شحُب وجه أدريان، كأنه كان قد نسي كل تلك الأمور تمامًا، وكأن ما اقترفه لم يخطر له إلا الآن.
‘هكذا إذاً. لقد نسيتَ كل ذلك، محوتَ الماضي، ثم قلتَ أنكَ تحبني.’
كنتَ شخصًا قادرًا على ذلك يا أدريان أوبرون.
كان إدراكًا متأخرًا. والآن فقط، وجدت إليسا الجواب.
فهمت أخيرًا ما الذي كانت تخشاه إلى حد إظهار ذلك الظهر الواهن أمام أدريان.
كانت إليسا شوتر تخاف أن تهتزّ مشاعرها من جديد أمام اعتراف أدريان أوبرون. أن يخفق قلبها مرةً أخرى كما في السابق. أن تعود إلى تلك الأيام التي كانت تسهر فيها في ساحة التدريب وفي المكتبة فقط لتراه.
كانت تخاف وهمًا لا قيمة له. شيئًا لن يحدث أبدًا. ولن يتكرر مرةً أخرى.
مقارنةً بطول ترددها، جاء الاستنتاج واضحًا وبسيطًا إلى حد العبث.
ارتسمت سخريةٌ موجّهة إلى نفسها على شفتي إليسا. لقد كانت تخاف من أمر تافهٍ كهذا فحسب.
“الذين لا يقدّرونني يلفظون تلك الكلمات بسهولةٍ شديدة، وهم يتمنّون بقدر سهولتها أن أُجرَح بعمق. لذلك لم أفعل سوى أنني وجدت طريقةً لا أتأذى بها. لأنني لا أريد أن يتم التلاعب بي وفق ما يريدون.”
ما إن أنهت إليسا كلامها حتى أخذ جسد أدريان يرتجف. ثم ركع على ركبتيه. و لم يبالِ حتى بنظرات مرؤوسيه الذين خرجوا لتوّهم من الاغتسال بعد التدريب.
ارتجف ذقنه بعنف، وانهمرت دموعٌ شفافة على خديه.
فرفعت إليسا بصرها إلى السماء دون وعي، لكن سماء ساحة التدريب كانت زرقاء صافية، بلا غيمةٍ داكنة واحدة.
ثم خفت بريق عينيه الحمراوين القانيتين.
أدريان أوبرون كان يبكي.
تدفقت الدموع على خديه، و خطّت مجاريها، ثم تجمّعت عند طرف ذقنه، قبل أن تتساقط قطرةً قطرة على مقدمة حذاء إليسا.
بينما ازدادت قوة القبضة التي كانت تمسك يدها. كأنه مهما حدث لن يترك تلك اليد.
كانت يده الممدودة نحوها بائسة، تنتظر أن تمسكها.
لكن إليسا بقيت واقفةً باستقامة، تنظر إليه من الأعلا بعينين فارغتين إلى حد يستحيل معه قراءة أي شعور.
“أنا مخطئ. أعلم أن لا عذر ينفع، وأعلم أن الوقت قد فات. ومع ذلك، ومع ذلك….أنا مخطئ.”
“قلتُ لكَ. لم أُجرَح. لذلك لا داعي للاعتذار.”
“أرجوكِ، إن كان بإمكاني أن أنال منكِ المغفرة فسأفعل أي شيء. مرةً واحدة فقط. لن أكرر الخطأ نفسه أبدًا. أرجوكِ؟”
“أدريان، كفى. انهض. أنتَ تعرف أن أمامنا أمورًا كثيرة يجب حلّها. لا داعي لإثارة قصصٍ قديمة انتهت وتعقيد الأمور أكثر.”
لكن أدريان ظل متشبثًا بها وهو يهز رأسه فقط. بدا وكأنه لم يسمع كلمةً مما قالت.
وإذ رأت أدريان وقد خفّض جسده عند قدميها كمن يستعد للانبطاح والتوسل، أطلقت إليسا زفرةً طويلة.
“هل كنتُ واحداً من أولئك الناس؟ هل صرتُ شخصًا يمرّ في حياتكِ دون أن يترك أثرًا واحدًا؟ هل كنتُ لكِ حينها مجرد ذلك؟”
“….…”
“إليسا، أرجوكِ، أجيبي مرةً واحدة.”
