كان في صوت الملكة المنهمر من فوق رأس إليسا مسحة غضبٍ خفيّة.
وحين التقطت إليسا تلك النبرة بسرعة، خفضت رأسها بأدب.
“إن ما أطلبه ليس سوى أمرٍ متواضع، وهو أن تمدّني جلالتكِ بالعون كي يتمكن خطيبي من الحفاظ على موقعه وريثًا لدوقية أوبرون.”
ورغم تضرّع إليسا، ظلت الملكة مطبقة الشفتين، تنظر إليها من الأعلا دون أن تنبس بكلمة.
“إن ما يعجز عنه مثلي ومثل خطيبي لقلة حيلتنا، هو عند جلالتكِ أسهل من رعاية هذا الشجيرة.”
“….…”
“أرجو أن تمنحي حكمتكِ لحماقتنا.”
بقيت الملكة تعقد ذراعيها وتنظر إلى إليسا.
‘فلنزن الأمر. من الأجدر خسارته؟ منجم هايلو أم إليسا شوتر.’
لم يكن ترجيح الكفة صعبًا.
فإن كسبت إليسا شوتر إلى صفّها، فإن دوق أوبرون المستقبلي سيكون بدوره في صفّها. بل لعلّه يصبح من يدعم سلطة ابنتها الملكية.
وحين حطّت إليسا من قدر نفسها إلى هذا الحد، أطلقت الملكة زفرة، وأظهرت ترددًا متعمّدًا وهي تتحدّث،
“حسنًا، سأفعل كما تقولين. سأعيد المنجم. لقد مضيتُ قدمًا في هذه الخطوبة السخيفة حتى لا أخسر موهبةً مثلكِ، ولا يعقل أن أعود الآن لأعاملكِ كخائنة. هل رضيتِ الآن؟”
“شكرًا جزيلًا، يا جلالة الملكة. لكن لي سؤالٌ أخير.”
“تفضّلي، لِنسمع.”
“هل اقترف خطيبي، لسببٍ ما، ذنبًا لا يُغتفر في حق جلالتكِ؟”
“حقًا، يصعب عليّ اليوم مجاراة أفكاركِ. ما الذي جعلكِ تظنين ذلك؟”
“هذا الزواج بالنسبة لي ارتقاء، لكنه بالنسبة لخطيبي انحدارٌ لا يتكرر. ومع ذلك، قال أنه سلّم لجلالتكِ حق استغلال المنجم من أجل هذا الزواج. حين سمعت ذلك، انتابني قلقٌ شديد.…”
“ها، إذاً إن لم يكن أدريان أوبرون خائنًا، فعليه أن يدفع ثمن خطوبته منكِ؟”
رغم أنها وعدت قبل لحظاتٍ بإعادة المنجم، ها هي تطالب بالمزيد.
شعرت الملكة بأن الأمر يبعث على الذهول. كانت تعرف جيدًا أنها استراتيجيةٌ بارع وجنديةٌ فذة. لكنها كانت تعرف أيضًا أصلها، ذاك الذي يفوق شهرتها.
ابنة عاهرة من روسيريكا. أو لعلها لم تكن عاهرة، بل امرأةً جميلة عاشت حياةً بائسة من عامة الشعب.
فكبرياء النبلاء لا يُصان إلا بجرح غيرهم.
وعلى أي حال، كان نصف الدم الذي يجري في عروقها دمًا عاميًا. ويبدو أن الملكة نفسها كانت أسيرةً لهذا التصور.
إليسا شوتر، ابنةٌ غير شرعية. شخصٌ لن يكون نبيلًا أبدًا. ومع ذلك، ها هي الآن تقود تفاوضًا في غاية النبل مع ملكة سيفيا نفسها.
جثت إليسا على ركبتيها فورًا، وانحنت بخصرها. و لم تأبه باتساخ أطراف بنطالها وأكمام زيّها البحري بتراب الحديقة.
“أعتذر بصدق. إنما سألتُ خوفًا من أن أكون مقبلةً على الزواج ممن سقط من نظر جلالتكِ، ولم يكن في قصدي أبدًا ما فهم على غير ذلك. ألتمس عفوكِ.”
يا لهذا الاعتذار المصقول ظاهرًا.
من ذا الذي يستطيع أن يخمّن مكانة هذه المرأة من أول وهلة؟
و من فوق رأس إليسا، انبثقت ضحكة الملكة الواهنة.
“انهضي.”
