“إليسا، أجيبي. إذا التزمنا بذلك الشرط فقط، فهذا يعني أننا لن نحتاج إلى الطلاق طوال حياتنا، أليس كذلك؟”
كانت نظرته ملحّة، كأنه يستعجلها. بدا وكأنه ينتظر بلهفةٍ أن تخرج من فم إليسا كلمة: نعم.
تساءلت إليسا فجأة. كم سنةً يظن أدريان أوبرون أن لصلاحية قلبه؟ وبأي خفةٍ ينطق بكلمة الأبدية؟
كادت تنهيدةً أن تفلت منها. لكن على النقيض تمامًا من مشاعرها، ارتسمت على شفتي أدريان أوبرون ابتسامةٌ منعشة.
ابتسامةٌ تشبه نسيم بحرٍ في عزّ الصيف، ابتسامةٌ لو رأتها كيينا لابتسمت تلقائيًا مثلها.
لا، ربما ليست كيينا وحدها، بل أي امرأة، حتى لو لم تكن تحبه، لا بد أن تقع في الحب عند رؤية ذلك التعبير.
لو لم تكن إليسا شوتر، لكان قد نال حياةً زوجية أكثر سعادة. كان يمكنه أن يتخذ زوجةً تبتسم له كلما ابتسم.
‘لكن، لماذا أنا بالذات؟’
كانت إليسا واثقة. هذا الزواج سيكون تعاسةً لكليهما.
وهي ستصارع بكل ما أوتيت لتكون الأقل تعاسةً بينهما، لذا سيكون أدريان أوبرون هو الأشد بؤسًا.
لكن أدريان أوبرون، على ما يبدو، لم يكن يشاركها هذا الرأي، إذ لم تفارق وجهه ابتسامته المليئة بالرضا.
“حسنًا. أستطيع توقيع العقد حالًا.”
“أحب سرعتكَ في الحسم. إذًا سأغادر. كل طعامكَ قبل أن تذهب. ولا تنسَ أن ترسل العقد لاحقًا مختومًا بالختم.”
قالت إليسا ذلك ونهضت من مكانها. فهي لم تفكر منذ البداية في الجلوس معه لتناول الطعام بهدوء. و لم تكن تمتلك سعة صدرٍ تسمح لها بذلك.
لكن أدريان أمسك بها قبل أن تستدير وتغادر بلا أي تردد. فنظرت إليسا إلى معصمها الممسك به، ثم نفضت يده عنها بحدة.
“ماذا تفعل؟”
“على أي حال، لا بد أنكِ ستأكلين. كلي ثم اذهبي.”
“لا. ولماذا أفعل؟”
“انظري هناك. إن غادرتِ هكذا، ستنتشر شائعة أننا تشاجرنا في الوحدة، أليس كذلك؟ حتى لو لم يكن شولتز توغراهان ولا جلالة الملكة يراقباننا، أليس من الأفضل إدارة الأمور كي لا تدور أحاديث لا داعي لها؟”
كان أفراد البحرية قد دخلوا بالفعل بعد انتهاء دوامهم لتناول الطعام.
وكأنهم رأوا أنه لم يعد هناك ما يخفى، أخذوا يهتفون بكلماتٍ مثل: “تبدوان رائعين يا سيدتي الأدميرال!”
بل وبدأ بعضهم يطلق الصفير.
“أدميرالنا ستتزوج!”
صرخ أحدهم، وهو فظّ الظل بطبعه، موجّهًا كلامه إلى روّاد المطعم، حتى أن من كانوا يتناولون طعامهم أخذوا يصفقون ويوجهون التهاني لهما.
وبسبب ذلك، اضطرت إليسا إلى ابتلاع تنهيدتها والجلوس مجددًا.
حينها، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة، ناولها أدريان قائمة الطعام.
“ماذا ستأكلين؟”
“أي شيءٍ أستطيع أن أنهيه وأغادر بأسرع وقت.”
توقفت أصابع أدريان، وهو يمسك بقائمة الوجبات الكاملة، للحظة. ثم طواها وطلب أطباقًا فردية.
و عندما مدت إليسا يدها لتشرب الماء، أمسك أدريان بيدها وشبك أصابعه بأصابعها. فتوترت حواسها عند الإحساس بتداخل الأصابع.
كانت يد أدريان أبرد بكثيرٍ من يدها. ربما لهذا السبب انتابها ذلك الإحساس القشعريري، المشابه لما شعرت به عندما قبّل خط ظهرها.
ليس لسببٍ آخر. فقط لأن يده كانت شديدة البرودة.
