أدرك أدريان في لحظةٍ خاطفة أن شيئًا ما قد تغيّر. وبحسٍّ حاد.
كان واضحًا أن إليسا، التي كان دفؤها يختلط بدفء صدره على نحوٍ مثالي، قد تصلّبت فجأة.
“إليسا.…؟”
وحين لاحظ أدريان تدهور حالتها المفاجئ، حاول جاهدًا أن يلتقي بعيني إليسا داخل حضنه.
لكن إليسا أفلتت من بين ذراعيه قبل أن يتمكن حتى من تفحّصها، فاندفع أدريان إلى الخلف بفعل دفعتها.
ثم عضّ أدريان على شفتيه بقوة.
بالتأكيد، كان هناك شيءٌ قد مرّ بينهما لبرهة قصيرة جدًا. ذلك الإحساس القشعريري الخاطف لم يكن من الممكن أن يشعر به وحده.
‘إليسا أيضًا، لا بد أنها….’
تمامًا كما في تلك اللحظات القديمة، أيام الأكاديمية، حين أمسك بيدها للمرة الأولى، وحين احتضنها من الخلف ليصحح وضعية إمساكها بالسيف، وحين قبّل طرف نصلها.
الجو نفسه، الإحساس ذاته، جرى بينهما من جديد.
لم يكن سوى لحظةٍ عابرة، لكن أدريان لم يخطئها، ولم يلتبس عليه الأمر.
فلماذا تغيّر كل شيءٍ فجأة؟
ما انعكس في عينيها الذهبيتين كان خوفًا. فشدّ أدريان على شفتيه.
‘ماذا فعلتُ خطأً مرة أخرى؟ ماذا فعلتُ؟’
وفي تلك اللحظة، امتلأت عينا إليسا الذهبيتان، اللتان كانتا مشوشتين حتى الآن، بالغضب.
ودون أن تترك له مجالًا للتصرف، رمت الضماد الذي كان في يدها مباشرةً في وجه أدريان.
أغلق أدريان عينيه غريزيًا. بينما تدحرج الضماد الأبيض على الأرض، وتلطخ بالطين اللزج.
لا يوجد ماضٍ نظيف. القلب الذي كان أبيضَ يومًا ما قد تلطخ منذ زمن. لم يبقَ بينهما شيءٌ نقي أو طاهر.
في النهاية، كان كل شيءٍ سيؤول إلى هذا.
“لا تلمس جسدي مرةً أخرى دون إذني.”
“…….”
“في المرة القادمة، سأقطع جسدكَ فعلًا.”
استدارت إليسا ومضت. وبعد قليل، قطع أدريان الضماد المتسخ وعالج جراحه وحده.
إذًا، كان كل ذلك مجرد تلاعب.
‘خُدعتُ مرة أخرى.’
مرة أخرى، كانت لعبةً في راحة يد أدريان.
فارتجف جسد إليسا من شدة الإهانة.
***
نشرت إليسا كيس النوم بعنف، كأنها تمزقه تمزيقًا، وأقامت المخيم قرب العربة.
كان أدريان يجهز الطعام، فرأى ظهرها من بعيد، وتنهد بعمق.
‘لماذا لا تفهمين؟ لماذا أنت وحدكِ من لا يعرف؟ أنتِ شعرتِ بذلك أيضًا. لم أكن وحدي من شعر بتلك الرعشة.’
متى، متى يمكننا العودة إلى ما كنا عليه؟
متى نستطيع العودة إلى ما قبل انتشار تلك الشائعات البشعة؟
حتى لو للحظةٍ واحدة فقط. حتى مرةً واحدة لا غير. تمنى أن تستحضر إليسا تلك الأيام.
أن تتذكر أن أيام الأكاديمية لم تكن كلها ذكرياتٍ مرعبة. أن ما فعله بها لم يكن كل شيء. كل الوعود التي قطعها لها. لمرةٍ واحدة فقط، كان يتمنى أن تتذكره مرةً واحدة.
شعر أدريان أوبرون أنه لن يطلب شيئًا أكثر من ذلك.
لكن حين رأى إليسا تغسل بعنفٍ المواضع التي لمسها قبل قليل، مستخدمةً الماء الذي جلبته، أدرك كم كان ذلك الأمل بعيدًا، وكم كان تمنّيه وقحًا. فابتلع زفرةً طويلة.
ظلت إليسا تفرك جلدها حتى احمرّ، حتى رأت أخيرًا أثر دمٍ خفيف على ظهر يدها. عندها اندفع شيءٌ ما في صدره فجأة.
