشمال بالنسبة لأدريان أوبرون؟
امتلأ عقل إليسا من جديدٍ بأفكار عن أدريان أوبرون.
وماذا ستفعل به الآن؟ بعد أن رأت جسده، لم تستطع أن تحثه على الإسراع. لكنها أيضًا لم تكن تستطيع أن تترك البحرية فارغة.
“أنت، ابقَ هنا بضعة أيامٍ ثم عد.”
“ماذا؟ لا! مستحيل!”
كانت كلماتها نابعةً من مراعاةٍ له، لكن الرد جاء على هذا النحو. فضاقت ملامح إليسا وهي تنظر إلى أدريان الذي لم يكتفِ بالاشمئزاز، بل بدا وكأنه فُزع.
“استرح في العاصمة مع برايان لبضعة أيام، واستعد عافيتكَ، وسأسبقكَ أنا إلى البحرية.”
“أستطيع الذهاب. أستطيع التحرك بما يكفي للعودة إلى البحرية. لقد جئتُ حتى الآن دون مشكلةٍ أصلًا.”
كان الطريق من دوقية أوبرون إلى روسيريكا بالنسبة لأدريان فرصةً لا تُعوّض ليكون مع إليسا.
بعد أن جاءت معه حتى هنا، أتطلب منه الآن أن يذهب وحده؟ ذلك ما لم يرده. لم يكن هناك ما هو أكثر ظلمًا من هذا.
كان أدريان يعرف جيدًا أنه لولا هذه الظروف الاستثنائية، لما جلست معه إليسا كل هذا الوقت وجهًا لوجه في مكانٍ واحد.
لذلك، لم يكن قادرًا على تفويت هذه الفرصة. لكن في نظر إليسا، التي لم تكن تعلم بذلك، لم يكن سلوك أدريان سوى عنادٍ بلا جدوى.
وبينما كانا يدوران في حواراتٍ لا نهاية لها داخل العربة، فجأة عمّ الاضطراب والضجيج في الخارج.
فتح برايان النافذة، فظهر فرسان الحرس الملكي وهم يمرون في الطريق. و تنحّى الناس الذين كانوا يسيرون، وانحنوا بعدما أفسحوا المجال لخيولهم البيضاء.
لماذا يظهر الحرس الملكي فجأةً في مكانٍ كهذا؟
لا تقل لي….
وسرعان ما تحوّل ذلك القلق إلى حقيقة.
تقدم الفرسان مباشرةً نحو العربة التي تقل إليسا وأدريان. ثم طُرق باب العربة، ومع الصوت سُمِعَ صوتٌ منخفض.
“حضرة الأدميرال، حضرة نائب الأدميرال، تفضلا بالنزول. هذه رسالةٌ من جلالة الملكة.”
______________________
اوه شكل إينوك امداه يعلمها
زين جو قبل يتهاوشون ادريان واليسا بالغلط كنت حاسه بتشب مره ثانيه وتنزل اليسا تركب عصان وتقول ها سو الي تبي وش دخلني اصلا سري بس
المهم من اول طيب يا ادريان تبيها ترحمك؟ ورها جروحك ذي وقلها بعد ان ذي مب اول مره😏
يمكن عاد تحن وتضمه بس ذي بعيده😘
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 66"