كانت تحب مثلجات الليمون لفترةٍ وجيزة جدًا قبل أن تبلغ العاشرة بقليل، ثم بعد ذلك تغيّر مذاقها، فصار حامضًا أكثر مما تحتمل ولم تعد تكاد تلمسه.
وأول مرةٍ التقت فيها بأدريان أوبرون، مهما بالغنا في تقديمها زمنيًا، فلن تتجاوز حفل دخول الأكاديمية العسكرية، ما يعني أنه لم يرها يومًا تأكل شربات الليمون بعينيه.
ربما كانت إليسا هي من أخبرته بذلك بنفسها. في تلك الأيام التي كانت تحبه فيها حد العجز، و كانت تلتقط أي كلام لتملأ به الفراغ كلما سكت الحوار بينهما، خوفًا من أن يظن أن قضاء الوقت معها ممل.
وإن لم يكن ذلك، فلعله خلط بينها وبين واحدةٍ من النساء الكثيرات اللواتي مررن عابرًا بحياة وريث أوبرون.
على الأرجح أن الاحتمال الأخير هو الصحيح.
و حين اكتفت إليسا بالنظر إلى أدريان بعينين باردتين، أنزل هو الملعقة ببطء وسألها: أليس هذا؟
“إذًا ماذا عن هذا؟”
كان قالب باوند كيك محشوًا بالكريمة حتى كادت موس الشوكولاتة الداكنة تفيض من داخله.
دفع أدريان الصحن الصغير الذي يحمل الكعكة قليلًا باتجاه إليسا. و داعب أنفها عبق الشوكولاتة الحلو.
الكعكة الطرية المحشوة بموس الشوكولاتة كانت حقاً حلوى إليسا المفضلة. فرفعت الشوكة ببطء شديد كي لا يلحظ أدريان. و ما إن أخذت قضمة حتى انتشر طعم الشوكولاتة في فمها.
“يبدو أنكِ ما زلتِ تحبين هذا.”
لكن جهد إليسا ذهب سدى، فقد كان أدريان واثقًا تمامًا من أنها تحبه. فتشوّهت ملامح إليسا فجأة.
في تلك اللحظة، دوّى صوت أبواقٍ صاخبة من الخارج، تلاه وقع حوافر الخيل وصوت العربات.
وخارج النوافذ الزجاجية الواسعة لأوديسيا، كانت مواكب دبلوماسيي سيفيا تسير مع وفد شلريد.
لهذا كان اختيار أوديسيا مكان لقائهما اليوم. فالطريق الواسع المطل على البحر كان كافيًا لاستيعاب العدد الكبير من وفد شلريد. وكان أول أوامر الملكة أن يُظهرا مظهر المواعدة طوال اليوم على الطريق الذي يمر منه الوفد.
“إليسا، أعطيني منها أيضًا.”
“هناك شوكةٌ أمامكَ.”
“لم تنسي، أليس كذلك؟ سفينة كُورَّن.”
“…….”
“كما فعلتُ أنا قبل قليل. عليكِ أن تفعلي الشيء نفسه.”
حدّق أدريان في إليسا بابتسامةٍ دائرية.
و على مضض، رفعت إليسا قطعةً من التارت بالشوكة.
كانت حركةً أقرب إلى الإمساك منها إلى الإطعام. ومع ذلك، مال أدريان بجذعه للأمام وأخذ التارت في فمه بكل أريحية.
انثنت عيناه الحادتان، اللتان كانتا تحتضنان بريقًا أحمر، إلى شكل هلال. ومع كل لقمةٍ كانت تفاحة عنقه الأبيض الطويل تتحرك بوضوح.
شعرت إليسا وكأنها ترى ما لا ينبغي لها رؤيته، فأدارت نظرها جانبًا بلا داعٍ.
وفي تلك اللحظة، مرّت بجانبهم أكثر العربات فخامةً ضمن الموكب. ثم أُغلق باب العربة الذي كان مفتوحًا حتى قبل لحظات.
وبما أنها كانت الأشد فخامة، فمن المرجح أن شولتز توغراهن كان بداخلها.
تمنت إليسا من أعماقها أن يكون قد رآهما. أرادت أن تنتهي هذه الأمور المزعجة كلها اليوم.
كانت ترغب في إعادة علاقتها بأدريان إلى ما كانت عليه سابقًا بأسرع وقتٍ ممكن. تلك العلاقة التي لا تهتم فيها بما يفعل الآخر أو أين يكون، علاقة التجاهل التام.
كان زواج رريث أوبرون حدثًا عظيمًا. والمكان الذي سيعيشان فيه لن يقل عن قصرٍ واسع، بينما ستنهمك إليسا مجددًا في عملها في البحرية.
وحينها، مهما فعل أدريان أوبرون وأينما ذهب، لن تعرف هي شيئًا. حتى لو أدخل امرأةً أخرى إلى البيت الذي سيعيشان فيه معًا.
قررت إليسا أن تكتفي بزواجٍ من هذا الحد. فقد كانت تعرف جيدًا كيف تنتهي قصص الحب غير المتكافئة في المكانة.
لأنها رأت جثة أمها التي لفظها البحر إلى الشاطئ. جسد المرأة التي قيل أنها كانت الأجمل في روسيريكا، وقد انتفخ بالماء حتى لم تستطع ابنتها أن تتعرف إلى ملامحها الأخيرة.
لذلك، لم يكن يجب أن يكون في هذا الزواج أي حب.
في تلك اللحظة، أمسكت أنامل قاسية مليئة بالمسامير المتصلبة بذقن إليسا برفق. و أدار أدريان رأسها قسرًا حتى لا ترى إلا عينيه.
