تشقق وجه الدوقة الجميل، الذي كانت تتكلف به الهدوء بصعوبة، كما لو كان المرآة المكسورة الموضوعة أمامها.
“لا يمكن أن يفعلها أدريان خاصتي. لا يمكن أن يفعل….”
تمتمت الدوقة بصوتٍ مرتجف فاقدٌ للتركيز، ثم نهضت فجأةً من مكانها كأنها اتخذت قرارًا.
“يـ، يجب أن ألتقي به بنفسي. نعم، لا يمكن لابني أن يخونني ويختار امرأةً وضيعةً كهذه. مستحيل. لا بد أن هناك سوء فهم ما. ذاك الطفل وُلد ليصبح دوق أوبرون!”
“سيدتي، أرجوكِ تماسكي.”
أسندت آنا الدوقة، التي شحب وجهها حتى بدت وكأنها على وشك الإغماء، بنظراتٍ قلقة.
“جهّزي حالًا للسفر إلى الجنوب! يجب أن أرى ذلك الطفل بنفسي!”
***
“في الآونة الأخيرة، كثيرًا ما يظهر القراصنة في المياه الإقليمية الجنوبية.”
عند تقرير أدريان، التفتت عينا إليسا إليه أخيرًا.
“ما حجم الأضرار؟”
“وهذا هو الأمر الغريب. كل ما فعلوه أنهم هدّدوا سفنًا تجاريةً صغيرة كانت تعبر المضيق القريب. لم يطلقوا رصاصةً واحدة على سفن الشحن.”
“إذًا هو استطلاع. قد تكون سفن شاراك، أو بحرية دولةٍ أخرى متنكرةٌ في هيئة قراصنة.”
“إذاً، بلّغي بألا يتم إطلاق النار عشوائيًا في المياه الجنوبية في الوقت الراهن.”
قال ذلك وهو يلوّح بريشة الكتابة، فتأملته إليسا بصمت.
لقد صار يبدو بحريًا بحق. أصبح منظره بالزيّ البحري مألوفًا لها إلى حدٍّ لا بأس به.
حسنًا، ربما ساعدت ملامحه المقبولة على ذلك أيضًا.
فحتى لو ألبسوا ذلك الجسد خِرَقًا بالية، لامتلأت الصالونات بنبيلات يصرخن إعجابًا، لكن إليسا تجاهلت مثل هذه الحقائق بسهولة.
وبالسرعة نفسها التي تأقلم بها أدريان أوبرون مع البحرية، كانت خطوبتهما تمضي قدمًا.
“اتصل متجر الفساتين. قالوا أن الفستان الذي جُرّب سابقًا قد اكتمل.”
“أعلم، وصلني الاتصال أيضًا.”
“لن نذهب لرؤيته؟”
ردّت إليسا بلا اكتراث، فرفع أدريان رأسه على عجل. و راح يراقب تعابيرها بحذر شديد.
كان أحيانًا يتحسس مزاجها في أكثر اللحظات غرابة، كمن يخشى أن تقلب إليسا حفل الخطوبة رأسًا على عقب في أي وقت.
ومع ذلك، كان يقترب منها رويدًا، محاولًا أن يلامسها ولو قليلًا.
انظروا الآن، فقد كانت مفاصل يده الغليظة قد غلّفت يدها قبل أن تشعر.
كانت تلك يدًا لا تفارق السيف والبندقية. لذلك، لم تفكر إليسا يومًا أن يدها صغيرة.
ألهذا كانت تخسر أمامه دائمًا في المبارزة؟
كان عذراً سخيفاً، لكن حين رأت يدها تُخفى بالكامل داخل قبضته، بدا العذر مقنعًا على نحوٍ ما.
كانت يد أدريان باردةً في كل مرة. حرارته الباردة غطّت ظهر يدها. ومع هذا التلامس المتسلل، لم تعد إليسا تعرف أهو يراعي مشاعرها أم يتصرف بأنانية.
وبينما كانت شاردةً للحظة، لامس إحساسٌ بارد ما بين أصابعها. فعلى بنصرها، حيث مرّ إصبع أدريان، كان خاتمٌ أملس يلمع وقد عاد إلى مكانه دون أن تشعر.
