عند صوت إليسا الخافت، تجمّد جسد أدريان للحظة. ثم أدار رأسه ونظر إليها بعينين لا تستطيعان استيعاب ما يحدث.
ومع ذلك، امتثل أدريان لأمر إليسا، فسحب يده بهدوء من يد والدته.
“ما دمتَ قد دخلتَ القاعدة البحرية، فكل من جاء إلى هنا هو ضيفي. لا تتصرّف بفظاظةٍ مع ضيوفي، واترك يدها. هذا أمر.”
عند كلمة “أمر”، بدا الاستياء واضحًا على وجه أدريان، لكنه انحنى برأسه رغم ذلك.
“كيف تجرؤ ابنةٌ غير شرعية على إصدار الأوامر لابني.…!”
يبدو أنها قررت التخلّي عن تمثيل دور السيدة الأرستقراطية المتسامحة الذي أظهرته في البداية.
ومع ذلك، فإن دوقة أوبرون، وإن كانت تقذف كلماتها نحو إليسا كما لو كانت تمضغها بأسنانها، فقد أطبقت فمها بإحكام حين قُمعت أمام زخم أدريان العنيف.
“نرجو من الدوقة أيضًا الامتناع عن إثارة المزيد من الفوضى هنا. فهذا مكانٌ صارم القواعد.”
أرسلت نظرةً توحي بأن لديها الكثير لتقوله، لكنها تكبح نفسها بالكاد بسببه. وما زالت تحدّق في إليسا بملامح مشحونةٍ بالسخط.
لم تستطع حتى إخفاء النقمة الطاغية في داخلها، نابعةً من اعتقادها بأن ابنها قد تغيّر بسبب إليسا.
“سنصطحبكِ أولًا إلى مقر دوق روسيريكا. إنها زيارةٌ مفاجئة، لكن بما أنكِ دوقة، فلا شك أن دوق روسيريكا سيستقبلكِ بسرور.”
“لن أضع قدميّ ولو خطوةً واحدة في مكانٍ قذر كانت تقيم فيه عاهرةٌ وابنةٌ غير شرعية! كيف تجرؤون على معاملتي كأنني مثلهما!”
قدّمت إليسا اقتراحها بأدب، لكن دوقة أوبرون صرخت باشمئزازٍ وقد بدت مصدومة.
“لقد قلتُ ذلك من قبل، المكان الذي أقمتُ فيه أنا ووالدتي هو الجناح الغربي. أما غرفة الضيوف التي ستنام فيها الدوقة فهي في المبنى الرئيسي—”
“كيف تجرؤين، كيف تجرؤين على الرد عليّ بهذه الوقاحة!”
“إذًا، تفضّلي بإخباري أين تودّين الإقامة. سنلتزم برغبة السيدة النبيلة.”
“سأقيم في المكان الذي يقيم فيه ابني!”
ترددت إليسا لحظة، تفكّر فيما إذا كان عليها أن تخبرها بأنني، تلك الابنة غير الشرعية التي تمقتها إلى هذا الحد، تعيش هي أيضًا في ذلك المسكن. لكنها في النهاية اختارت أن تلتزم الصمت.
“حسنًا، سأقودكِ إلى هناك.”
“ابني هنا، فكيف تجرؤين يا هذه!”
ألا ترين بأي نظرةٍ ينظر ذلك الابن إلى أمه؟
ابتلعت إليسا تلك الكلمات بصعوبة. وبدلًا من ذلك، وضعت يدها على كتف أدريان واقتربت منه وهمست،
“هدّئ أمكَ وتعال. اخرج وفسّر لي ما الذي يجري. ما قصة الابن غير الشرعي لدوق أوبرون، ولماذا أصبح موقعكَ كوريثٍ في خطر بسبب هذا الزواج الذي يتم بأمرٍ من جلالة الملكة؟”
***
لم يعد أدريان إلى مكتب إليسا إلا بعد أن كان الليل قد أسدل ستاره تمامًا.
تفحّصت إليسا وجهه دون وعي منها.
كان خدّه ما يزال متورمًا، وخلال بضع ساعاتٍ فقط بدا الإرهاق واضحًا في عينيه.
