كانت أعظم مهمةٍ لسيد أسرة دوقية أوبرون، مهما قيل غير ذلك، هي أن يصبح قائد فرسانٍ الشمال.
ولهذا السبب، لم يكن بين ورثة الدوقية حتى اليوم من لم يتخرج من الأكاديمية العسكرية. ولهذا السبب أيضًا، أدخل الدوق أدريان إلى الأكاديمية العسكرية.
وبعد أن تخرج أدريان وتسلّم منصب قائد فرسان الشمال، أصبحت معظم المهام الموكلة إلى دوقية أوبرون تقع على عاتقه.
وكان دوق أوبرون يهيئ ابنه خطوةً بعد خطوة ليرفعه إلى مقام الوريث. إلى أن نزل عليه ما لا يُعرف له سبب، فحصل على تعيينٍ مؤقت في بحرية الجنوب.
كان يتذكر ابنه الضعيف في طفولته، فلم يرق له الأمر خشية أن يكون أدريان قد أقدم مرةً أخرى على فعلٍ طائش، لكنه في النهاية وافق.
كان أدريان ابنه الشرعي الوحيد. الابن الذي سيخلفه يومًا ما ويحمل اسم أوبرون، كان لا بد أن يكون كاملًا.
ولهذا ربّاه على هذا النحو. تربيةً لا تترك مجالًا حتى للحلم بالطيش.
إدوين أوبرون لم يثق بابنٍ وُلد من دمه، لكنه كان يثق تمامًا بالخوف الذي زرعه بيديه.
لكن ماذا؟ سيتزوج؟ ويرسل مجرد إشعارٍ كهذا؟
“من هي الطرف الآخر؟”
“إنها الآنسة النبيلة من روسيريكا.”
بالطبع، إن كانت ابنة دوق روسيريكا فذلك ليس زواجًا سيئًا.
وقد كان لدوق روسيريكا طفلان فقط، ابنة وابن.
‘ما كان اسم الابنة؟ كيينا؟ كاينا؟’
يبدو أنه سمع اسمًا كهذا قبل بضع سنوات.
لم يكن زواجًا سيئًا.
كانت جميلةً إلى حدٍّ ما، وكانت مهووسةً بأدريان، تحاول بكل السبل أن تنسج صلةً بدوقية أوبرون أو تدور حول ابنه، وهو ما بدا مبتذلًا بعض الشيء ولا يليق بلقب نبيلةٍ رفيعة.
لكن في النهاية، اسم العائلة سيغطي كل تلك العيوب، ولن يكون لذلك أثر يُذكر.
ومع ذلك، لم يفهم السبب. فهذه النوعية من النساء كانت كثيرةً بلا حصر.
كانت زوجته تحضر له عروض الزواج بلا كلل، لكن من كان أدريان أوبرون؟ كان هو من يرفض جميع تلك الزيجات، متذرعًا بحججٍ مقنعة مثل انشغاله بتدريب الوريث وقيادة فرسان الشمال.
فما الذي ميّز تلك المرأة حتى يقبل هذه المرة؟
لم يستطع أن يفهم على الإطلاق. ومع ذلك، وبينما كان يفكر أن هذا الزواج على الأقل لا يحمل خسارةً لدوقية أوبرون، قرأ كبير الخدم الرضا المتزايد على وجه الدوق، فسارع يضيف،
“الأمر هو….هي ليست الآنسة كيينا روسيريكا، بل أدميرال البحرية الجنوبية، إليسا شوتر.”
“ماذا؟”
“….…”
“لم أكن قد سمعت خطأ، أليس كذلك؟ ابني ذهب إلى الجنوب ليتزوج من لقيطة؟”
كان صوت دوق أوبرون حادًا كأنه مكسوّ بالصقيع. و كانت الخليلة الشابة تحدّق بعينيها المستديرتين وكأنها ستبكي في أي لحظة.
وكذلك كان حال كبير الخدم، فلم يكن أحدٌ في هذا المكان يرغب في الهرب بقدر ما يرغب هو.
“سيدي الدوق، أعلم أن هذا تجاوز، لكن الشائعة لم تقتصر على الجنوب فحسب، بل انتشرت بالفعل في المجتمع الراقي في العاصمة. حتى أن جلالة الملكة ذهبت بنفسها إلى الجنوب قبل مدة وهنّأت خطوبتهما مباشرة.”
“ألم تذهب الملكة إلى الجنوب لاستقبال وفد شلريد؟”
“و يقال أن الجميع شاهد الاثنين يرقصان معًا في حفل الترحيب بملك شلريد.”