“ومن أين أتيتَ بهذا أيضًا؟”
“تركتِه في معسكر التدريب. فالتقطته وجلبته معي.”
“إذا التقطتَ ما رُمي، فإما أن ترميه مجددًا أو تحتفظ به لنفسكَ. لماذا تعيده إليّ؟”
“من يدري؟ ربما إذا رأيتِه أمامكِ باستمرار، تعودين وتنظرين إليه مرةً أخرى، حتى لو كنتِ قد رميته من قبل.”
‘حقًا لا أفهم لماذا ينظر إليّ بتلك العينين.’
ليس كأنه ينظر إلى خاتم، بل كأنني أنا من نبذته. مع أن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا.
التي نُبذت كانت إليسا. ومع ذلك، كان أدريان ينظر إليها أحيانًا بتلك النظرة، كأنه لا يذكر شيئًا من الماضي.
“إذًا يا إليسا، لنذهب إلى متجر الفساتين معًا.”
أومأت إليسا برأسها بلا اهتمام.
“حسنًا، فهمت.”
“شكرًا لكِ.”
كان مجرد جوابٍ عابر ألقته لأنها أرادت أن تُبعد تلك النظرات المقززة، فقوبل بابتسامةٍ مشرقة.
وفي كل مرة تنحني عيناه كالهلال، كانت تُجبَر على تذكّر أدريان في الماضي. ذلك الفتى الذي كانت تحبه كثيرًا يومًا ما، والذي لفّ بنفسه الضماد حول إصبعها الجريح.
فأغلقت الملف بقصد حتى صدر صوت واضح.
لن يتغير شيء. بما في ذلك عدم العودة إلى الماضي.
هذا القدر من المسافة كان يروق لإليسا. مسافةٌ تكفي لأن تبتلع هذه الأفكار كوجبةٍ يومية، من دون أن تشعر بأي ذنبٍ تجاه أدريان أوبرون.
إذا كان لا بد أن يكون أحدهما تعيسًا، فلا يجب أن تكون هي.
عندما نهضت إليسا من مكانها، نهض أدريان بدوره على نحوٍ متردد.
“بالمناسبة، متى تنوي العودة إلى مكتبكَ؟”
“ما دام مقصدنا بعد انتهاء الدوام واحدًا، فما الحاجة للتحرك كلٌّ على حدة؟ هذا غير فعّال.”
كانت على وشك أن ترد بأن الوجود أصلًا في المكان نفسه مع أدريان أوبرون هو عين عدم الكفاءة، حينها طُرق باب المكتب.
“سيدتي الأدميرال، سيدي نائب الأدميرال. هناك ضيف.”
“ضيف؟ إينوك، منذ متى يستقبل الجيش ضيوفًا؟ هل تظن المكان مطعمًا؟”
“الأمر أن الضيف تابعٌ لنائب الأدميرال، وهو شخصٌ لا نملك جرأة طرده. الدوقة حضرت.”
تنهد أحدهم بجوار إليسا مباشرة. فالتفتت إليه على أثر الصوت.
الدوقة. في سيفيا، لم يكن هناك سوى شخصٍ واحد يمكنه حمل هذا اللقب. أوفيليا كارولين أوبرون.
زوجة الدوق أوبرون الحالي، ووالدة أدريان أوبرون. المرأة التي كانت تُدعى يومًا أجمل نساء المجتمع الراقي في سيفيا.
ارتسم على وجه أدريان أوبرون شيءٌ من الضيق والاستسلام.
حتى لو جاءت دون سابق إشعار، لم يكن هذا الوجه الذي ينبغي أن يوجَّه إلى أمّه. و لم تسمع إليسا قط شائعةً عن سوء علاقتهما.
“إليسا، لندع الفساتين إلى وقتٍ لاحق. لا تذهبي وحدكِ. أرجوكِ، أجّلي الأمر أيامًا قليلة، لا، ساعتين فقط.”
لم ترَ ضرورة لذلك. يمكنها أن تذهب وحدها فحسب.
وبينما همّت بالنهوض، أوقفها إينوك بإيماءة.
“ذلك لأن….الدوقة طلبت أن تحضري معها أيضًا.”
“أنا؟”
“نعم، لقد طلبت الدوقة ذلك بنفسها.”
