هذه المرة أيضًا كان دافعها اندفاعيًا، فضولًا خالصًا.
أدريان أوبرون، يمنح الرحمة؟ بل ويمنحها لقطاع طرقٍ لا قيمة لهم، لمجرد أنهم خدشوا جسده بمهارةٍ تافهة؟
أنزل أدريان بصره إلى سيفه لحظة، ثم أطلق إجابةً لم تكن لتخطر ببالها أبدًا.
“لأنني ظننتُ أنكِ لن ترغبي بذلك.”
فارتبكت إليسا قليلًا عند جواب أدريان.
“ولِمَ أنا؟”
في تلك اللحظة لم يكن أمامها إلا أن تتلقى كلامه بشيءٍ من الفتور.
“لأنهم هناك في روسيريكا أيضًا.”
“…….”
“أشخاصٌ عاشوا عمرهم كله صيادين عاديين، ثم انتهى بهم الأمر قراصنة. لذلك، قد يكون هؤلاء أيضًا في يومٍ ما مجرد مزارعين بسطاء. كما تحوّل صيادو روسيريكا إلى قراصنةٍ بعد أن نُهبت حياتهم مرارًا.”
تصلّبت إليسا في مكانها. لقد كان أدريان أوبرون يعلم بكل شيء.
ظلّ يراقب ملامحها المتجمّدة بعناية، ثم تردّد قليلًا قبل أن يفتح فمه.
“هل تريدين أن أطلق سراحهم جميعًا؟”
لم يكن في وجه أدريان أي ظلمٍ أو تساؤل. كان يتحدث حقًا وكأنه مستعدٌ لفعل ذلك إن أرادت هي. وكأن كلامها وحده هو الأمر المطلق.
لكن ما كان مهمًا لإليسا لم يكن موقف أدريان هذا.
كيف؟ كيف يمكن أن يكون هذا ممكنًا؟
لم يكن أحدٌ يعلم. حتى شولتز توغراهن نفسه لم يفهم لماذا لم يكن أمامها خيارٌ سوى أن تحب روسيريكا إلا بعد أن سمع حكايات بحر روسيريكا كلها.
لكن أدريان لم يكن كذلك. كان يفهم كل شيء. والأدهى أن إليسا لم تحكِ لأدريان قط، ولو مرةً واحدة، عن سكان روسيريكا أمامه.
لم يكن أدريان أوبرون بحاجةٍ لمعرفة ذلك. كيف كانت روسيريكا قبل توليها المنصب، وكيف أحبّت روسيريكا، وأي شعورٍ بالواجب كانت تحمله، فهل يحتاج ابن دوق الشمال العظيم إلى معرفة كل هذا؟
إذاً، كيف عرف قصةً لم تحكها له قط؟
كان يعرف بحرها كما لو أنه ينظر إلى كفّ يده. لماذا؟
وحين طال صمت إليسا واكتفت بالتحديق فيه، عضّ أدريان على شفتيه وقد بدأ القلق يتسلل إليه.
“هم؟ إليسا، سأفعل كل ما تقولينه.”
انساب صوتٌ بدا بين شفتيه الحمراوين وكأنه متوسل. وعندها فقط خرجت إليسا من شرودها وأجابت بحزم.
“الحكم عليهم ليس من شأني.”
“…….”
“سيتولى ذلك حرس القصر الملكي الموقرون.”
لم يكن أدريان أول من تفاعل مع كلمات إليسا، بل برايان.
عند سماعه كلمة القصر الملكي، رفع برايان رأسه فجأة من مكانه حيث كان جالسًا على الأرض.
“القصر الملكي؟”
كان الطريق المنحدر المملّ يهز العربة بعنفٍ حتى أن الجلوس فيها كان يكفي لتكوين مسامير في المؤخرة. ناهيك عن قطّاع الطرق الذين ظهروا في أماكن لا تصل إليها يد حرس العاصمة.
