ومنذ ذلك اليوم، لم ترَ إليسا حتى خصلة شعرٍ واحدة من الدوقة، إلى حد جعلها تدرك مدى إحكام أدريان للفصل بينها وبينها.
ومع ذلك، مهما كان أدريان، لم يستطع منع صرخات الدوقة التي كانت تتردّد كل ليلةٍ في المسكن، ولا نوبات السباب والهيستيريا التي كانت تصبّها على أدريان، صارخةً تسأله لماذا يوجد هنا أصلًا.
“سيدتي الأدميرال، أرجوكِ أنقذينا. لا نستطيع النوم في المسكن من شدة الضجيج.”
جاء إينوك إلى إليسا ووجهه غارقٌ في الهالات السوداء. وبعد أن ضاق ذرعًا بشكاوى البحّارة المقيمين في المسكن، لم يجد بدًا من طلب مقابلة إليسا مباشرة.
“هل أبدو لكَ بخير؟”
“سيدتي الأدميرال.…”
مرّ أسبوعٌ كامل منذ أن استقرّت دوقة أوبرون في معسكر البحرية، ولم ينقطع نحيب البحرية يومًا.
كانت تضغط على أدريان كل يوم. طالبةً منه أن يفسخ خطوبته فورًا بتلك الابنة غير الشرعية ويعود معها إلى الشمال.
كانت الدوقة، ليلًا ونهارًا بلا تمييز، تصرخ في وجه أدريان مطالبةً إياه بأن يترك تلك الابنة غير الشرعية الحقيرة ويعود معها إلى أراضي أوبرون، مؤكدةً أن هذا ما يجب عليه فعله حتمًا.
ومع انتشار شائعة أنهم رأوا الابن غير الشرعي الأول لدوق أوبرون في الطريق المؤدي إلى الشمال، ازداد الأمر سوءًا.
حتى البحّارة، الذين كانوا في البداية يقطّبون جباههم ويوجّهون اللوم إلى الدوقة، تراكم عليهم الإرهاق وسرعان ما سئموا.
وهكذا خمدت فوضى اليوم الأول، لكن ما تلاها كان جحيمًا أشد. لدرجة أن إينوك جاءها بهذا الكلام.
“سيدتي الأدميرال، أرجوكِ افعلي شيئًا. يقولون حتى أن السيد أوبرون كان يحاول طردها، لكنكِ أنتِ من أمسكتِ به وأجلسته في المسكن.”
“وكأنني كنتُ أعلم أن الأمور ستؤول إلى هذا.”
كان أدريان أوبرون على وشك أن يطرح أمه أرضًا. و لولا تدخلها، لكان أمسكها من شعرها وجرّها خارجًا فعلًا.
لكن مثل هذا التبرير لم يعد يجدي. فقد كانت الدوقة قد رسّخت سمعتها السيئة في أوساط البحرية بالفعل
وفي غضون ثلاثة أيام فقط من إقامتها، صار البحّارة يتبادلون نكاتٍ تقول أنهم باتوا يخشون دوقة أوبرون أكثر من أخطر قراصنة الجنوب.
كانت تصاب بنوبات جنونٍ حتى عندما يتجاهلها أدريان دون رد، أو يرفض كلامها.
وعندما يُطلب منها العودة إلى الشمال، كانت تثير ضجةً متظاهرةً بالانتحار، صارخةً أن موتها وحده سيُنهي كل شيء. أما أدريان، فكان يكتفي بالنظر إليها بعينين باردتين دون أن يتخذ أي إجراء.
وكأن تهديداتها هذه أمرٌ اعتاد عليه.
في النهاية، كان بحّارة آخرون، مذعورون من احتمال أن يضطروا فعلًا للتعامل مع جثة، كانوا هم من يتدخلون ويتصببون عرقًا لاحتواء الموقف.
“هاه.…”
تنهدت إليسا بعمق.
ظل أدريان في ذلك اليوم عالقًا في ذهنها كأثرٍ باهت لا يزول. فقد كان التقاء عينيه الحمراوين يبعث في نفسها شعورًا غريبًا من النفور.