فنهضت إليسا بهدوء.
“نعم، يا جلالة الملكة.”
“لم أكن أعلم أن قائدة الأسطول بهذه الدرجة من الإمتاع. لو لم تحملي السلاح في ساحات القتال، لكنتِ دبلوماسيةً بارعة.”
“أخجلني قولكِ.”
“خطيبكً لم يسقط يومًا من عيني. ولهذا، لا بد أن أدفع ثمن هذا الزواج.”
“أشكركِ. سأهب ولائي لسيفيا ولجلالتكِ حتى آخر أنفاسي.”
لو كانت نبيلةً لا تشوبها شائبة، لما صدّقت الملكة هذا القول بسهولة. فهي، أكثر من أي أحد، تعرف كم يكون ولاء النبلاء رخيصًا ومربوطًا بالمصالح.
لذلك، كان لا بد أن تمنحها ورقةً أكثر حسمًا.
“أتدرين لماذا انتزعتُ منجم هايلو من أدريان أوبرون؟”
“لا أعلم. أرجو المعذرة لجهلي.”
قالت إليسا ذلك وهي تهز رأسها.
“سأمدّ سكة حديدٍ تعبر سيفيا.”
رفعت إليسا رأسها فجأة، لكن الوقت لم يكن قد حان للدهشة بعد.
“خلال عشر سنوات.”
“جـ، جلالة الملكة.”
“سكة تنطلق من سويندين، تمرّ بالعاصمة، وتصل إلى روسيريكا.”
اتسعت عينا إليسا، وبقي فمها مفتوحًا على مصراعيه.
ما طول هذا الخط؟ وكيف ستُدار تلك التكاليف الهائلة؟
سيتسابق جميع نبلاء سيفيا، وقد سال لعابهم.
“أنتِ من فتحتِ لنا الطريق البحري، أليس كذلك؟ لا بد من استثماره على أكمل وجه. سأجعل من سيفيا أعظم دولةٍ تجارية في القارة.”
أمام هذا المخطط الهائل الذي بسطته الملكة، لم تجرؤ إليسا حتى على التلفظ بكلمات شكرٍ مجاملة.
“ولتحقيق ذلك، سنحتاج إلى كمياتٍ هائلة من الحديد.”
“….…”
“سأعرض قريبًا على النبلاء حقوق المزايدة للاستثمار في هذا المشروع.”
“لا تقولي.…”
“وسأعدُ بأن أمنح أحد تلك الحقوق لبيت دوق أوبرون.”
بهذا الشرط، لن يكون إقناع دوق أوبرون وزوجته أمرًا صعبًا.
هل يوجد في سيفيا من يستطيع رفض عرضٍ كهذا؟ حتى لو كان الثمن زواجًا من ابنة غير شرعية؟
كانت إليسا قادرةً على الجزم. أنه شرطٌ لا يستطيع أحدٌ رفضه.
“بهذا القدر، هل أنتِ راضية؟”
“جلالتكِ، هل تضمنين لي كل هذه الشروط التي تفضّلتِ بذكرها الآن؟”
فتردّد صوت ضحكة الملكة المرِحة في أرجاء الحديقة مرةً أخرى.
“سأكتب لكِ كتابًا رسميًا. هل ستذهبين بنفسكِ إلى بيت دوق أوبرون؟”
“نعم، هذا ما أنويه.”
توجّهت الملكة نحو الطاولة في الحديقة، وتبعتها إليسا.
رنّت آن ماري الجرس الموضوع فوق الطاولة. وبعد قليل ظهر كبير الخدم، فأصدرت الملكة أمرها بصوتٍ خافت.
جلست الملكة وإليسا تنتظران. وحين عاد الخادم، كانت جميع الأشياء موضوعةً بعناية فوق صينيةٍ خشبية.
لمع الختم الذهبي تحت أشعة الشمس فآذى عيني إليسا. وبعد قليل، أصبحت وثيقتان مختومتان بختم الملكة في يدها.
“أجدد شكري لكِ، يا جلالة الملكة.”
تقدّم الخادم ليأخذ الختم والقلم، وفي الوقت نفسه وُضعت مائدة ضيافةٍ خفيفة فوق الطاولة الحديدية في الحديقة. و وُضع أمام الملكة وإليسا شايٌ يفوح منه البخار.
وهي تراقب أوراق الشاي المتمايلة، انتاب إليسا شعورٌ مشؤوم بأن هذا الموضع المشابه للمشي على حبلٍ رفيع لن ينتهي هنا.
