منذ لحظةٍ ما بدأ يُسمع صوت حوافر خيلٍ كأنها تطارد العربة. وكان الإحساس القادم من الخلف موجّهًا بوضوحٍ نحو أدريان وإليسا.
فطرق أدريان على جدار العربة بطرف أصابعه.
“هناك من يتبعنا من الخلف. تخلّص منه.”
ثم عادا إلى الجلوس، لكن أعصاب كلٍّ من إليسا وأدريان كانت مشدودة.
كان من يلاحقهما يركض ممتطيًا حصانًا. لا يتجاوزهما ولا يبتعد، بل يحافظ على مسافةٍ ثابتة، يطاردهما كما يُساق الطريد في الصيد.
لم يكن خصمًا يستطيع سائق عربةٍ عادي الإفلات منه.
“هل يخطر ببالكِ من يكون؟”
“شولتز توغراهان.”
“ماذا؟”
“لقد تلاقت أعيننا قبل أن نصعد إلى العربة. لم يكن شكًّا، بل يقين.”
‘يبدو أن هذا العرض اللعين قد انكشف بالكامل.’
فكّرت إليسا للحظة ثم عادت لتتكلم.
“لا يمكننا الذهاب إلى القاعدة البحرية. لا يجوز كشف موقعها لملك شلريد.”
قالت ذلك وفتحت النافذة الأمامية منادية السائق.
“غيّر الوجهة إلى ميناء هولدن. خذ طريق الساحل الغربي الملاصق للميناء. سأدفع الأجر مضاعفًا.”
“نعم، مفهوم.”
كان ميناء هولدن أعظم مدينةٍ تجارية في روسيريكا.
ومع تجمع هذا العدد الهائل من الناس، ازدهرت السياحة بدورها. وأصبح الساحل الغربي لهولدن مقصدًا سياحيًا مشهورًا بغروب الشمس.
أومأت إليسا برأسها. وما إن أُغلقت النافذة وانطلقت العربة مجددًا حتى نظر أدريان إليها باستغراب.
عند تلك النظرة الغبية تنهدت إليسا.
“ولماذا هولدن؟”
“إذا كان شولتز توغراهان قد أدرك أننا نمثّل، فعلينا أن نُمعن في التمثيل. لنواصل التظاهر بالجهل حتى النهاية.”
“ولهذا تريدين أن تذهبي معي في موعد؟ وبإرادتكِ؟”
“طبعًا، هل هناك طريقةٌ أفضل من هذه؟”
لم يجد أدريان ما يقوله، فتجنب على استحياء نظرة إليسا الباردة. وكان طرفا أذنيه قد احمرّا خجلًا.
و بعد مسيرٍ طويل، ما إن دخلوا شاطئ هولدن حتى تعالت من خارج العربة أصوات المساومات وصخبٌ شتّى.
بينما كان أدريان يدفع الأجرة للسائق، نزلت إليسا أولًا من العربة. وبحدسها التقطت فورًا أثر شولتز توغراهان.
كان يحاول إخفاء وجوده خلف المباني، لكن إليسا كانت جندية. وأدركت في الحال أنه يراقبهما.
ما إن نزل أدريان من العربة حتى أمسكت إليسا بذراعه وسحبته، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ عريضة.
“إلى أين نذهب هذه المرة؟”
“لنتمشَّ أولًا؟”
ولحسن الحظ، لم يتصرف أدريان أوبرون بغباءٍ كما فعل في العربة، بل التقط كلام إليسا بسرعة.
اتجه الاثنان نحو الشاطئ. فقد أرادت أن يظهرا بوضوحٍ على الرمال الممتدة، كي لا يتمكن شولتز توغراهان من الاختباء بين المتاجر.
إن لم يعد قادرًا على تعقبهما سرًا، ألن ينسحب من تلقاء نفسه؟
راودها هذا الأمل لبرهة. لكن شولتز توغراهان تصرّف على عكس ما توقعت تمامًا.
“ألم تكوني تعلمين منذ وقتٍ طويلٍ أنني أتبعكِ، يا أدميرال شوتر؟”
“تشرفت بلقاء ملك شلريد. كيف جئتَ إلى هنا بمفردكَ؟ لو أخطرتنا مسبقًا برغبة جلالتك في رؤية مناظر هولدن، لكانت جلالة الملكة قد أعدّت مكانًا مناسبًا.”
اختارت إليسا أن تمحو كل ما جرى اليوم، وأن تتصرف كما لو أنها ترى شولتز توغراهان لأول مرة.
فارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على وجه شولتز توغراهان وهو ينظر إليها. لقد قدّر نية الأدميرال شوتر، لكنه لم يكن لينوي التفريط بهذه الفرصة التي نالها بشق الأنفس.
“حسنًا، فلنفترض أننا التقينا مصادفةً اليوم. نعم، ألم تتساءلي سابقًا لماذا تختلف عاصمة شلريد عن عاصمتي الحالية؟ أيمكنني أن أخبركِ الآن بالسبب؟”
تصرف وكأنه بمفرده مع إليسا في هذا المكان. وكأن أدريان أوبرون، الملتصق بها منذ قليل والممسك بذراعها، غير موجود، مستبعدًا إياه من كل حديث.
“حكاية تأسيس شلريد يرويها الملك المؤسس بنفسه؟ هذا يثير الفضول.”