‘أكان لا بد من إيذاء نفسكِ إلى هذا الحد؟’
لم يعد أدريان قادرًا على الاحتمال، فمدّ يده ليمسك بها.
لكن قبل أن تصل يده، كانت إليسا قد تفادته. فانقلب دلو الماء الذي جلبته، وانسكب كله، ليصبحا كلاهما كفأرين مبتلّين.
“إليسا، لا تؤذي جسدكِ. اضربيني بدلًا من ذلك إن شئتِ.”
وقبل أن يتمّ كلماته، دوّى صوت “صفعة”، والتفت رأس أدريان جانبًا.
“ماذا؟ ظننتَ أنني لن أستطيع ضربكَ؟”
“…….”
“أما زلتَ تراني تلك الطفلة التي ترتجف ولا تقدر حتى على هذا؟”
تجعد حاجبا أدريان، وانفلت منه أنينٌ مكبوت، كأنه يبتلع تأوهًا.
“ولا مرة….فكرتُ بكِ هكذا.”
قال ذلك وكأنه مظلوم حقًا. فضحكت إليسا بسخريةٍ قصيرة.
“أدريان أوبرون، فكّر قليلًا. لو كنتَ مكاني، هل كنتَ ستصدق هذا الكلام؟”
“…….”
“أجبني.”
“…….”
‘انظر.’
إليسا شوتر تملك كل الحق في كراهية أدريان أوبرون. لديها من الأسباب ما يكفي لتكرهه بلا حدود.
ولا يحق له ألا يعرف ذلك. ولا يحق له أن يمنعها. ولا يحق له أن يشعر بالظلم.
‘أليس كذلك، أدريان؟’
وبعد أن أيقظته على هذه الحقيقة، استدارت إليسا وتركته واقفًا مكانه، جامدًا كالصنم.
***
من بعيد، رأى برايان إليسا تعود غاضبةً وحدها، وخلفها أدريان يسير مترنحًا كفرخ بطةٍ مبتل، شارد الذهن، فطقطق لسانه بأسف.
كيف يمرّ يومٌ واحد دون أن يُبغَض فيه؟ وكيف يمكنه الزواج وهو على هذه الحال؟
للمرة الأولى، بدا لبرايان أن شقيقه الأكبر، الذي وُلد وهو يملك كل الثروة والمجد، مثيرًا للشفقة حقًا.
لكن برايان لم يرَ ما هو قادم. فسرعان ما أصبح أكثر شخصٍ مثيرٍ للشفقة هو برايان نفسه.
فطوال إعداد العشاء وتناوله، لم تُوجّه إليسا كلمةً واحدة إلى أدريان، لكنها سألت برايان بلطفٍ إن كان الطريق محتمَلًا، حتى أنها اطمأنت عليه.
“إن كانت هذه أول مرةٍ لكَ في التخييم، فربما لن يكون النوم سهلًا.”
قالت إليسا ذلك وهي تُبدي قلقًا لطيفًا عليه، وحين وصل الحديث إلى هذا الحد، شعر برايان وكأنه قد يُقتل بنظرات أدريان.
في كل مرة كانت إليسا تُوجّه فيها كلامها إلى برايان، كان أدريان يحدّق فيه بوحشيةٍ شديدة.
كان يتلقى نظراتٍ متوترة من الجانبين، حتى لم يعد يعرف إن كان الطعام يدخل فمه أم أنفه.
وفي النهاية، اضطر برايان إلى مغادرة المكان قبل أن يُكمل حصته.
لم يُصدّق برايان كلام إليسا. ظنّ أنه ما إن يدخل كيس النوم ويُغمض عينيه، فسينام مهما كان قاسيًا، فقد كان مرهقًا إلى هذا الحد، وجسده منهكًا.
لكن الحجارة تحت كيس النوم كانت تضغط عليه باستمرار، وبرودة غابة الليل والرطوبة المتشكّلة من الندى جعلت حتى مزاجه يبدو رطبًا كئيبًا.
كل شيءٍ كان لزجًا وغير مريح، وكأن العالم كله يتآمر عليه.
حاول جاهدًا أن ينام، لكنه فشل في النهاية وخرج إلى الخارج. و التي كانت تحرس النار وتقف نوبة السهر كانت إليسا.
“ماذا؟ لم يأتِكَ النوم؟”
قالت ذلك، ثم نظرت إليه وهزّت رأسها كأنها تفهم كل شيء.