تظاهرت الملكة بعدم ملاحظة قلق إليسا، وارتشفت الشاي بهدوء.
“أمرٌ آخر، ألا يوجد ما تريدينه بعد؟”
“لم أفهم قصدكِ. لقد استجابت جلالتكِ لكل ما طلبته.”
قالت إليسا ذلك وهي تخفض رأسها، متمنيةً في سرّها أن تغادر القصر الملكي بسلام.
“كل ما طلبتِه حتى الآن كان من أجل أدريان أوبرون، أليس كذلك؟ إذاً تفضّلي وقولي. ما الذي عليّ فعله حتى لا أتعامل معكِ كخائنة؟”
وحين فتحت إليسا فمها، قاطعتها الملكة مرةً أخرى.
“لن أستمع إلى عبارات مجاملةٍ جوفاء من قبيل لقد فعلتِ ما يكفي. فكّري جيدًا ثم أجيبي.”
فغرقت إليسا في تفكيرٍ قصير.
“هناك شرطٌ واحد وعدني به ملك شلريد إن التحقتُ بأسطوله البحري.”
“شولتز توغراهان؟ هاتِ ما عندكِ.”
ما إن ذُكر اسم ملك دولةٍ أخرى حتى تقطّبت حاجبا الملكة قليلًا، وبدت في عينيها رغبةٌ واضحة في ألا تُقارن به.
“أرجو أن تسمحي بتطوير البارود داخل البحرية.”
سادت لحظة صمتٍ طويلة. فالبارود كان تحت إدارة العائلة المالكة، وتطويره حكرٌ عليها. لا يُستخدم إلا بإذن فرسان القصر، وكان بيعه محظورًا.
“أكثر ساحات القتال استخدامًا للبارود ليست البر، بل البحر. ومن يعرف أي نوعٍ من البارود نحتاج، وأي نوعٍ يجب تطويره، هم رجال البحرية.”
“….…”
“كما أن عُشر ميزانية البحرية يُنفق حاليًا على شراء البارود. ولو أُعيد توجيه هذا المبلغ إلى بناء السفن وتدريب البحارة، لأصبحت بحرية سيفيا أقوى بكثير.”
ثم راقبت إليسا ملامح الملكة.
كان فرسان القصر مركز القوة العسكرية، وكان البارود أحد أهم مصادر دخلهم. وقد يثير هذا القرار اعتراضهم، بل وربما اعتراض نبلاء آخرين مرتبطين بهم.
و لم يكن ليُستغرب لو طُردت إليسا من القصر فورًا لمجرد إثارة هذا الموضوع.
وبعد صمتٍ طويل، تكلّمت الملكة أخيرًا.
“هذا أمرٌ لا أستطيع اتخاذه بقرار فردي. لقد اخترتِ اليوم كلماتٍ تضعني في حرجٍ كبير.”
“أعتذر.”
“لكنني سأطرحه كبندٍ في مجلس الدولة.”
“أشكركِ على كرمكِ، يا جلالة الملكة.”
قالت إليسا ذلك وهي بالكاد تُخفي دهشتها. فقد كانت الملكة متساهلةً معها على نحو غير متوقع اليوم.
“إنه طلبٌ نبيل، لكن ما قصدته لم يكن هذا. لا ما يخص البحرية، ولا ما يخص أدريان أوبرون. ألا يوجد شيءٌ تريدينه من أجل نفسكِ؟”
كانت تسألها إن كانت تحتاج إلى ثمنٍ آخر.
فما الذي كانت الملكة ترجوه منها لتغدق عليها كل هذا التسامح؟
“أما زلتِ لا تفهمين؟ كأن تطلبي أن أخلّصكِ من صفة ابنةٍ غير شرعية، أو أن أمنحكِ لقبًا غير لقب شوتر السخيف الذي أورثكِ إياه أبوكِ، أو أن أمنحكِ رتبةً نبيلة. أليست هذه عادةً ما تُطلب؟”
ترددت إليسا، تحاول أن تقرر إن كان الوقت قد حان لكشف الطموح الذي أخفته طويلًا في صدرها.
هل يجوز قول ذلك الآن؟ لكن ترددها لم يدم طويلًا.
“أريد روسيريكا.”
قررت إليسا أن تكشف الآن ورقة القمار التي راهنت بها على حياتها كلها.
التعليقات لهذا الفصل " 50"