بصوتٍ أجشّ مبحوح، راح أدريان يلتقط كل الكلمات التي استطاع قولها.
لا، لم يكن أدريان أوبرون شخصًا سهلًا بالنسبة إلى إليسا شوتر. واعترفت إليسا بذلك بصراحة.
كان الأثر عميقًا جدًا. إلى درجة أنها لم تجرؤ حتى على التقدّم إلى فرسان الشمال، خوفًا من أن تلتقي أدريان أوبرون مجددًا، وخوفًا من أن يترك في قلبها جرحًا كبيرًا مرةً أخرى.
بنَت حول نفسها سورًا لا يسمح لأحدٍ أن يجرحها بسهولة، لكن أدريان أوبرون كان قد حطّم ذلك السور بسهولة.
بل هي من فتحت له الباب بنفسها. ربما لهذا اختارت أن تكرهه، خوفًا من أن يتكرر الأمر.
لكن الآن، كل شيءٍ انقلب. الطرف الوحيد الذي لم يبقَ له إلا أن يُجرَح كان أدريان أوبرون.
وقد أتيحت لها الفرصة لتترك فيه جرحًا يشبه جرحها. ولم تكن إليسا تنوي تفويت تلك الفرصة.
“أدريان. كل ذلك أصبح من الماضي. لم أذكره لأعاتبكَ. لذلك لا بأس إن لم تعتذر.”
ارتسم على شفتي إليسا انحناءٌ خفيفٌ جدًا. بدا وجهها هادئًا، كأنها تخلّت عن كل شيء.
وكأنها تقول “لم يعد في داخلي أي أثر. لقد نسيتُ كل ما كان بيننا.” و لم تكن هناك كلماتٌ تقدر على إيذائه من هذه.
تحطمت آخر ذرة أملٍ داخل عيني أدريان المتلألئتين كالروبي. بينما تأملت إليسا ذلك الأثر الأخير بصمت.
***
في اليوم التالي، توجّه أدريان إلى الشمال برفقة دوقة أوبرون. و راقبت إليسا رحيله من نافذة مكتبها.
كانت عيناه جافتين ومثقَلَتين، كأنهما لم تعرفا النوم لحظةً واحدة. وكان أدريان أوبرون يغسل وجهه بالماء مرارًا.
شعرت كأنه كان يلتفت إلى هذا الاتجاه مرارًا، لكنها لم تخرج حتى النهاية. فلم يكن هناك ما يستدعي ذلك.
وبعد أيام قليلة، سلّمت إليسا شؤون البحرية إلى إينوك وبدأت الاستعداد للتوجّه إلى العاصمة.
“وماذا لو غاب الأدميرال ونائب الأدميرال معًا عن البحرية؟”
“لهذا دوركَ مهمٌ يا إينوك. درّب الجنود جيدًا، ولا تهمل الاستطلاع. راقب قراصنة المضيق الجنوبي الذين حدثتكَ عنهم سابقًا.”
“هل يجب أن تذهبِ أنتِ بنفسكِ يا سيادة الأدميرال؟ أنتِ أصلًا لم تكوني ترغبين في هذا الزواج.”
“هذا أمرٌ عليّ أنا أن أحسمه. أدريان أوبرون لا يستطيع.”
“لماذا تهتمّين بذلك الرجل أصلًا؟”
“إينوك.”
“هل نسيتِ ما الذي فعله بكِ ذلك الرجل؟ لا، لم تنسي!”
كان بإمكانها أن تُصمته بحجة تجاوز الصلاحيات وبأمرٍ مباشر. لكن إليسا لم تفعل.
إينوك كان الشخص الذي شهد عن قربٍ كل ما فعله أدريان بها. ورأت إليسا أن له، إلى حدٍّ ما، الحق في ذلك.
“أهو حب؟ لا تقولي أنكِ عدتِ لتحبّي ذلك الرجل.”
فانفلتت ضحكةٌ قصيرة منها. و تجعد ما بين حاجبي إينوك بعمق.
