شولتز توغراهان استعد في اليوم التالي مباشرةً للعودة إلى شلريد.
ى بسبب الجدول الذي تقلّص فجأةً انشغل وفد شلريد الدبلوماسي كما انشغل دبلوماسيو سيفيا.
الأمر نفسه انطبق على إليسا والبحرية. فقد اختاروا يومًا هادئ الموج، وانتقوا الأسطول والجنود البحريين الذين سيحمون ملك شلريد حتى يغادر المياه الإقليمية لسيفيا.
وهكذا، بعد ثلاثة أيام، وفي يومِ ساكن الريح صافٍ عالِ السماء، أبحرت سفن شلريد.
خرجت ملكة سيفيا بنفسها إلى الميناء لتوديعهم. وعاد وفد شلريد مرتدين الملابس التقليدية تمامًا كما قدموا أول مرة. وكان شولتز توغراهان كذلك.
الثوب المصنوع من قطعة حريرٍ طويلة واحدة كان أفضل ما يُظهر جسده الضخم الممتلئ بالعضلات. كما ظهر بوضوحٍ رمز العائلة الملكية المنقوش عند أعلى صدره.
تقدمت الملكة خطوةً إلى الأمام نحو شولتز توغراهان.
“آمل أنكَ قضيتَ وقتًا طيبًا في سيفيا.”
“ما قضيته برفقة الأدميرال شوتر ترك لي ذكرياتٍ رائعة عن سيفيا، فلا تقلقي.”
قال شولتز توغراهان ذلك ثم جذب إليسا، التي كانت تقف خطوةً خلف الملكة، إلى أمامه.
و نتيجةً لذلك ظهر الضيق للحظةٍ في ملامح أدريان الواقف بجوارها، لكن شولتز توغراهان تجاهله بخفة.
وحين تلقّت إليسا الشيء بدهشة، شهق مساعده من الخلف بخوفٍ مكتوم. ومن ردّة فعله بدا واضحًا أن هذا الشيء ثمينٌ رغم مظهره البالي.
“إن احتجتِ يومًا إلى مساعدتي، فتعالي بهذا معكِ. عندها ستقف شلريد كلها إلى جانبكِ.”
“لا أدري إن كان يليق بي قبول شيءٍ ثمينٍ كهذا وأنا لم أفعل ما يستحقه.”
وحين انحنت إليسا قائلةً ذلك، جُذبت فجأةً إلى الأمام.
و غطى ظل جسد شولتز توغراهان جسدها. و لف ذراعه السميكة حول خصرها.
حدث ذلك في ومضة. ثم انحنى نحوها وهمس عند أذنها،
“سامحيني على قلّة الأدب، لكن لم يكن أمامي طريقةٌ أخرى لأقول لكِ هذا. هذا شيءٌ يعود لوالدتي. وإن كان لا بد أن أعهد به لشخصٍ ما، فأنا أطمع أن يحمله شخصٌ يعرف لماذا تقع عاصمة شلريد قريبًا من البحر.”
لامست مفاصل أصابعه الخشنة رقبتها برفقٍ ثم ابتعدت. و كانت لمسته، خلافًا ليديه القويتين، حذرةً للغاية.
حاول أدريان منع إليسا التي جذبها شولتز توغراهان، لكن الوقت كان قد فات. وفي لحظةٍ كانت القلادة قد عُلقت على عنق إليسا الأبيض.
“ما هذا التعدي؟”
خفض أدريان صوته لكنه كان حادًا قاتمًا كأنه سيشهر سيفه في أي لحظة. بينما وقفت إليسا بحيث تحجب وجهه عن أعين أعضاء الوفد خلفهما.
“توقف يا أدريان أوبرون.”
همست إليسا بخفوت، فتحولت نظراته المليئة بالتهديد إلى نظراتٍ امتزج فيها الغضب بالغيظ وهو يحدق بها.
“أي تعدٍ هذا؟ كل ما فعلته أنني قدمت هديةً تليق بالأدميرال شوتر.”
ابتسم شولتز توغراهان بهدوءٍ مستفزًا أدريان.
“جلالتك، يكفي هذا. لقد اعترفتَ بنفسكَ بأن تصرفكِ كان غير لائق.”
وعلى كلمات إليسا رفع شولتز توغراهان يديه وتراجع خطوتين إلى الخلف، بينما أمسكت إليسا بمرفق أدريان وأعادته معها إلى مكانه.
ومن بعيد بدا الأمر مجرد تبادلٍ بسيط للهدايا.
“إنها جميلة، لكنها أثمن من أن أحتفظ بها. سأعيدها.”
“لا حاجة لذلك. إنها تناسب الأدميرال شوتر كثيرًا. وأتمنى أن تعلمي أنني سأنتظر اليوم الذي تأتين فيه إلى شلريد.”
وعندما قال أنها تليق بإليسا، وقع أدريان مجددًا في فخ استفزازه.
“وما احتمالية أن تزور الأدميرال شوتر شلريد بشكلٍ غير رسمي؟ الأفضل أن تستردها. وإن كانت ذات معنى كهذا فلا يمكن قبولها.”
“ومن يدري ما الذي يخبئه المستقبل؟”
قال شولتز توغراهان ذلك مبتسمًا لأدريان ابتسامةً استفزازية.
“ثم كيف لملكٍ أن يسترد هديةً منحها بالفعل؟ إن هذا مزاحٌ مبالغٌ فيه.”