“خطيبكِ يغازلكِ بهذه الجدية، فأين تذهب أفكاركِ الآن؟”
وكأنه يذكرها بأنه هنا.
“لستُ عديم الجاذبية إلى هذا الحد، أليس كذلك؟”
كادت إليسا أن تعقد حاجبيها لا إراديًا عند كلماته. فتماسكت بالكاد، لكن أدريان كان قد التقط ذلك التغير الطفيف بالفعل.
ضغط بإصبعه السبّابة بخفة على موضع العبوس وهمس.
“خطأ، إليسا. أنتِ تعرفين ما الإجابة التي يجب أن تقوليها، أليس كذلك؟”
رافعًا إحدى حاجبيه، حثّها أدريان على أن تجيب سؤاله بالإيجاب.
فرفعت إليسا يدها إلى وجه أدريان.
كان وجهه يشبه ثلج الشمال البارد كما هو. حتى في الأكاديمية العسكرية، لم ترَ رجلًا ببشرةٍ ناعمة وبيضاء مثله. ومع ذلك، كان خط الفك الحاد والمنحوت، وجسر الأنف البارز بوضوح، كافيين ليمنحاه جاذبيةً رجولية طاغية.
لمست إليسا طرف حاجبه المرتّب، مرّت أصابعها على عظم الحاجب، ثم انسابت إلى خده، ولمست طرف أذنه لمسةً خفيفة.
“كيف وجدتَ مكانًا كهذا؟ بفضلكَ أكلتُ بشهية. والآن، هل ننتقل إلى المكان التالي؟”
قالت إليسا ذلك وهي تنهض من مقعدها. و فتحت الباب الزجاجي لمحل الحلويات وخرجت إلى الخارج، تاركةً أدريان المتجمد في مكانه.
و بعد فوات الأوان، استعاد أدريان وعيه وأدرك أن إليسا لم تجب حتى النهاية عن سؤاله عمّا إذا كان عديم الجاذبية أم لا.
***
المحطة التالية التي حدّدتها الملكة آن ماري كانت متجر مجوهرات.
كان صاحب متجر كوشيا للمجوهرات، إذا زاره زبونٌ من النبلاء، يُنزل الستائر على نوافذ المتجر كلها. كان ذلك جزءًا من استراتيجية لخلق أجواءٍ خاصة وتلميع صورة كوشيا كعلامةٍ فاخرة.
وفوق ذلك، إذا سأل زبونٌ آخر لاحقًا عن سبب إغلاق المتجر في ذلك الوقت، لم يكن ينسى أن يلمّح إلى أن شخصياتٍ من هذا النوع زارت المكان، ناشرًا شائعاتٍ رقيقة عنهم.
وأخيرًا، جاء اليوم الذي دخل فيه إلى هذا المتجر بطلا القيل والقال اللذان قلبا أوساط روسيريكا الاجتماعية رأسًا على عقب طوال ما يقارب الشهر.
وبالطبع، حاول هذه المرة أيضًا إنزال الستائر لإخفاء داخل المتجر بإحكام، ثم كان ينوي أن يسرّ إلى ديلوا، الشاب الأشهر بخفة لسانه في روسيريكا، بأن السيد أوبرون وخطيبته، أدميرال البحرية، قد مرا من هنا.
لكن كأن أدريان قرأ ما يدور في خاطره، فحين همّ بإنزال الستائر، هزّ أوبرون رأسه و تحدّث بنبرة ضجر.
“لا حاجة لذلك. أبقِ المتجر مضاءً بالكامل. أليس من الأفضل أن يعرف جميع أهل روسيريكا أنني وخطيبتي قد زرنا هذا المكان؟”
منذ تلك اللحظة، دبّ الخوف في قلبه.
كيف له، وهو تاجرٌ يعيش في هذه الأرض الجنوبية، أن يواصل كسب رزقه بعدما أصبح تحت نظر وريث بيت أوبرون الدوقي، وابنة الدوق روسيريكا، حتى وإن وُصفت بابنةٍ غير شرعية؟
وبمحاولةٍ يائسة لكسب رضاهما ولو قليلًا، فتح الكتالوج جامعًا فيه أغلى القطع الموجودة في المتجر.
لكن حتى تلك القطع لم تبدُ مرضية، إذ وقف أدريان أوبرون مكتوف الذراعين، يحدّق في المجموعة اللامعة بنظرة عدم استحسان.
“هل هذا كل ما لديكَ؟”
عند كلمات أدريان التي أوحت بعدم الرضا، التفتت إليسا إليه. و كان التعب بادٍ بوضوحٍ في عينيها.
“هل تنوي اختيار هدايا الزواج الآن؟”
“إن كانت هدايا زواج، أفلا يجب أن تكون أثمن من هذه؟”
“…….”
“هذا مجرد هدية.”
قال ذلك وهو يلامس عقدًا مرصعًا بياقوتةٍ حمراء داكنة، تشبه تمامًا لون شعر إليسا.
___________________
واو يوم لمست وجهه حسبتها بتقول شي بعد بس حتى لو قالت شي ماظني بيسمع المجنون تجمد قمط العافيه😭
المهم وناسه ماتوقعت اليسا تحب الشكلاطه اشوا المؤلفه ماحطت لها سيناريو الي من زمان ماكلت حلا وياجبل لايهزك ريخ وكذا
وصف مرتك امها يوجع😔 يارب على الاقل امها كانت تحبها😔
التعليقات لهذا الفصل " 31"