“أنا أسألكِ بجدية يا قائدتي.”
“إينوك، ألا تفهم؟ هذه فرصةٌ لا تتكرر بالنسبة لي.”
“ما الذي تعنينه بـ-!”
“إينوك، هذا الزواج هو زواج ابن دوق أوبرون الشرعي بابنة غير شرعية. زواجٌ أمرت به الملكة بنفسها.”
“إنه زواج أدميرال ونائب أدميرال.”
“هذا ما ترونه أنتم فقط. أما الآن، فدوق أوبرون وزوجته يعارضان هذا الزواج بشراسة.”
“وما أهمية ذلك؟”
“على الملكة أن تدفع ثمنًا أكبر مقابل هذا الزواج. وأنا، بينما أنقل مطالب بيت أوبرون، أستطيع أن أُقحم مطالبي الخاصة بينهم بسلاسة. إنها فرصةٌ لا تُقدّر بثمن.”
قالت إليسا ذلك بابتسامةٍ راضية، وهي تضع السرج على ظهر الحصان.
تذمّر الحصان من الثقل المفاجئ نافثًا أنفاسه، فسحبت إليسا اللجام بمهارة وربّتت على عرفه.
“لذلك، يا إينوك فيتزجيرالد، تولَّ الأمر جيدًا. سأعود حتمًا بشروطٍ تصبّ في مصلحة البحرية.”
“لا نحتاج إلى ذلك، فقط عودي بسلام، من دون أن تصابي بأذى.”
قال ذلك بتجهم، لكن في النهاية لم يستطع إينوك معارضة ما قررته إليسا.
كان إينوك فيتزجيرالد دائمًا كذلك. وكانت إليسا ممتنةً له دائمًا.
“حسنًا. سأعود.”
***
عاصمة سيفيا، بيرينكا.
وصلت إليسا بعد أيامٍ طويلة من السفر، متنقلةً بين الخيل والعربات.
كم مضى من الوقت منذ آخر مرة زرتُ بيرينكا؟ منذ تخرجها من الأكاديمية العسكرية، لم تزُرها إلا نادرًا.
لم تكن روسيريكا مدينةً قليلة السكان، لكن بيرينكا، المكتظة والمعقدة، كانت تدهشها في كل مرة.
“آنسة، ألقِي نظرةً على هذا!”
“أمي، أمي! انظري إلى تلك العربة!”
“هذا الخبز طازج، خرج من الفرن هذا الصباح!”
وسط ذلك الزحام، سارت إليسا تقود حصانها على الطريق المؤدي إلى القصر الملكي.
كان عدد الناس كبيرًا لدرجة يستحيل معها ركوب الحصان. و ندمت قليلًا لأنها لم تترك الحصان في خانة البريد وتدخل بعربة.
وبينما كانت لا تزال غير معتادةٍ على ذلك الصخب، لمحت درعًا لامعًا لفارسٍ ملكي يلوح في مجال رؤيتها.
كان مدخل القصر الملكي أمامها مباشرة. و حين اقتربت إليسا من البوابة، مدّ الحارس رمحه الطويل معترضًا طريقها.
“ما غايتكِ من المجيء؟”
“جئتُ لمقابلة جلالة الملكة.”
“بطاقة الهوية.”
أخرجت إليسا بطاقة هويتها من جيبها. وحين وقعت عينا الحارس على بطاقة أدميرال البحرية الصادرة بأمرٍ مباشر من الملكة، اهتزّ بصره كأن زلزالًا ضربه.
كان من الأفضل فعلًا أن تأتي بعربة. عندها لما تلقت مخاطبةً فظة من شخصٍ أدنى منها رتبة.
سمعت همساتٍ من الخلف، و بعضهم تعرّف عليها كخريجةٍ من الأكاديمية العسكرية، لكن إليسا تجاهلتهم.
لم تكن تنوي البقاء طويلًا في العاصمة. فلن تصادفهم في حياتها أكثر من بضع مراتٍ معدودة.
اجتازت إليسا بوابة القصر، وواجهت الوزير المسؤول عن شؤون القصر، الذي يُعد بمثابة ذراع الملكة.
التعليقات لهذا الفصل " 47"