تذرّع شولتز توغراهان بمكانته الملكية ليُخرس أدريان.
كان يعرف كيف يستعمل مكانته في الوقت المناسب حقاً.
“إذاً، أتمنى لكم الصحة والسلامة.”
قال ذلك ثم استدار وصعد إلى السفينة.
وبعد لحظات انطلق صوت البوق العالي يخترق الأذن، وأبحرت سفن شلريز. كانت عشرات السفن تشق بحر روسيريكا وهي تتخذ شكل الحرف V متقدمةً إلى الأمام.
ظل أدريان أوبرون يحدق بالبحر حتى غابت سفن شلريد عن الأفق. وكان يمكن قراءة استيائه بوضوحٍ على وجهه.
فمنذ أن انكشف قلبه أمام إليسا، لم يعد يكلف نفسه حتى عناء إخفائه.
هل كان بهذه السهولة في قراءة مشاعره دائمًا؟ تساءلت إليسا إن كان هذا هو أدريان أوبرون نفسه الذي كانت تعرفه، أم ذلك الرجل الذي اعترف لها بحبه صار شخصًا آخر.
“وأخيرًا انتهى الأمر. لقد بذلتما جهدًا كبيرًا.”
بعد رحيل شولتز توغراهان وتنظيم الأوضاع في الميناء، اقتربت الملكة آن ماري من إليسا وأدريان.
“لا يا جلالتك. كل الفضل لرعايتكِ لكل شيء.”
فلوّحت الملكة بيدها تنفي المجاملة.
“كفّي عن هذا الكلام، لقد سئمتُ سماعه في القصر بما فيه الكفاية. لستُ بحاجةٍ لأن تضيف الأدميرال كلامًا مشابهًا. على كل حال، أيتها الأدميرال شوتر، ماذا دار بينكِ وبين شولتز توغراهان على الشاطئ ذلك اليوم؟ ماذا قلتِ له ليقتنع ذلك الرجل العنيد فجأةً ويتراجع بهذا الشكل؟”
“لم أفعل شيئًا. فقط….جلالة ملك شلريد تفهّم كم أحب أدريان فحسب.”
“هراء. ذلك الرجل لم يصدق حتى اللحظة الأخيرة أنكِ تحبين أدريان أوبرون. لو صدّقكِ لما تفوّه بسخافته تلك ودعاكِ لزيارة شلريد.”
ولأن كلامًا فظًا كهذا لم يكن معتادًا من الملكة، وضعت وصيفتها يدها على جبينها بقلق.
“يا جلالتك.…”
“حسنًا، مادمتِ لا ترغبين في الكلام فلن ألحّ عليكِ. المهم أن المزعج قد اختفى الآن، وعلينا أن نبدأ الاستعداد رسميًا لحفل الخطوبة، أليس كذلك؟”
“نعم، سنبذل كل ما بوسعنا.”
كان هذا الجواب من أدريان لا من إليسا. وعندما رأت إليسا دوق روسيريكا يبتسم برضا لجواب أدريان، تمنت لو تختفي من مكانها.
“إذاً، حان وقت عودتي إلى العاصمة لرؤية ابنتي. وسأرسل لكما هدية خطوبةٍ مناسبة من القصر.”
ومع مغادرة الملكة بدأ سائر النبلاء أيضًا بمغادرة الشاطئ الذي كانت تفوح منه رائحة البحر.
ثم اقترب أدريان من إليسا وهو يراقب العربات تغادر الميناء.
“هل ستحتفظين بتلك؟”
وأشار بذقنه إلى القلادة التي تلقتها تـوًا من شولتز توغراهان.
“ولِمَ لا أحتفظ بها؟”
“ولماذا ستذهبين إلى شلريد أصلًا؟ كم احتمال أن تذهبي لملاقاة شولتز توغراهان هناك؟”
كانت إليسا تفكر بالطريقة نفسها.
البحر الذي تحبه كان في روسيريكا. المشكلة الوحيدة أن أكثر شخصٍ تبغضه موجودٌ هنا أيضًا.
لكنها أجابت،
“الآن أنتَ متشبثٌ بي وتريد الزواج مني، لكن لو تغيّر قلبكَ يومًا؟”
“لن يحدث ذلك.”
“لم يمضِ عليكَ سوى شهرٍ في روسيريكا. وخلال هذا الشهر فقط قلت أنكَ تحبني….أنتَ الذي كنت تحتقرني وتزدريّني سابقًا. ما أسهل أن يتغير قلبٌ بهذه الخفة.”
نظر أدريان إلى إليسا بشفاهٍ مطبقة، وفي عينيه الحمراوين بريق مشاعر عميقة على غير عادته.
‘ما الذي يضايقه هكذا؟ هل جرحتن لأنني قلتُ أن قلبه متقلب؟ لكن….أليس هذا واقعًا؟’
“شيءٌ يحمل وعد ملك شلريد يضمن لي أكثر من قلبكَ المتقلب. وإن تغيّر قلبكَ فسأكون أنا من يتحمل غضب أسرة أوبرون والملكة. لا أحد سيوجه اللوم لصاحب مستقبل بيت أوبرون.”
أمام نظرات إليسا الهادئة التي لم تقل سوى قول الحقيقة، لم يستطع أدريان سوى أن يقبض يده بإحكام ويحول وجهه بعيدًا.
_____________________
ليه ماتشرح ليييييبييه؟! ماخذ دور البطله وانت مدري؟😭
التعليقات لهذا الفصل " 37"