“أين ضُربتَ هذه المرة؟”
“ليس كما تظنين.”
ساد الصمت. لم يكن من الواضح من أين ينبغي أن تبدأ بالسؤال. و في النهاية، بادرت إليسا بطرح أكثر ما كان يثير فضولها.
“ألم تنتهِ محادثتكَ مع جلالة الملكة؟”
“بلى، انتهت.”
“إذًا ما الذي كانت تعنيه دوقة أوبرون بكلامها؟ لماذا يُقال أنه يجب تعيين وريث آخر بدلًا منكَ لأنكَ ستتزوجني؟ ولماذا كان دوقة أوبرون غاضبةً إلى هذا الحد؟”
“….…”
ظلّ أدريان صامتًا لوقتٍ طويل. ومع تزايد ضيق إليسا، حثّته على الإجابة مرةً أخرى.
“هل لأنكَ تركت فرسان الشمال و جئتَ إلى الجنوب؟”
“لا.”
“إذًا ما السبب؟”
“لأن من تحدث مع جلالة الملكة كنتُ أنا، لا سيد أسرة أوبرون.”
أربكها هذا الكلام العبثي، فبدا لها خاليًا من أي منطق.
“لا بد أن جلالة الملكة منحتكَ فائدةً ما مقابل زواجكَ من ابنةٍ غير شرعية. لو كان الأمر كذلك، لكان ذلك كافيًا لإقناع والديكَ.”
حين سألت إليسا ذلك، حدّق فيها أدريان بعينين مليئتين بالمرارة.
كانت عيناه الحمراوان، المشوبتان بلمحةٍ من الظلم، تعبّران عن مشاعره بصدقٍ كامل، على عكس تلك النظرة الفارغة التي كان يرمق بها والدته قبل ساعات.
“إليسا، أنتِ حقًا لا تصدقين كلمةً واحدة مما أقوله.”
“وما الذي تريدني أن أصدقه تحديدًا؟”
“قلتُ لكِ. لم أتلقَّ من جلالة الملكة أي شيءٍ مقابل زواجي منكِ. لا منجمًا، ولا لقبًا، ولا إقليمًا، لا شيء.”
متى قال أدريان مثل هذا الكلام؟
راجعت محادثاتهما ببطء. فمعظم الأحاديث التي تبادلاها عند قدومه الأول إلى الجنوب كانت قد تلاشت من ذاكرة إليسا.
كان مجرد النظر إلى وجهه كافيًا لإشعال الغضب في رأسها، فكيف لها أن تتذكر كلماته بوضوح؟
بصعوبة، نجحت إليسا في استحضار ذكرى باهتةٍ لما قاله في اليوم الأول لوصوله، في تلك الحانة القديمة الصاخبة قرب الميناء.
حين سألته عمّا تلقّاه من الملكة مقابل زواجه من ابنةٍ غير شرعية، كان جوابه أنه لم يحصل على شيء.
لكن….أكان ذلك الكذب ليس كذبًا؟
لم يحن وقت الدهشة بعد. فالكلمات التالية التي خرجت من فم أدريان جعلت إليسا تُصعق.
“إليسا، لكي أتزوجكِ، قدّمتُ لجلالة الملكة منجم هايلو.”
“ماذا؟ ما الذي تعنيه بذلك بالضبط.…؟”
“عندما وصل طلب الزواج من شلريد، لم يكن خطيبكِ التي حددته جلالة الملكة هو أنا.”
“ماذا؟ إذاً، من كان ذلك؟”
“وهل هذا مهمٌ الآن؟”
“…….”
“إليسا شوتر، هل تعتقدين حقًا أن أهم ما في الأمر الآن هو معرفة من كان خطيبكِ الأصلي؟”
تلألأت عينا أدريان الحمراوان ببريقٍ حاد. كانت نظرة وحشٍ مفترس، يكفي أن تهزّ رأسها قليلًا حتى ينقضّ فورًا على عنقها.
لا، من سيُنهش عنقه لن تكون إليسا. بل ذاك الخطيب الماضي المجهول الاسم، الذي أثار فضولها الآن بمقدار ظفرٍ لا أكثر.
“وماذا ستفعلين لو عرفتِ؟ هل ستركضين إليه حتى الآن؟”
“…….”