تلك النظرة، وكل تصرّفاتها، جعلته يشعر وكأنها تعاملُه كمدللٍ نشأ في رفاهية، فغضب قليلًا وشعر بالظلم.
مع أن الذي وُلد وتربّى كوريثٍ للدوقية كان شقيقه أدريان، فإن إليسا كانت تكره أدريان، لكنها لم تعاملْه قط كمدلّل.
كانت تتقبّل بلا اكتراثٍ كونه يطبخ بيديه، أو يكتفي بمضغ اللحم المجفف بدل وجبةٍ حقيقية، أو يستعد للتخييم دون تذمّر، وكأن الأمر بديهي.
إليسا شوتر لم تُعامل أدريان أوبرون كابنٍ عزيز لعائلة الدوق الأكبر. فبالنسبة لها، كان فارسًا يمتلك مؤهلات قائد فرسان الشمال.
وحين فكّر برايان في الأمر، أدرك أن هذا صحيحٌ فعلًا. فإليسا شوتر قد تكره أدريان أوبرون حدّ القشعريرة، لكنها لم تحتقر مهارته. لم يسبق لها ولو مرةً واحدة أن امتنعت عن الاعتراف به كجندي، كفارس.
كانت تشتم سلوكه الأرستقراطي المتعجرف وتصفه بالقذر والمقرف، لكنها لم تقل يومًا أنه أصبح قائد فرسان الشمال فقط لأنه ابن دوق أوبرون.
إذا نظرنا إلى الأمر هكذا، فليس كأنه لا توجد أي إمكانية على الإطلاق، لكن ما طبيعة هذه العلاقة أصلًا؟
الأمر معقّد.
“لماذا أنتما هكذا أصلًا؟”
“لِمَ تريد أن تصبح في البحرية؟”
تحدّثا إليسا وبرايان في الوقت نفسه، وبسبب ذلك، وحين فهمت إليسا سؤال برايان متأخرةً لحظة، قطّبت حاجبيها بشدّة.
“اسأله هو، أدريان أوبرون. بالنظر إلى تصرّفاته هذه الأيام، يبدو أنه نسي تمامًا ما الذي اقترفته بنفسه.”
ثم أطبقت فمها، وكأنها لا تنوي الإجابة أكثر.
و كان تعبيرها مرعبًا لدرجة أن برايان سارع لتغيير الموضوع.
“لأنه لم يكن هناك أي طريقةٍ أخرى لمغادرة الشمال.”
“هذا، نفس سببي.”
“ماذا تقصدين؟”
“بعد التخرّج من الكلية العسكرية، تُفتح ثلاثة طرق. فرسان الإمبراطورية، فرسان الشمال، والبحرية الجنوبية. وابنةٌ غير شرعية لا يمكنها دخول فرسان الإمبراطورية.”
“لا تقولي أن.…”
“نعم. بطبيعة الحال، اختار أدريان أوبرون فرسان الشمال، ولتجنّب الشمال الذي يوجد فيه، لم يتبقَّ لي سوى أن أصبح ضمن البحرية.”
“.……”
“هل حصلت على جوابكَ الآن؟”
لم يستطع تخيّل أن أحدًا، مهما كان يكره أدريان أوبرون، قد يغيّر قرارًا يعلّق عليه مستقبله كله.
“تأكّد جيدًا من أن النار لن تنطفئ. فنوبة السهر التالية ستكون لأدريان أوبرون.”
لم تمضِ فترةٌ طويلة بعد دخول إليسا حتى خرج أدريان، قبل أن يوقظه برايان حتى. كان واضحًا جدًا أنه لم يكن نائمًا.
و لا بد أنه كان يشدّ كل أعصابه منذ أن شعر بوجودهما في الخارج.
“قل لي كل ما تحدثتَ به مع إليسا، حرفًا حرفًا دون أن تُسقط شيئًا.”
‘آه، لقد سئمتُ حقًا.’
تمنّى برايان من أعماق قلبه أن تنتهي هذه الرحلة التخييمية البائسة بأسرع وقتٍ ممكن.
____________________
بائسة لكم كلكم مب بس انت معليك
بس بخصوص كف إليسا لأدريان😭 والله حلوه
المهم ليته سمع إليسا وبرايان عشان يدري عن سوء فهمها ثم يصححه قبل الفصول 100 انت تستطيع ادريان قوه
التعليقات لهذا الفصل " 59"