هوى قاطع الطريق بالفأس على مقعد العربة وشدّ برايان بعنفٍ إلى الخارج.
“توقفوا جميعًا. وإلا سيموت هذا الوغد!”
سيدٌ شاب تُرك وحده داخل عربةٍ مصنوعةٍ بوضوح من موادّ فاخرة ولا يقاتل حتى النهاية؟ من يراه يدرك فورًا أن هذين المبارزين مجرد مرتزقةٍ استُؤجروا لحماية هذا الشاب!
لم يكن في وسع ذلك اللص، الذي عاش عمره جائعًا حتى صار قاطع طريق، أن يلاحظ أن كل ما ترتديه إليسا وأدريان أغلى جودةٍ مما يملكه برايان.
لذا، إن أمسك ببرايان رهينة، فسيتحركان حتمًا، أليس كذلك؟
لكن المرتزق الرجل الذي كان يهاجم اللصوص بزخم مرعبٍ لم يرمش له جفن عند سماع تهديده. و نظر بلا مبالاة إلى الشاب الممسوك رهينة، ثم قال بلا اكتراث.
“اقتله أو اتركه حيًا، افعل ما تشاء.”
في نظر برايان بدا كأنه أفظع قاتلٍ في العالم، لكن في عيني أدريان كان كل شيءٍ واضحًا. ذلك اللص لم يطعن إنسانًا قط.
كان يلوّح بالفأس مهددًا، لكن اليد الممسكة به كانت ترتجف بشدة. وعيناه المتحركتان بلا توقف كانتا مملوءتين بالحيرة، وكأنه لا يعرف ماذا يفعل أصلًا.
لذا، في النهاية، لم يكن ذلك اللص قادرًا على قتل إنسان. برايان وحده، الذي لا يعرف شيئًا، كان يرتجف من الخوف.
وإليسا، التي رأت المشهد كله، أطلقت زفرة.
“إن لم تُبعده، فسأضطر أنا لفعلها.”
“اتركيه. قال أنه يريد أن يصبح بحّارًا، إذاً عليه أن يتصرف بهذا القدر على الأقل.”
نظرت إليسا بطرف عينها لتتأكد من حالة برايان.
كل ما جربه برايان حتى الآن لم يتعدَّ المبارزات التدريبية. وحتى تلك كانت مع أشخاصٍ يعرفون أنه الابن غير الشرعي لدوق أوبرون، ولا يريدون أن يغضبوا الدوق، فكانوا يلوّحون بسيوفهم متساهلين.
بطبيعة الحال، لم يواجه برايان قط شخصًا يريد حقًا قتله. لم يتعرض قط لضربة سيفٍ على المحكّ الحقيقي للحياة.
فكيف له أن يقرأ نية القتل؟ بينما لا توجد في عيني ذلك اللص حتى ذرةٌ واحدة منها.
شقّت إليسا طريقها بخفةٍ بين اللصوص الذين اعترضوا طريقها وتقدمت نحو برايان.
لو كان معها مسدس، لانتهى كل شيءٍ منذ زمن.
‘فعلًا، السيف مزعجٌ جدًا.’
شعر أدريان باختفاء حرارة جسد إليسا التي كانت خلفه. وبدل الهواء الساخن الذي ملأ المسافة بينهما، تسللت رائحة الغابة الغريبة.
فقطّب أدريان حاجبيه قليلًا.
“آه، إن لم تأتِ فسأطعنه فعلًا. سـ، سأقتله حقًا.”
تمتم اللص الصغير الذي كان يمسك بحياة برايان بصوتٍ مرتجف.
كان يتخذ وجهًا باكيًا كأنه هو من سيتلقى الطعنة، ودفع نصل السيف الخشن إلى عنق برايان. ورفع جسد الرهينة الذي كان ينزلق بفعل العرق المتصبب.
فدخل نصل الفأس الخشن إلى مجال رؤية برايان. لو ضُرب بذلك النصل غير الحاد، فلن يموت حتى موتًا نظيفًا.