شعرت إليسا بملمس معدن بارد بين أصابعها. وانساق نظرها لا إراديًا إلى الأسفل أمام ذلك التباين الواضح مع دفء بشرته.
في يد أدريان كان هناك خاتمٌ لم يخلعه منذ اليوم الذي جاء فيه إلى الجنوب. وبدا ذلك الخاتم، على نحوٍ لافت، لامعاً مقارنةً مع يدها الخالية.
عندما كان شولتز توغراهان يقيم في روسيريكا، كانت تحرص على ارتدائه بانتظام، لكنها خلعته فور عودته إلى شلريد، حتى أنها لم تعد تتذكر أين وضعته.
ثم استقر نظر أدريان طويلًا على بنصر إليسا الخالي.
كانت اختلافات القلوب تظهر في مثل هذه التفاصيل.
ثم أخذ يلمس بحنانٍ الموضع الذي كان يحتضن حتى أيامٍ قليلة مضت خاتمًا كان يشكّل زوجًا لخاتمه.
“ماذا تفعل؟”
“هناك كل هذه العيون تراقبنا، ألا ينبغي أن نؤدي دورنا على الأقل؟”
“الآن؟ بعد أن عاد شولتز توغراهان؟”
“لم يعد بإمكاننا فسخ الخطوبة. لقد أبرمنا عقدًا بالفعل. حتى لو لم نكتب العقد بعد، فهو بمثابة اتفاقٍ شفهي. ما لم أقم بسحبكِ قسرًا من منصب الأدميرال وأجركِ إلى الشمال، فلن يكون هناك طلاقٌ ولا فسخ خطوبة. أنتِ ملتزمةٌ بما قلتِ، صحيح؟”
“أنا تحدثتُ عن الطلاق فقط. بصراحة، لو فسخنا الخطوبة فلن أضطر للالتزام بتلك الشروط السخيفة، لذلك قلتُ لكَ فكر مرة أخرى.”
“لا أفكر في ذلك إطلاقًا. وإن أردتِ فسخ الخطوبة، فعليكِ أن تقنعي جلالة الملكة بنفسكِ.”
رغم أن العقد لم يُكتب فيه حرفٌ واحدٌ بعد، إلا أن أدريان أوبرون كان يتشبث بتلك الشروط كما لو أنها آخر ما يملكه ليبقى معها.
كانت تلك الشروط أقرب في الأصل إلى وسيلةٍ تجعله ينطق بكلمة الطلاق يومًا أبكر، ولم يخطر ببالها أنه سيستخدمها بهذه الطريقة.
وفي أثناء تبادلهما الحديث، كانت موائد البحارة الذين طلبوا طعامهم فور دخولهم الكافيتيريا قد امتلأت بأكوامٍ من الأطباق.
وبعد أن التهموا ذلك الطعام في لمح البصر، راحوا يرمقون هذا الجانب بنظراتٍ فضولية.
“آه، العيون هنا كثيرةٌ جدًا.”
“إذًا، هل نختار القصر في إنغران ليكون بيتنا الزوجي؟”
“….…”
أمام هذا السؤال الذي يرسم المستقبل بكل بساطة، فقدت إليسا القدرة على الرد.
“هناك على الأقل مسافةٌ عن القاعدة البحرية، ألن يضمن ذلك بعض الخصوصية لنا؟”
هزّت إليسا رأسها بقوةٍ بعد لحظةٍ من الذهول.
لم تكن قد اعتادت على أدريان بعد. و بدت كلمة “نحن” التي خرجت من فم أدريان، تلك الكلمة التي تشبك بينهما كشخصين، وكأنها لغةٌ أجنبية على مسامعها.
وعلى العكس من ذلك، أجفلت حتى من وهمٍ رأته، إذ خُيّل إليها أن عيني أدريان الحمراوين تلمعان ببريقٍ واضح.
هل كان ينظر يومًا بهذه النظرة الوديعة؟
“….هل كنتَ أصلًا بهذا الطبع؟”
“بما أن كل شيءٍ قد انكشف، أليس من الأفضل أن نفعل ما كنا نريد فعله ولم نستطع؟”
“….…”
عاد إليها جوابٌ في غاية الوقاحة.
استفزّها التعبير الهادئ الراضي على وجه أدريان. وعقدت إليسا عزمها على ألا تترك قلبه المكشوف يتحول أبدًا إلى ورقةٍ رابحة في يده.
“حقاً؟ أنتَ من قلتَ من قبل، لماذا لا أسأل منذ متى بدأتَ تحبني؟”
“أتسألين الآن؟ أيمكنني أن أجيب؟”
اتسعت عينا أدريان قليلًا، وبرزت عروق يده كما لو كان متوترًا. ومع ذلك، كان في ملامحه أملٌ لم يستطع التخلي عنه.
