كانت دوقة أوبرون، ومعها أولئك النبلاء الذين حاولوا إهانة إليسا، يحملون في الغالب وهمًا هائلًا.
وهمًا مفاده أن ميدان حربهم هو المجتمع الأرستقراطي، وبالتالي فإن إليسا ستتلقى الجراح ذاتها هناك.
لم يكونوا يعلمون أن ميدان حربها هو البحر. كيف لهم ألا يعلموا؟ فاسمها يسبقه لقب أدميرال البحرية، وكانت ترتدي الزي العسكري دائمًا.
بهذه الأفكار، انتظرت إليسا أن يُنهي أدريان جلسته مع والدته بكلماتٍ مناسبة تُرضي السمع.
فعلى أي حال، لا بد أن الملكة قد دفعت ثمنًا وافيًا لبيت دوق أوبرون مقابل هذا الزواج. لذا لم يكن ما تفعله دوقة أوبرون سوى غيظٍ صغير، رغبةً في سحق كنّةٍ لا ترضى عنها وإبقائها تحت قدمها.
وهذا القدر من الأذى، كانت إليسا قادرةً على تحمّله بقدر ما شاءوا.
فتح أدريان فمه ببطءٍ شديد.
“اخرجي.”
“أدريان؟”
ماذا؟
خرج من شفتي أدريان أوبرون صوتٌ منخفض بارد كالجليد.
فتجمّدت دوقة أوبرون في مكانها كأنها حجر، وازداد وجهها الشاحب بياضًا حتى مال إلى الزرقة. و لم تكن هي وحدها من عجز عن تصديق ما سمع.
لا، لماذا يفعل هذا أصلًا….لماذا يعقّد أمرًا كان يمكن تجاوزه بسهولة؟
“اخرجي من هنا فورًا.”
“كيف تجرؤ على مخاطبة أمكَ بهذا الأسلوب!”
“أستطيع قول ما هو أقسى من ذلك، لكنني أتحمّل، فاخرجي الآن.”
“أدريان أوبرون! هل تدرك ما الذي فعلته الآن؟”
نزعت دوقة أوبرون قناعها الهادئ الأنيق أخيرًا، فلم يعد هناك متسعٌ لارتدائه.
صرخت بصوتٍ حاد وقفزت من مكانها.
“والدكَ استدعى برايان إلى أوبرون! ذلك اللقيط الوضيع! استدعاه إلى أوبرون! هل تفهم ما يعنيه هذا؟”
“لا يهم.”
“ماذا؟”
“قلتُ: لا يهم.”
تقدمت دوقة أوبرون نحوه، وفي اللحظة نفسها دوّى صوت صفعةٍ حادة، فاستدار رأس أدريان جانبًا.
“أجبني مجددًا.”
“لا يهم.”
ارتفعت يدها مرة أخرى، واستدار رأس أدريان مجددًا.
“أمّ برايان تلك لم تكن حتى جديرةً بلقب محظية! لم تكن تعرف من هو والدها، ولم يكن لها اسم عائلةٍ أصلًا! أتعني أنكَ لا تمانع أن يُنتزع لقب دوق أوبرون من أجل ابن امرأةٍ كهذه؟”
“نعم، لا يهم—”
دوّى صوت صفعةٍ أخرى، واستدار رأس أدريان أوبرون مرة ثالثة.
ما الذي يحدث أمام عينيّ الآن؟
والسبب الذي جعل إليسا تراقب ضرب دوقة أوبرون لأدريان دون أن تتدخل في البداية كان بسيطًا.
مهما كانت الدوقة من الشمال، فهي امرأةٌ نبيلة عاشت عمرها كله داخل أسوار القصر. أما أدريان أوبرون، فكان فارس الشمال. أفضل مبارز في سيفيا، الرجل الذي لم تستطع إليسا نفسها أن تهزمه ولو مرة واحدة.
لقد عاش حياته كلها هكذا، وسيعيش ما تبقى منها بالطريقة ذاتها. أي أنه لو أراد، لاستطاع إخضاع دوقة أوبرون بسهولة.