بدا أن أخاه لا ينوي إنقاذه، ولم تكن إليسا ظاهرةً في أي مكان.
حتى أخوه الذي يشترك معه في الدم قد رماه جانبًا، فكيف ستنقذه إليسا؟
ثم دار رأسه. لكن حين تماسك قليلًا، بدا له بوضوحٍ أن حركات اللصوص، مقارنةً بحركات إليسا وأدريان، بطيئةٌ ومرتخية على نحوٍ غريب.
فأدرك برايان أن لديه فرصةً واحدة فقط. وعندما رفع اللص فأسه عاليًا ليضربه، دفع برايان جذع جسده بقدمه.
أو هكذا حاول. لكن اللص تفادى قدم برايان انعكاسيًا، ففقد برايان توازنه وسقط سقوطًا بائسًا.
“أيها الوغد!”
حين أدرك اللص أنه كاد يُضرب من الأسير الذي أمسك به، جنّ جنونه، واندفع نحو برايان بجدية حقيقية. ومع تسارع حركته بدافع الغضب، اعتقد برايان أنه سيموت حقًا، فأغمض عينيه بإحكام.
لكن مهما انتظر، لم يشعر بالألم. وبدلًا من ذلك، سمع صوت معدنٍ يرتطم بالأرض.
“أوخ.”
وحين أطلق الصوت الذي كان يهدده قبل لحظاتٍ صرخة ألم، فتح برايان عينيه ببطء. و كانت خصلات الشعر الأحمر المربوطة عاليًا تتمايل أمام عينيه كسراب.
“قلتُ أني قادمة، قادمة. كل تبجحكَ كان واضحًا. لم تطعن أحدًا في حياتكَ، أليس كذلك؟”
كان جسد اللص الضخم قد خضع تمامًا لإليسا.
وحين أدرك اللصوص فجأةً أن من كانوا يحمونه لم يكن إليسا بل برايان، تراجعوا عن أدريان، وأحاطوا ببرايان وإليسا مهددين.
“هناك! اسحقوا ذاك الجانب أولًا!”
ورغم تلقيها هجومًا مركزًا، واصلت إليسا صدّ ضرباتهم بل ودفعتهم للخلف، دون أن يظهر عليها أي تعب. ولم يكن ذلك غريبًا، فمستواهم كان سيئًا إلى حدٍ مثيرٍ للشفقة.
ما إن لاحظ أدريان أن عدد اللصوص الذين يهاجمونه قد قلّ، حتى تفقد مكان إليسا غريزيًا. وحين رأى إليسا تقاتل وهي تحمي برايان كحارسٍ شخصي، ارتفعت حاجبا أدريان.
لم يعجبه الأمر. كل شيءٍ كان يزعجه. بدا وكأن هذين الاثنين فريقٌ واحد.
اللحظة التي كان ينسجم فيها مع إليسا قبل قليلٍ تبخرت كالرمل من بين الأصابع. وكأنها لم تكن أصلًا، و ها هي إليسا تقف الآن إلى جانب برايان، تاركةً أدريان خلفها.
أزعجه برايان الملتصق تمامًا بجانب إليسا. المسافة بينهما، وشعرها الذي يلامس كتفه كلما تحركت، وأصابعها البيضاء الطويلة التي تمسك به بإحكام.
لماذا. كيف.
ثم تذكّر أدريان سبب ذهاب إليسا إلى برايان. كان بسيطًا للغاية. لأن برايان نورث أصبح في خطر.
فمرّ افتراضٌ واحد في ذهن أدريان. لو كنتُ أنا في خطر، هل كانت ستأتي إليّ؟
في اللحظة التي خطرت فيها تلك الفكرة في رأسه، لم يستطع أدريان مقاومة الإغراء.
لم يتوقف عن التفكير في أن نظرة إليسا الملتصقة ببرايان وهي تؤمّنه، وعُقَل أصابعها المشدودة وهي تقبض على السيف، والمسار الجميل الذي يرسمه طرف نصلها، كل ذلك كان قبل قليلٍ فقط ملكًا له وحده.