وفوق كل ذلك، كان برايان يرغب بشدةٍ في غسل جسده المغطى بالغبار. لا ذلك الاغتسال المرتعش السريع في ماء وادٍ جليدي، بل أن يغمر جسده بماءٍ دافئ ويسترخي.
ولو سمع أدريان أو إليسا صوته الداخلي، لكانا سخرَا منه قائلين أن أبناء النبلاء المدللين مختلفون فعلًا، لذلك لم يجرؤ على التفوه بكلمة.
وفي خضم ذلك، بدت كلمة القصر الملكي كواحةٍ عُثر عليها وسط الصحراء.
“من هنا تبدأ العاصمة.”
مع كلمات إليسا القاطعة، نهض برايان قافزًا.
المشهد المنحدر تحت الجبل لم يعد غابةً كثيفة ولا شجيرات. بل ظهرت طرقٌ مرصوفة بعناية، مبانٍ ومتاجر متلاصقة، وفي مركزها قلعةٌ ذهبية ضخمة.
من الواضح لأي ناظر أنها عاصمة سيفيا، بيرينكا.
***
“أخيرًا!”
ما إن سمع أنه وطئ حدود العاصمة، حتى بدأ برايان يقفز فرحًا، وكأنه نسي تمامًا تهديد قطّاع الطرق قبل قليل.
و نظرت إليه إليسا بدهشة، ثم فتحت فمها.
“….هل كنتَ تكره التخييم إلى هذا الحد؟”
فانفجر برايان بالكلام فورًا.
“لم أكن أعلم أن التخييم قد يكون رطبًا ومقرفًا إلى هذا الحد، وفوق ذلك لا يمكن حتى الاغتسال بماءٍ دافئ. أريد فقط أن أصل إلى العاصمة بسرعةٍ و….”
ظل يتمتم هكذا، ثم التقت عيناه بعيني إليسا التي كانت تنظر إليه باستغراب. و أدرك زلته.
تسلل إليه القلق فجأةً من أن تراه ضعيفًا بسبب أمرٍ تافهٍ كهذا، فتمنعه من الانضمام إلى البحرية. لكن على عكس مخاوفه، انفجرت إليسا بالضحك فحسب.
في البداية شعر بالارتياح معتقدًا أنه على الأقل لن يُطرد، لكن مع استمرارها في الضحك وهي تنظر إليه، بدأ يشعر ببعض الحرج.
و لم يستطع الاستمرار في النظر، فحوّل رأسه، وبمحض الصدفة وقع بصره على أدريان.
حينها فقط رأى كيف كان أدريان ينظر إلى إليسا.
كان أدريان يميل برأسه إلى الخلف وهو يحدّق في إليسا التي تضحك بصوتٍ عالٍ، بعينين متلألئتين، بنظرة من يعرف أكثر من أي أحدٍ أن الفرص التي يستطيع فيها النظر إليها مطمئنًا هكذا ليست كثيرة.
وحين تتبع نظر أدريان نحو إليسا، بدت فعلًا وكأنها شخصٌ استثنائي.
شعرها المتمايل مع النسيم، و قطرات العرق المنسابة على جبينها الأبيض، و عينان مقوّستان كالهلال فوق وجنتين محمرّتين. كأنها وحدها في هذا العالم هي الجميلة إلى هذا الحد.
كان أدريان أوبرون ينظر إلى إليسا بتلك النظرة.
***
سلّمَا إليسا وأدريان قطاع الطرق إلى حرس القصر الملكي.
و تفاجأ قائد الحرس. فالعصابة التي كانت صداعًا مزمنًا لهم طوال سنوات، دخلت إلى مقر الحرس من تلقاء نفسها.
أولئك الذين عُرفوا بأنهم من أصولٍ زراعية محروقة، كانت مهاراتهم في السيف رديئة، لكنهم كانوا أبرع من غيرهم في قراءة تضاريس الجبال. كلما أوشكوا على الوقوع، استغلوا الجغرافيا وفرّوا كالفئران، ووقع الحرس في فِخاخهم مراتٍ لا تُحصى.