لم تكن رقصةً بل قبلة، وكانت الشائعة قد انتشرت على نطاق واسع، لكن كبير الخدم لم يجرؤ على القول أن ابن الدوق أثار فضيحةً غرامية مع لقيطة، فلطّف الكلام إلى أقصى حد.
وأخيرًا، لم يتمكن دوق أوبرون من كبح غضبه المتفجر، فضرب بقبضته مسند السرير الذي كان يمنحه الراحة حتى لحظةٍ مضت.
ومع صوت الارتطام العنيف، ارتجفت كتفا الخليلة الشابة المسكينة.
“إذًا كل ما قيل عن نشره فضائح دنيئة مع لقيطة….كان صحيحًا؟”
حافظ كبير الخدم على صمته، لكن ذلك الصمت كان الجواب الأبلغ.
“لمجرد أنكَ وُلدت الابن الشرعي لأوبرون، تركتكِ تعيش براحة، وفي النهاية تجرؤ على هذا التمادي؟”
انحنى كبير الخدم بهدوءٍ وتراجع نحو الجدار. كان يعلم أكثر من أي شخص آخر كم يصبح دوق أوبرون عنيفًا حين يبلغ غضبه ذروته.
وأدركت خليلة الدوق أن بقاءها هنا لم يعد ممكنًا، فبدأت تستعد للانسحاب بصمت، وهب تكتم أنفاسها وتبحث عن شيءٍ يستر جسدها.
“أيها الوغد اللعين، أتلطخ سمعة العائلة هكذا؟”
أخذ دوق أوبرون يقذف كل ما تطاله يده.
وكادت خليلتُه الشابة، التي كانت تبحث عن ثيابها على الأرض، أن تُصاب بمنفضة سجائر زجاجية، لكنه لم يبالِ، بل ظل يزفر غضبه بلا هوادة.
وفي النهاية، طُردت خارج الغرفة كما لو كانت تُساق، دون أن تتمكن حتى من ارتداء ملابسها جيدًا.
“ظنّ أن أوبرون ستقع في يده بلا عناء، فتمادى إلى هذا الحد. يا كبير الخدم.”
“نعم، سيدي.”
“استدعِ برايان إلى الشمال فورًا. يجب أن نذكّره بأن هناك من يستطيع وراثة أوبرون غيره.”
***
لم يمضِ نصف يومٍ حتى وصل خبر أمر دوق أوبرون باستدعاء أول أبنائه غير الشرعيين، المولود قبل أدريان، إلى الشمال، إلى مسامع الدوقة أيضًا.
كانت تمشط شعرها الأسود اللامع، ذلك الذي ورثه أدريان عنها، بأناقةٍ هادئة.
كانت تلك المرأة هي أوفيليا أوبرون، ملكة المجتمع الراقي سابقًا، التي أزهرت شبابها بأبهى صورة. و رغم أنها تجاوزت الأربعين، إلا أنها ما زالت ساميةً وجميلة.
كان جميع رجال المجتمع الراقي يعشقونها. وما كانت تطمح إليه هو أعلى سلطةٍ ممكنة.
لو أن الملك الراحل وزوجته أنجبا ابنًا واحدًا فقط، لكانت قد أصبحت ولية العهد.
وُلدت ابنةً لفيكونت تيرونيا، فكان نسبها أدنى من أن تكون أميرة، لكن الجميع في المجتمع الراقي آنذاك كانوا واثقين بأنها ستغدو أسمى امرأةٍ في هذا المملكة يومًا ما.
فلم يكن هناك رجلٌ لا يقع في حب أوفيليا تيرونيا، حتى لو كان ابن الملك نفسه.
لكن للأسف، لم يُرزق الملك الراحل وزوجته سوى بابنةٍ واحدة، آن ماري، وأصبح حلم أوفيليا تيرونيا بأن تكون ولية عهدٍ بعيد المنال.
لذلك، كان خيارها التالي رجلًا سيصبح دوق أوبرون القادم.
تمّ زواج ابنة الكونت تيرونيا بابن دوق أوبرون بسرعةٍ مذهلة.
لكن المشكلة كانت في موضع آخر. يقال إن كل المجتمع الراقي أحب جمالها، إلا أن زوجها وحده لم يكن يريده. فقد كان زوجها يفصل بين الزواج السياسي والحب فصلًا قاطعًا.
إدوين أوبرون، زوجها، كان يعرض أجمل امرأةٍ في المجتمع الراقي كأنها كأس نصر، ثم يقضي ليالي الحفلات مع نساءٍ أصغر سنًا منها.
وكان الجميع يعلم بتلك الحياة المزدوجة. أولئك أنفسهم الذين كانوا يومًا يرفعونها كما لو كانت ملكة.