“حتى لو فعلتِ، لا فائدة. لن تتمكني من الارتباط به. لأنني سلّمتُ منجمًا للملكة كي أمنع ذلك.”
“مجنون.”
“قلتُ لكِ، إليسا، أنا أحبكِ.”
“…….”
“لذلك، أرجوكِ، صدّقي كلامي.”
لكن تعبير إليسا لم يزد إلا هدوءًا وبرودًا.
حتى لو رميتَ حجرًا في البحر فلن يظهر له أثر. الموج يبقى موجًا، والبحر بحرًا، والحجر الصغير ليس له مصيرٌ إلا أن يُبتلع.
هكذا تمامًا كان القلب الذي ألقاه أدريان الآن.
لم تشعر إليسا إلا بالسخرية. ترى، أي حماقةٍ ارتكبها أدريان أوبرون بذلك القلب الخفيف إلى هذا الحد؟
“إذاً، أدريان أوبرون. هل تستطيع حلّ هذه المسألة؟”
في وقتٍ بات فيه منصب الدوق المستقبلي لأوبرون مهددًا، ماذا بوسعكَ أن تفعل؟
عند سؤال إليسا، ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على شفتي أدريان. ابتسامةٌ رفع فيها أحد جانبي فمه، وكانت مفعمة بالثقة.
عندها فقط بدأت إليسا تشعر بالارتباك. فقد كان يبتسم كما لو أن كل شيء قد حُسم بالفعل.
“قلتُ لكِ، إليسا. مهما حدث، لن تضطري للعودة إلى الشمال.”
“…….”
“ستبقين قائدة الأسطول البحري في الجنوب ما دمتِ تريدين ذلك.”
“…….”
“وأمي التي احتقرتكِ ووصفتكِ بابنةٍ غير شرعية، لن تلتقيكِ مرة أخرى. أعدكِ. لن تتعرضي لمثل هذا الإهانة مجددًا. وبالطبع، سأحرص على أن تتلقى اعتذارًا رسميًا عن هذه الحادثة.”
“…….”
“لذلك يا إليسا، امنحيني مرةً واحدة فقط، مرةً واحدة لا غير….”
لم تسمع شيئًا من وعده الثاني الذي نطق به وكأنه يقسم.
مصير أمه كان لا يهمها على الإطلاق. لقد مضى زمنٌ طويل منذ أن صارت تتأذى من مثل هذه الكلمات.
لكن، ما الذي سمعته قبل ذلك؟
أي إن أدريان أوبرون كان قد تخلّى منذ البداية عن منصب وريث دوقية أوبرون. وكان يعلم أيضًا أن إليسا، مهما حدث، لن تغادر الجنوب.
أمورٌ لم يكن دوق روسيريكا ولا الملكة ولا شولتز توغراهان ليعرفوها إلا لو أخبرتهم بنفسها، كان أدريان أوبرون يعرفها كلها سلفًا.
كيف؟
لماذا؟
ولِمَ بحق؟
لأول مرة، رغبت إليسا في أن تسأله. متى بالضبط بدأتَ تحبني؟
قبيل أن تتحول الفكرة إلى صوت، عضّت لسانها وابتلعت السؤال بصعوبة. فقد كادت تطرحه بنفسها قبل أن تأتي حتى على ذكر فسخ الخطوبة.
كان رأسها ممتلئًا بعلامات الاستفهام. لكن تلك العلامات لم تتحول لا إلى نقطةٍ ولا إلى علامة تعجب.
و ظلت الشكوك تعصف بعقلها. بينما التقت نظرات أدريان الحمراء بعينيها. فشعرت وكأنه يقرأ أفكارها التي لم تفهمها هي نفسها بعد.
‘يجب أن أهرب.’
في اللحظة التي لمحت فيها صدق أدريان أوبرون لمحةً عابرة، لم يبقَ في ذهن إليسا سوى تلك الفكرة.
“إليسا، انتظري لحظة.”
كان صوت أدريان أوبرون يمسك بمؤخرة رأسها، لكنها لم تلتفت.
لم تكن تعرف حتى لماذا تهرب. كان مجرد إنذارٍ غريزي.
التعليقات لهذا الفصل " 45"