لكنهم جاؤوا بأنفسهم؟
لاحظ قائد الحرس بعد لحظة أن الحبال كانت ملتفةً بإحكامٍ حول أيديهم. وخلفهم، كانت تقف شخصياتٌ رفيعة لم تخطر له على بال.
قائد فرسان الشمال، وأدميرال البحرية الجنوبية. لا، بل لم يعد قائد فرسان الشمال، أليس الآن نائب أدميرال البحرية؟
“القبض على عصابة اللصوص هو من إنجازكَ أيها القائد. هل تفهم ما أعنيه؟”
“لـ، لماذا يُنسب هذا الفضل إليّ….”
“تسك، لم تفهم شيئًا.”
وحين قالت ذلك ونقرت بلسانها، تقدّم أدريان.
“لا تُخبر أحدًا بأننا كنا هنا. مفهوم؟”
عندها فقط استعاد قائد الحرس وعيه.
لم يكن يعلم ما الذي يجري، لكن أدميرال البحرية ونائبها قد غادرا معًا. ولو شاع هذا الخبر، فقد تنشط عصابات القراصنة.
“نعم، نعم! فهمت ما تقصدان.”
وبعد أن تركا تلك الكلمات خلفهما، خرجا إليسا و أدريان من مقر حرس العاصمة. و استأجرا عربةً جديدة وعبروا العاصمة.
كان برايان، الذي لا يعلم شيئًا، مفعمًا بالحماس وهو يتفرج على الناس الذين يتنقلون بانشغالٍ في الأسواق. فبعلاقات أدريان أو إليسا، كان بإمكانهم المبيت ليلةً في قصر أحد النبلاء بسهولة.
بل إن وجود أحدهما وحده كافٍ للعيش في العاصمة ثلاثة أشهرٍ دون قطعة نقد واحدة.
يمكنه الاستحمام، وتلقي الخدمة، وتناول خبزٍ أبيض طريٍ خرج للتو من الفرن.
وهل سيتناول الخبز الأبيض فحسب؟ بل كان ستُقدَّم له مأدبةً كاملة.
وبينما كان برايان يفرح في داخله، جاءه الصوت.
“سنعبر العاصمة مباشرةً عبر شارع 5. يمكننا الخروج من بوابة المدينة قبل حلول الليل.”
و سحق أدريان كل تلك الآمال بلا رحمة.
أصيب برايان بالإحباط. لكنه لم يستطع إظهار ذلك. فعلى عكسه، ذلك المتسكع الذي يعيش بلا هم، كان لإليسا وأدريان ظروفٌ مختلفة.
حتى لو وُلد وهو يحمل نصف دم دوق أوبرون، فإن مكانته لم تكن كمكانتهما. لم يكن بوسعه الاعتراض على قراراتهما. بل يمكن القول أنهما راعيا راحته بما فيه الكفاية حتى الآن.
لذلك افترض برايان بطبيعة الحال أن إليسا تشاطره الرأي. وفوق ذلك، أليست هي أدميرال البحرية؟ ليست في موقعٍ يسمح لها بترك وحدتها بسهولة.
لكن من فم إليسا خرجت جملةٌ غير متوقعة.
“سنغادر فورًا دون البقاء في العاصمة؟”
____________________
ليه؟ احسبها تبي تطق قبل يمسكهم احد منا ولا منا
او يارب تقول لأدريان هيا نعالج جرحك؟ لأن ماظني سوا فيه شي للحين الغبي😭
المهم يوم قال خليت القراصنه عشانس😔 ورعي مهتم بكل تفاصيلها بس مسكين
والصدق عاجبني تعذيب إليسا له بس لايطول يعني قد قلتها قبل نعدي 100 باليز
التعليقات لهذا الفصل " 64"