“لا، ليس الآن.”
“إذًا، متى؟”
“عندما تفسخ خطوبتكَ معي. حينها سأَسأل، وأريدكِ أن تجيب.”
لو استمر في دفع الخطوبة بهذا الشكل، فهذا يعني أنه سيفقد إلى الأبد فرصة شرح مشاعره لإليسا.
عندها فقط، أطبق أدريان شفتيه بإحكام. وبدا وكأن القوة انسحبت على نحوٍ غريب من عينيه الحمراوين اللامعتين كالجواهر.
وعند رؤيتها لذلك، ابتسمت إليسا ابتسامةً خفيفة، كما لو أنها نالت ما أرادت. ففي هذا الزواج، لم تكن تنوي أن تكون التعيسة الوحيدة أبدًا.
فأنهت إليسا طبق الستيك بشهية، ثم غادرت المطعم.
***
مهما كان الطقس قريبًا من الصيف، فإن أوبرون الواقعة في أقصى الشمال كانت تتلقى رياحًا باردةً تنحدر من جبال نيبيروآ.
لكن غرفة دوق أوبرون كانت خانقةً إلى حدّ يُشعِر بالحر، ممتلئةٌ برائحة العطر الدهني الثقيلة.
“سيدي الدوق، لا يجوز هناك.”
“وهل في جسدكِ موضعٌ لا يحق لي أن أطمع فيه؟”
“صحيح. هذا الجسد كله ملكٌ لسعادة الدوق. إذًا تفضل، خذني.”
كان دوق أوبرون، رغم تجاوزه الخمسين، يتمتع ببنية جسدية مهيبة.
وعلى النقيض، بدا جسد المرأة ذات الوجه الغضّ الذي لم تفارقه بعد ملامح الصبا أبيضَ وصغيرًا على نحوٍ لافت.
في تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة المظلمة، وتسرب ضوءٌ شاحب إلى الداخل. وفي الفجوة التي دخل منها الضوء، راحت رائحة العطر المختلطة بالغبار تسبح كسراب.
دخل رئيس الخدم، الذي خدمه أطول زمنٍ في بيت أوبرون، على عجل، ثم ما إن لمح سيده ملتصقًا أكثر من اللازم بعشيقته حتى استدار بسرعة.
“أ، أعتذر يا سموّ الدوق. لكن لدي رسالةٌ من السيد الشاب الموجود في الجنوب….”
“ألهذا السبب التافه تجرؤ على مقاطعتي الآن؟”
“ذلك لأن….سيدي الشاب الصغير يقول أنه سيتزوج. وقد تم تحديد موعد حفل الخطوبة بالفعل.”
“هاه، حتى موعد خطوبة ابني يُحدد من دون علمي؟”
ما إن ذُكر ابنه الشرعي حتى ابتعد دوق أوبرون عن المرأة.
وحين غاب جسده الذي كان يخفيها، أطلقت صرخةً خفيفة وحاولت تغطية نفسها بالبطانية الرقيقة.
لكن دوق أوبرون تلقّى التقرير بهدوءٍ معتاد. لم يكن ارتباك الخادم المخضرم الذي عجز عن إخفائه، ولا انحناء العشيقة الشابة التي خجلت حدّ دفن رأسها، مما يستحق أن يضعه في اعتباره.
لقد تكررت مثل هذه الأمور مراتٍ لا تحصى. ولم تكن هذه المرأة أول خليلة يتعرض لها هذا الموقف، وعلى الأرجح لن تبقى في ذاكرته سوى لبضعة أشهرٍ أخرى.
منصب دوق أوبرون منحه سلطةً لا تُلزم صاحبها بمراعاة مشاعر الآخرين. حتى لو كانت تلك مشاعر دوقة أوبرون نفسها، فلا استثناء.
“أصرّ على الذهاب إلى الجنوب بلا داعٍ، وفي النهاية يجرّ علينا هذه الفضيحة.”
نقر لسانه متذمرًا، ثم أطلق حكمه القاسي على ابنه الشرعي الوحيد.
______________________
ليت المؤلفة هجدت وخلتنا مع ادريان واليسا وع شذا القرف الي طلع
حسبت ابوه بس بارد ولا عليه طلع خناز زي ابو اليسا
شسالفة الي شايلين اسم الدوق في ذا الروايه كلهم يع
المهم اليسا تضحك حتى بعد كل ذاه قاعده تجلد ادريان😭
التعليقات لهذا الفصل " 41"