وقبل كل شيء، كانت إليسا هي من هربت من المكان دون حتى أن تواصل الحوار.
وحتى الآن، لم تكن تعرف ممّ كانت تخاف وتهرب. لذلك، كانت تؤجل الأمر مرةً بعد مرة، متذرعةً بأن أدريان أوبرون سيتولى حل مشكلة الدوقة بنفسه مهما فعلت.
لكن الأمور بلغت حدًا لم يعد يحتمل التأجيل.
“حسنًا، فهمت. سأتحدث مع أدريان أوبرون اليوم مهما كان، وسنصل إلى نتيجةٍ بأي طريقة.”
تحرّكت إليسا للبحث عن أدريان. و كانت خطواتها ثقيلةً كأنها تحمل أكياس تدريب من الرمل، حتى ساقاها شعرتا بالوهن.
كان مكتب أدريان خاليًا تمامًا، لا أحد فيه. فشعرت براحةٍ لحظة رؤيتها للكرسي الفارغ، لكنها لم تدم طويلًا، إذ وجدت سجلّ التدريب على مكتبه.
عادت إليسا تمشي ببطءٍ نحو ساحة التدريب الخارجية. وجلست مترهلةً على الدرج المطلّ على الميدان.
حتى من بعيد، كان أدريان يلفت النظر فورًا. يعود ذلك إلى قامته الطويلة ووجهه الشاحب على نحوٍ لا يُصدَّق رغم وقوفه تحت الشمس.
بدت عيناه الحادتان أعمق وأكثر قتامةً من قبل أيام. فقد نحل جسده في الأيام الماضية، فبرز عظم الحاجب وخط الفك بوضوحٍ أكبر.
وباستثناء هذا التغيّر الطفيف في مظهره، لم يختلف سلوك أدريان عن المعتاد.
لم يفوّت أدريان أوبرون تدريبًا واحدًا، وتولى كل شؤون البحرية دون تقصير. كان يتصرّف باندفاعٍ قهري، كأن عليه أن يثبت أنه لم يعد فارسًا من فرسان الشمال، بل بحّارًا ينتمي إلى الجنوب.
بدا حقًا وكأنه تخلّى بلا ترددٍ عن منصب الدوق المستقبلي لأوبرون.
حين كانت إليسا تحدّق في عينيه الحمراوين الخاليتين من العاطفة، تسلّل إليها وهمٌ سخيف.
أليس منصب وريث دوق أوبرون أقل قيمةً من سيف التدريب الخشبي الذي يمسكه أدريان الآن؟
إلى هذا الحد، كان أدريان أوبرون غير مبالٍ بالأخبار التي نقلتها الدوقة.
حتى مع اقتراب الابن غير الشرعي الأول لوالده من أراضي أوبرون لحظةً بعد أخرى. أكان حقًا لا يأسف على منصب سيد الأسرة القادم؟
وماذا عن فرسان الشمال الذين كان يقودهم؟ فمن دون أن يكون سيد أسرة أوبرون، لم يكن بوسعه أن يصبح قائد فرسان الشمال.
هل كان أدريان أوبرون مستعدًا فعلًا لخسارة كل ذلك؟ أن يخسر كل شيء، ثم يتزوجني؟
لماذا؟ ما السبب الذي يجعله يفعل ذلك؟
لم يكن هذا أمرًا يمكن تفسيره بكلمةٍ واحدة مثل “أحبكِ”. بل كان تفسيرًا مبالغًا فيه على مشاعر رجل لم يمضِ على وقوعه في حبها سوى شهرٍ واحد.
كان شيئًا لم تفهمه إليسا نفسها، فلم يكن ممكنًا أن تتقبّله الدوقة التي عاشت عمرها كله وهي لا ترى سوى اليوم الذي يصبح فيه ابنها دوق أوبرون.