“لا داعي للذهاب. ابقي هنا فحسب. سأعود حالًا.”
قال أدريان ذلك دون أن يلتفت حتى نحو إليسا، وكان قد همّ بالنهوض والاستعداد للخروج.
في تلك اللحظة، سُمع من خلف الباب صوتٌ مرتفعٌ لكنه ناعم.
“إن كنتُ أقول أنني أود رؤية زوجة ابني المستقبلية، فلماذا ترفض أنتَ يا أدريان؟”
عندما التفتت، وجدت أمامها امرأةً فاتنة كأنها خرجت حرفيًا من صفحات كتاب حكايات الطفولة.
شعرٌ أسود كثيف، وبشرةٌ بيضاء ناصعة، وشفاهٌ صغيرة حمراء تزيد التباين وضوحًا.
لم يكن في بشرتها، رغم عمرها، خط تجعّدٍ واحد. لم يمنحها الزمن سوى نضجٍ أنيق وهيبة سيدةٍ نبيلة.
“أمي.”
“لو لم تكن الأدميرال خطيبتكَ، لما كان عليّ أن أراها بالطبع.”
كان صوت ابدوقة أوبرون باردًا إلى حدّ القسوة حين خاطبت أدريان، لكنها حين التفتت إلى إليسا، لان صوتها حتى صار أنعم من المخمل.
“أعتذر، كان عليّ أن أنتظر، لكنني أعرف طبع ابني، فخشيت ألا يسمحوا لي بالدخول، فأزعجتُ الفارس قليلًا.”
قالت ذلك وهي تشير إلى نيكسون، الذي كان يحدّق بها مأخوذًا لا يكاد يرفع بصره عنها.
لم تكن بحاجةٍ إلى شرح لتفهم ما جرى. الدوقة استخدمت سلاح الجمال، ونيكسون سقط فيه بسذاجة تُثير الشفقة.
هكذا إذًا….هذا ما ربّيته ليكون ضابطًا في البحرية.
عندما رمقته إليسا بنظرةٍ حادة، انتبه أخيرًا وخفض رأسه مذعورًا.
ترددت لحظةً تفكر إن كانت ستستعيد زجاجة الويسكي الباهظة التي اشترتها له. لكن سحب هديةٍ أمرٌ وضيع، فقررت بدلًا من ذلك أن تُغرقه في التدريب.
“لا بأس. تفضّلي بالجلوس هنا.”
قالت إليسا ذلك وهي تنهض لتُحضِر فنجان شاي.
“آه، لا داعي للشاي. أنا لا أضع في فمي شايًا لم يُحضّر على أصوله.”
توقفت يد إليسا في منتصف الطريق. كانت جملةً مبنية على افتراض واضح: أن إليسا لا تعرف كيف تُحضّر الشاي كما ينبغي.
“حسنًا، كما تشائين.”
ارتسمت ابتسامةٌ مصقولة على شفتي إليسا. وعادت لتجلس إلى جوار أدريان دون أن تضع أمام الدوقة لا شايًا ولا حتى صحن ضيافة.
عندها، لمعت في عيني دوقة أوبرون مسحة ارتباك. فمن غير المعقول أن تُحرَم امرأةٌ بمكانتها حتى من فنجان شاي.
لكن إليسا لم تتحرك. جلست بثبات، بلا عبوس ولا انفعال، بملامح هادئة ناعمة.
هي نفسها من قالت أنها لا تريد رشفة شاي من يد لقيطة لم تتعلم أصول النبلاء. وإليسا احترمت ذوقها حتى النهاية. فلا يحق لها الآن أن تتذمر من النتيجة.
“حسنًا يا أدريان، حان دوركَ لتُجيب. هل هذه اللقيطة التي لا تحسن حتى تقديم ضيافةٍ لضيفة، هي حقًا دوقة أوبرون المستقبلية؟”
_____________________
طيب انت الي قلتي مابي 🤡
حبيت اليسا ما ارتبكت ولا زعلت الموضوع عندها عادي بلا ام واحد ماتحبه😂
اما ادريان واضح عارف امه بتجيب العيد وعنها من بدايتها اهانه
التعليقات لهذا الفصل " 43"