وإن كان يتحرّج من ذلك، أفلا كان عليه على الأقل أن يتفادى الضرب؟
لماذا لا يتفادى أدريان أوبرون شيئًا ويتلقى كل هذا؟
“أجب—”
قبل أن يتمكن أدريان من الرد، كانت يد الدوقة قد ارتفعت مجددًا.
و لم يتغير تعبيره البارد قيد أنملة، لكن خده الأيسر كان قد تورّم بعد تلقيه عدة صفعات.
“كفى.”
لم تحتمل إليسا المشهد أكثر، فأمسكت بذراع دوقة أوبرون النحيلة.
ذراعٌ رفيعة ضعيفة، انحبست بسهولةٍ في قبضة إليسا. ذراعٌ بيضاء بلا عضلات، توقفت عاجزةً أمامها.
“أرجو المعذرة على قلة الأدب.”
“إن كنتِ تعلمين معنى قلة الأدب فابتعدي.دماذا تفهم لقيطةٌ مثلكِ؟ إنه يقول الآن أنه مستعدٌ للتخلي حتى عن موقع وريث أوبرون!”
ما معنى هذا كله؟ ألم يكن هذا الزواج صفقةً منتهية بين الملكة وبيت دوق أوبرون؟
أفلتت إليسا ذراع الدوقة دون قصد من شدة الارتباك، واتجه بصرها نحو أدريان.
وكان هناك أدريان آخر، غريبٌ تمامًا. خده الأيسر كان محمرًا كالجمر. لكن عينيه لم تحملَا غضبًا ولا ظلمًا.
كانتا فارغتين تمامًا. عينان تنظران إلى أمه بلا أي شعور، بلا أي حب.
لم تكن نظرةً يمكن تصديق أنها موجهةٌ إلى فردٍ من العائلة.
وبدا أن أمه قرأت تلك النظرة هي الأخرى. فاليد التي كانت تضربه بلا رحمة سقطت واهنة.
“أدريان! إن كنتَ تفكر بي، فلا يجوز أن تفعل هذا! لقد عشتُ حياتي لأجعلكَ دوق أوبرون! كيف تفعل هذا بي؟!”
لم يبقَ من زخمها السابق شيء. كانت دوقة أوبرون الآن تكاد تنطرح عند قدميه، متشبثةً به، ترجوه.
وكان هو ينظر إليها بعينان مرهقتان من كل شيء. وشفتان مائلتان كأنهما تقولان أن كل شيءٍ قد صار مثيرًا للاشمئزاز.
لماذا؟ أنت وريث أوبرون، أليس كذلك؟ تلك الأراضي الشمالية الشاسعة ستؤول إليكَ يومًا ما.
ألم يكن فرسان الشمال، بقيادة أوبرون، مصدر فخركَ؟
ما كان أمامها هو وجه أدريان أوبرون الذي كان أشد غموضًا وأشد غرابةً من ذلك الوجه الذي كان يتوسل قائلًا أنه يحبها، ويرجوها أن تستمع إلى قصته.
***
في خارج مكتب إليسا، وعلى وقع الضجيج الصاخب، كان الجنود يتلصصون من حينٍ لآخر، يرهفون السمع محاولين معرفة ما يحدث.
أمام ذلك المشهد الصبياني، أشارت إليسا بإصبعين إلى عينيها ثم إلى الخارج عبر النافذة، في إيماءة تحذيرٍ صامتة. فارتجفت أكتافهم على الفور، وبدأ كل واحدٍ منهم يتفرق مبتعدًا.
كانت قد أبعدت مرؤوسيها من البحرية، لكن لم يكن بالإمكان الإبقاء على هذا الاضطراب إلى ما لا نهاية.
“في الوقت الراهن، سنرافقكِ إلى قصر الدوق روسيريكا. لقد أرخى الليل سدوله بالفعل، فاستريحي هناك، وتحدثي مع أدريان مجددًا غدًا.”
لكن دوقة أوبرون صفعت ذراع إليسا بعصبيةٍ قبل أن تكمل كلامها.
التعليقات لهذا الفصل " 44"