توقّف التدريب مؤقتًا، وأُعلن وقت الاستراحة. عندها فقط، صرف أدريان نظره عن المتدرّبين. وحين أصدرت إليسا حركةً خفيفة، استدار نحوها بسرعةٍ وحدّة.
ما إن التقت عينا إليسا بعينيه حتى ارتسم الخوف فيهما. كانت ترى شفتيه المطبقتين ترتجفان ارتجافًا طفيفًا.
حتى عندما جاءت أمه تصرخ وتسبّ، وحتى عندما سمع خبر أن والده قد يجد ابنًا آخر ويضعه وريثًا مقبلًا لأوبرون، لم يكن في عينيه أي خوف.
لكن الآن كان الأمر مختلفًا. كانت عيناه الحمراوان داخل ذلك النظر الحاد تهتزان بلا توقف. لمجرد أن إليسا جاءت تبحث عنه، كان قد ارتعب.
عندها فهمت إليسا. الشخص الوحيد الذي ينظر إليه أدريان أوبرون بعينين تحملان مشاعر هو هي وحدها.
وبينما كان يتقدّم نحوها، سألها بحذرٍ شديد،
“لما جئتِ إلى هنا.…؟”
“أنتَ تعرف أنني لم آتِ بلا سبب.”
“إن كان الأمر بسبب الاعتذار، فأعدكِ أنني، مهما طال الوقت، سأنتزعه بالقوة.”
“ماذا؟”
في تلك اللحظة، لم تفهم إليسا ما قاله أدريان أوبرون.
“الكلمات التي قالتها أمي. سأجعلها تعتذر حتمًا. مهما كانت الطريقة، سأجعلها تركع أمامكِ وتتوسل. فقط امنحيني بعض الوقت.…”
كان الأمر مزعجًا. اعتذارٌ لم تطلبه أصلًا. كلماتٌ بلا معنى لم تعد قادرةً على خدش إليسا حتى خدشًا صغيرًا.
بل إن ما أزعجها أكثر هو خوفها من أن يكون أدريان ما يزال يتذكرها كطالبة الأكاديمية العسكرية في ذلك اليوم البعيد، تلك التي كانت تختبئ حاملةً زجاجة نبيذ.
‘هل ما يزال يراني طفلةً بائسة تُجرَح بكلمةٍ واحدة؟’
ولهذا قطعت كلامه بحزم أشد.
“لا، لا داعي لذلك. وما جئتُ لأقوله لا علاقة له باعتذارٍ تافه كهذا. وإن أردنا الدقة، فهذا كله خطئي.”
خفتت ملامح أدريان قليلًا. و عيناه المرتبكتان تمايلتا بلا حول.
“أنا من منعتكَ من طرد الدوقة. تدخلتُ فيما لا يعنيني. كان ذلك خطئي.”
“لا داعي لأن تعتذري عن أمرٍ سببه والداي.”
لو كان أدريان الذي تعرفه سابقًا، لكان سخر منها وألقى اللوم عليها. ولو كان كذلك، لكان كرهه أسهل بكثيرٍ عليها.
أما أدريان الآن، أدريان الذي لا يُظهر مشاعره إلا أمام إليسا شوتر، فكان مزعجًا حدّ الاختناق.
“إذًا، لنبدأ بالحل.”
“إن أعطيتِني الإذن، أستطيع اقتيادها الآن فورًا.”
“ماذا؟”
“التهم كثيرة. وبحسب انضباط البحرية، تعلمين أنه يمكن زجّها في الحبس العسكري.”
“….هل تقترح أن نحلّ هذا الأمر بإدخال أمكَ السجن العسكري؟”
أومأ أدريان بصمت.
“لن يُحل الأمر هكذا.”
“لا يوجد حلٌ آخر.”
هزّ أدريان رأسه بحزمٍ لم يسبق له مثيل. لكن إليسا كانت تعرف الجواب.
“يكفي أن تذهب أنتَ إلى أوبرون.”
“….حفل الخطوبة على الأبواب.”
“يمكن تأجيل الخطوبة متى شئنا. شولتز توغراهان عاد بالفعل، ولا شيء يستدعي العجلة. وسأذهب بنفسي إلى العاصمة لأرفع التقرير إلى جلالة الملكة.”