سُحقت كرامتها التي حكمت بها المجتمع الراقي طوال حياتها سحقًا مهينًا. وتراكمت تلك السنوات عشرًا ثم عشرين.
أنشأت لنفسها مأوى هادئًا في الجناح الداخلي لقلعة أوبرون الشمالية، وصارت تمكث هناك دون أن تخرج إلا نادرًا.
وكان عزاءها القليل في زواجها أن زوجها لم يُسجّل أبناءه غير الشرعيين من الخليلات في السجلات، وأن لديها ابنًا واحدًا فقط يحمل اسم أوبرون الشرعي.
نعم، كان لأوفيليا أوبرون ابن. الابن الذي كان يليق بمنصب دوق أوبرون أكثر من أي أحد، أدريان أوبرون، كان ابنها هي.
ولكن، ماذا قيل الآن؟
“آنا، أعيدي الكلام.”
“سٌ، سموّ الدوق أ، أمر باستدعاء بـ، برايان إلى الشمال.…”
اختفى التعبير عن وجه أوفيليا أوبرون، التي كانت تبتسم برقةٍ أمام المرآة. وحين تسللت البرودة إلى ملامحها الأنيقة، تجمّد جسد آنا، تلك الوصيفة المتدنية المرتبة.
رفعت أوفيليا أوبرون المشط الذي كانت تمسكه، وقذفته بقوة نحو المرآة. ومع صوت تصدّعٍ حاد ناتجٍ عن اصطدام مشط البلوط بالزجاج، تشققت المرآة التي كانت تعكس صورة دوقة أوبرون.
“سـ، سيدتي! انتبهي، ستُصابين-”
“ماذا قلتِ الآن؟ أدريان، ابني، ما زال حيًا وبخير، ومع ذلك يُدخل برايان إلى أراضي الشمال؟ ذلك اللقيط الحقير؟”
قطع الصراخ الهستيري كلمات الوصيفة. و لم تُبالِ أوفيليا أوبرون حتى بيدها التي بدأت تتلطخ بالدم، وأخذت تضرب المكتب المكدّس بشظايا المرآة المحطمة ضربًا عنيفًا.
تطاير الزجاج في كل اتجاه. و لم يكن أمام الوصيفات الصغيرات سوى أن ينكمشن كالسلاحف، يحدّقن في المشهد بذعر، ويصلّين فقط ألا تطير شظايا الزجاج لتغرس في وجوههن.
لم تكن هناك وصيفةٌ واحدة تستطيع الفرار من هذه الغرفة بعد أن أُثيرت أعصاب سيدتها إلى هذا الحد.
“لماذا بحق ذاك الوغد! كيف يجرؤ ذو الأصل القذر الذي لا يملك أي أهليةٍ على أن تطأ قدماه أرض أوبرون! وابني حيّ وبخير، فلماذا!”
حبست الوصيفات أنفاسهن أمام الدوقة التي انفجرت فجأةً بطبعها العصبي الحاد.
“ألم تحضري أي معلوماتٍ أخرى؟!”
في النهاية، تقدّمت آنا، التي كانت أول من نقل الخبر، بخطواتٍ مترددة.
ثم رمقت الوصيفات الأخريات بنظراتٍ تستجدي النجدة، لكن لم تجبها أي عين.
“يـ، يقولون إن السيد الشاب سيتزوج لقيطةً من روسيريكا. و، ولهذا غضب سموّ الدوق، فأمر باستدعاء برايان!”
“لقيطة من روسيريكا؟”
“نـ، نعم.”
ما إن سمعت أوفيليا أوبرون ذلك حتى هدأت نظرتها الشرسة بسرعة.
ومع ذلك، لم يكن من الممكن الاطمئنان بعد. فهذا الوجه بالذات، حين يتخذ هذا السكون، لا يختلف عن قنبلةٍ موقوتة.
“إذًا، لا بد أن الدوق قد أساء الفهم. لا يمكن أن يفعل أدريان ذلك. فذاك الطفل وُلد ليصبح دوق أوبرون.”
لا يمكن أن يفعل ذلك. نعم، لا يمكن.
راحت دوقة أوبرون تهمس بذلك مرارًا. لكن كلماتها لم تكن سوى إيحاءٍ للنفس، بعيدةً كل البعد عن الحقيقة.
وبينما كانت آنا تراقب مزاج سيدتها، ترددت مراتٍ عدة قبل أن تفتح فمها أخيرًا.
“سـ، سيدتي….يقال أن طلب الزواج هذا قد نال بالفعل موافقة جلالة الملكة.”
____________________
مره واو آن ماري هي الأميره وصارت ملكه حسبتها بلا وحده جت تزوجت الملك
التعليقات لهذا الفصل " 42"