“إذًا، إن منحتني من وقتكِ-”
“لكنني الآن أقضي وقتي مع خطيبي. سأنتظر أن تتفضل جلالة الملكة بإعداد مناسبةٍ أخرى لتلك القصة.”
“أعدكِ، ستكون هذه الأخيرة. وسأسحب خطاب الخطبة الذي قدمته إلى ملكة سيفيا، كي لا تضطري أنتِ ونائب الأدميرال إلى تمثيل مسرحياتٍ كهذه مرة أخرى.”
“لقد قلتُ مرارًا أنها ليست تمثيلًا—”
قال أدريان ذلك محاولًا أن يتقدم ويفصل بين شولتز توغراهان وإليسا، لكن إليسا كانت أسرع حين أمسكت بذراعه.
“إذا منحتكَ وقتي هذه المرة فقط، فلن تتدخل بعد الآن بيننا. لقد تعهّد الملك بذلك صراحة.”
“نعم. أقسم باسم شلريد.”
ثم خرج ردّان مختلفان في آن واحد من فمي إليسا وأدريان.
“سأصدقكَ.”
“وكيف يمكن تصديق هذا الكلام؟”
كان الإيجاب لإليسا، والنفي لأدريان.
‘وأخيرًا، لقد جُنّ هذا الفتى فعلًا.’
فكّرت إليسا وهي ترفع نظرها إليه بذهول.
ملك دولةٍ يقسم باسم مملكته، ومع ذلك يقول أنه لا يستطيع تصديق ذلك؟ أي كلامٍ هذا؟
“لقد كنتُ أتحدث إلى الأدميرال شوتر. لا حاجة لإجابة نائب السيد أوبرون.”
لاحظت إليسا أن عيني أدريان كانتا مقطّبتين على نحو يوحي بانزعاج حقيقي. وعندها أدركت. مهما أتقنت التمثيل، فلن تصل إلى مستواه.
لقد كان مختلفًا في أدق التفاصيل حقاً.
وفي النهاية، وقبل أن ينغمس أدريان أوبرون أكثر في الدور وينطق بكلامٍ أشد وقاحة، كان على إليسا أن تسيطر على الموقف.
حين همست بذلك وهي تقترب من صدره حتى كادت تلتصق به، أومأ أدريان برأسه كالمسحور. و بدا وكأن عنقه احمرّ قليلًا.
حقًا، كان أدريان ممثلًا بارعًا. وربما كانت إليسا قد اعتادت هي الأخرى على هذا التمثيل اللعين.
فلو أخبر أحدٌ إليسا قبل خمس سنواتٍ أنها ستهمس يومًا بكلماتٍ كهذه لأدريان أوبرون، لما صدّقت أبدًا.
تركت إليسا أدريان، الذي كان لا يزال يومئ برأسه كالمسحور بكلماتها، وتقدّمت نحو شولتز توغراهان.
“فلنذهب معًا.”
“حسنًا.”
بدلًا من السير على ساحل هولدن مع أدريان أوبرون، انتهى بها الأمر أن تمشي هناك مع شولتز توغراهان.
مدّ شولتز توغراهان ذراعه اليمنى طالبًا مرافقتها. فشعرت بنظرةٍ حادّة من الخلف تلاحق ابتعادها مع شولتز توغراهان.
“أنا لا أرتدي فستانًا الآن.”
قالت إليسا ذلك ورفضت مرافقته بأدب. فتردد شولتز توغراهان قليلًا، ثم أومأ برأسه وسحب ذراعه.
ظلّ نظر أدريان يتبع ظهرها، يلوح خلفها، حتى كاد الاثنان أن يغادرا الشاطئ تمامًا ويصلا إلى الرصيف حيث ترسو سفن الصيد قرب الميناء.
“الآن لم يبقَ سوى نحن الاثنين، ألا يجدر بكِ أن تكوني أكثر صراحة؟”
“لقد أجبتُ الملك شولتز توغراهان دائمًا بصدقٍ كامل.”
“إذًا، ما سبب رغبتكِ في البقاء في سيفيا، إلى حد الزواج من أدريان أوبرون، رغم أنكِ لا تحبينه؟”
“أما زلتَ تراني كمن لا تحب خطيبها؟”
كان سؤالًا إيحائيًا فجًّا. بل إن إليسا شعرت بالضيق من أن شولتز توغراهان، الذي راقب كل شيءٍ منذ حفلة السفينة وحتى مسار موعد اليوم، لا يزال عاجزًا عن تبديد شكوكه.
ومع ذلك، لا بد أن رجلًا كهذا هو من قاد استقلال شلريد عن إمبراطورية إستروا.
“إذًا دعيني أسأل بطريقةٍ أخرى.”
“تفضل.”
“منصب ملكة شلريد سيمنحكِ سلطةً أعظم من كونكِ دوقة أوبرون، فلماذا لا تأتين؟”
“….…”
“أم أنكِ تخشين شلريد؟ هل تصدقين أنتِ أيضًا تلك الشائعات السخيفة عن أن قبائل الصحراء تمارس أكل لحوم البشر أو تقدم قرابين من الدم؟”
“هاها، بالطبع لا.”
“إن لم يكن ذلك، ألم تعجبكِ الشروط التي عرضتها؟”
وعندها تعمّق بريق عيني شولتز توغراهان فجأة، بعد أن كان يلقي كلماته بنبرةٍ مازحة.
____________________
اليسا قاعدة تلعب في حسبة ادريان وهو كل شوي يصير غبي مع لمسه منها😭
التعليقات لهذا الفصل " 33"