بدا له وكأن كل شيءٍ قد سُلب منه. و أراد أن ينتزعه مجددًا ويعيده إلى جانبه.
وبالطبع، إذا دققنا، فإن أدريان أوبرون لم يكن قد امتلك يومًا أي شيءً يخص إليسا أصلًا. ومع ذلك، كانت تلك الأفكار المبعثرة التي تملأ رأسه كافيةً تمامًا لإشعال اندفاعٍ أعمى في داخله.
في تلك اللحظة، رفع زعيم قطاع الطرق سيفه عاليًا. و تعمد أدريان أن يراقب حركة السيف البطيئة دون أن يتحرك.
ثم مرّ نصل سيف زعيم قطّاع الطرق على ذراع أدريان اليسرى وشقّه. و تعالت هتافات قطّاع الطرق.
“أسقطه الزعيم!”
“الآن! هاجموا!”
عندها فقط، اتجهت نظرة إليسا نحو أدريان لوهلةٍ قصيرة جدًا.
‘هذا مستحيل.’
أول ما خطر في بال إليسا عند سماع هتافات قطاع الطرق كان الشك.
لم يكن من الممكن أن يُصاب أدريان أوبرون على يد مجرد قطّاع طرق. لكن عندما التفتت، رأت أدريان ينزف والدم يقطر من ذراعه، بينما كان أحد قطاع الطرق ينظر إليه بوجهٍ متباهٍ.
فنظرت إليسا إلى أدريان بنظرةٍ تقول بوضوح: ماذا تفعل الآن؟
ومع ذلك، ورغم قطرات الدم التي تسيل على ذراعه اليسرى، لم تفعل أكثر من رفع حاجبها، ولم تندفع نحوه.
كان ذلك طبيعيًا. لو فكّر قليلًا، لما تصرّف بغباء في أمرٍ كانت نتيجته واضحةً إلى هذا الحد. فبرايان نورث وأدريان أوبرون ليسا واحدًا.
بعكس ما فعلته حين ركضت نحو برايان، لم تُبدِ إليسا أمام دم أدريان سوى نظرةٍ متسائلة لا أكثر. لم تخطُ خطوةً واحدةً نحوه حتى.
كان يعرف أنها لن تمنحه تلك النظرة المليئة بالقلق والعاطفة. ولم يكن يحق له أصلًا أن يتوقع شيئًا كهذا.
كان أمرًا بديهيًا. كان يعرف ذلك. ومع ذلك، اندفع شيءٌ ما في صدره بعنفٍ وكأنه يفيض.
لماذا أنا.
‘لماذا أنا وحدي.’
عجز عن كبح غضبه التائه، فبدأ يلوّح بسيفه نحو قطاع الطرق. وسقطوا واحدًا تلو الآخر، يصرخون ويتدحرجون على الأرض.
ورغم إصابته، ازداد هجوم أدريان شراسةً ووحشية، حتى دبّ الرعب في صفوف قطاع الطرق وولّوا هاربين.
عندها فقط، سحبت إليسا نظرها عنه تمامًا.
“كان عليكَ أن تفعل ذلك من البداية. كل هذا الضجيج من أجل لا شيء.”
تمتمت بذلك وهي تُسقط قطاع الطرق الذين اقتربوا منها ومن برايان بالسرعة نفسها تقريبًا التي كان يتحرك بها أدريان.
وحين بدأ أدريان بجديةٍ في إسقاط كل خصمٍ يقف أمامه، لم يمضِ وقتٌ طويل حتى انتهى كل شيء.
وفي النهاية، أُلقي القبض على جميع قطاع الطرق في جبال هيزن، الذين كانوا يُعرفون بأنهم حراسٌ على الطريق المؤدي إلى العاصمة، بعدما عجزوا تمامًا عن مجابهة هذين الاثنين.
_______________________
أدريان كانت حركته حلوه بس الحين اوتش تفشل قدامها بدل تجي له ركض
وبرايان من يوم ركب معهم وهو بس يخلي ادريان يكرهه زود 😭
التعليقات لهذا الفصل " 62"