“إليسا، أرجوكِ.”
“جلالة الملكة يجب أن تدفع لك ثمن هذا الزواج. وعندها فقط ستتاح طريقةٌ لإقناع دوق ودوقة أوبرون.”
تشوّه وجه أدريان. بدا متألمًا حقًا لدرجةٍ أربكتها.
“أدريان أوبرون، هذا حقكَ المشروع.”
كانت إليسا تؤمن أن لا حلّ سوى هذا. فأي طريقةٍ أخرى يمكن أن تكون أسهل وأوضح من ذلك؟
لكن أدريان لم يكن يرى الأمر كذلك. كان ينظر إليها بعينين مذعورتين أكثر من أي وقتٍ مضى.
“أعرف أنني وقح، ومع ذلك، ومع ذلك لا أريد فسخ الخطوبة. أرجوكِ يا إليسا، امنحيني فرصةً واحدة أخرى.”
شعرت إليسا أنها لا تعرف من أين تبدأ لتصحيح أفكار أدريان. فأولًا، لم تكن هنا لتعلن بتهوّرٍ أنها ستفسخ الخطوبة.
لكن ما كان أصعب فهمًا من ذلك هو أن أدريان كان يعتذر لها. لمجرد أن أمه نعتتها بابنة عاهرة.
إهانة “ابنة عاهرة” و”ابنةٌ غير شرعية” كانت تلاحق إليسا كوصمة. اعتادت عليها لأن عددًا لا يُحصى من الناس كانوا يرددونها خلف ظهرها وأمامها، حتى فقدت الإحساس بضرورة تلقي الاعتذارات عنها.
“لا، أنا لست منزعجةً لأنها قالت أنني ابنةٌ غير شرعية أو ابنة عاهرة.”
“كيف لا يؤذيكِ ذلك؟ كيف تتقبلين هذا الكلام وكأنه لا شيء؟ لماذا لا تردّين على من يهينكِ؟ لماذا تسمحين لهم أن يعاملوكِ بهذه الوقاحة؟”
كان أدريان غاضبًا حقًا وهو يقول ذلك. صوته الذي كان يتوسل بهدوء بدأ يعلو، واليدان اللتان أمسكتا بذراعي إليسا شدّتا قبضتهما أكثر فأكثر.
حتى إليسا نفسها كانت قد سئمت من الغضب على أولئك الناس واحدًا واحدًا، لكن أدريان كان يغضب نيابةً عنها.
ومع ذلك، لم تشعر إليسا بأي سعادةٍ تجاه ذلك التعاطف أو ذلك الغضب.
“أنا لا أريد أن أُهان بسبب ابنةٍ غير شرعية. لا تنظري إليّ بتلك العيون القذرة مرةً أخرى. آه، وطبعًا أنتِ مرحّبٌ بكِ متى ما لم يكن أصدقائي ينظرون.”
أدريان، أنتَ أيضًا قلتَ ذلك لي ذات يوم. أنتَ أيضًا كنتَ من الذين عاملوني كعاهرة، أليس كذلك؟
لم تكن غاضبةً بما يكفي ليُسمّى غضبًا، ولم تكن خائبةً بما يكفي ليُسمّى خذلانًا، فهي تقسم على أوسمتها أنها لم تتوقع من أدريان شيئًا أصلًا. بل كان شعورًا باردًا، معقدًا، لا اسم له.
“أدريان أوبرون، اهدأ. كل من لا يكنّ لي ودًا يتحدث معي بهذه الطريقة. وكل من لا يعترف بي كأدميرال للبحرية ينعتني بذلك.”
“….…”
“وأنتَ كنتَ واحدًا منهم، أليس كذلك؟”
_____________________
هنا خلاص علمها يهوه!
مره عاجبني البائس وهو يتمسك عشان ماتفسخ الخطبه هاااااااهاهاهاهاههع
التعليقات لهذا الفصل " 46"