لحسن الحظ، لم تجعل الملكة من الأمر مشكلة، و تظاهرت بتجاهل وقاحة إليسا.
“رؤية شخصين يتشاركان غرفةً واحدة، ويتبادلان قبلةً في الحفل، ثم تكون تلك ردة فعلكِ قبل قليل….إنه لأمرٌ مؤسفٌ حقًا أننا لم نتمكن من إقامة حفل الخطوبة في موعده لضيق الوقت.”
“على أي حال، شولتز توغراهن شخصٌ سيغادر لا محالة. الوقت في صالحنا-”
“لا داعي لأن نطيل ذلك الوقت عمدًا. سنحتاج إلى طريقةٍ أخرى. يجب أن نُريه مرةً أخرى أنكمت ملتصقان ببعضكما.”
عبّر أدريان عن رأيه بدلًا من إليسا التي لم تتعافَ بعد من أثر السعال الجاف، لكن بدا أن فكر الملكة يختلف عن فكره.
ومع ذلك، في هذه النقطة تحديدًا، كانت إليسا تشاطر أدريان الرأي.
“ألم يُرَ ما يكفي من كوننا معًا بالفعل؟”
“لو كان ذلك كافيًا، لما تجرأ شولتز توغراهن على التحرّش بكِ علنًا.”
“وصفه بالتحرّش فيه.…”
كانت تصرفات شولتز توغراهن مهذبةً إلى حد لا يليق باستخدام مثل هذا الوصف، لكن الملكة لم تُعر الأمر أي اهتمام.
“الأدميرال شوتر، هل الأمر غير مرغوبٍ لديكِ؟”
سألتها الملكة مباشرةً بعدما قرأت تعبير التردد على وجه إليسا.
“هل هو أمر؟”
“وإن لم يكن أمرًا، فلن تفعليه؟”
رفعت الملكة حاجبيها. فأغمضت إليسا عينيها برفقٍ قدر الإمكان، كي لا تبدو وقحة. لكن نبرة صوتها الهادئة حملت تصميمًا لا ينكسر.
“لقد تأكدنا بالفعل أن هذه الطريقة لا تجدي مع شولتز توغراهن. ومع كامل الاحترام، أرى أن البحث عن وسيلةٍ أخرى سيكون أنسب.”
شعرت إليسا وكأن عيني الملكة تخترقان كل ما في داخلها.
نظرةٌ بدت وكأنها أدركت السبب الحقيقي، أنها ببساطة لا ترغب في قضاء الوقت مع أدريان، وانغرست تلك النظرة في إليسا.
حدّقت الملكة فيها بعينٍ نصف مغمضة، ثم فتحت فمها أخيرًا.
“الأدميرال شوتر.”
“نعم، أستمع. تفضلي.”
“سمعت أن تطوير سفينة كُورَّن قد توقف. كونها أكبر سفينةٍ تمثيلية في سيفيا، يبدو أنها تستهلك ميزانيةً أكثر مما كان متوقعًا، أليس كذلك؟”
أربك التغيير المفاجئ في الموضوع إليسا للحظة، لكن كلمات الملكة التالية غيّرت نظرة عينيها.
“إن قضيتِ وقتًا مع اللورد أوبرون تنفيذًا لأمري، فسيتكفل القصر الملكي بتغطية كامل العجز في الميزانية. حتى اكتمال سفينة كُورَّن.”
“سأفعل.”
ما إن انتهت الملكة من كلامها حتى اندفعت الإجابة بالموافقة من فم إليسا. فهزّت الملكة رأسها مبتسمةً وكأن الأمر لا حيلة فيه.
“سأؤدي المهمة بأقصى ما أستطيع.”
بعد أن أقنعت إليسا، أدارت الملكة رأسها نحو أدريان.
فقد منحت إليسا حتى ميزانية بناء الأسطول، بينما اكتفت بالنظر إلى أدريان نظرةً توحي بأنه لا حاجة حتى للسؤال.
“وكيف لي أن أرفض. سأؤدي الواجب الموكَل إليّ وأعود.”
رغم ذلك، خرج الرد المطيع من فم أدريان. فتساءلت إليسا مرةً أخرى عمّا تلقّاه هو من الملكة.
***
وأثناء مغادرة الملكة آن ماري مكتب إليسا، خاطبت كبيرة الوصيفات التي كانت بمنزلة أطرافها.
“برأيكِ، كيف يبدو وجه السيد أوبرون؟”
“عفوًا؟ ولمَ تسألين عن ذلك؟”
“حتى لو تزوج المرء وكان له أطفال، يبقى الرجل الوسيم وسيمًا، أليس كذلك؟”
ما إن صدر من الملكة كلامٌ يوحي بمدح رجل غير زوجها حتى سارعت كبيرة الوصيفات إلى إبعاد الحرس الذين يتبعونهم.
“جلالتكِ، أرجوكِ، الهيبة-”
“كفي عن الحديث عن الهيبة. كوني صادقةً قليلًا يا إيسيرا.”
عند النداء الودّي، تنهدت إيسيرا دون قصد. فملتها، ورئيستها، شخصٌ يستحيل التنبؤ به.
كان وجه أدريان مشهورًا.
و قبل سنوات، حين زار دبلوماسي من الإمبراطورية، دوّن بعد رؤيته لوجه السيد أوبرون هذا الوصف،
[وريث أوبرون الشجاع وُلد في زمنٍ مواتٍ. لو وُلد قبل مئة عام، ولفت نظر الإمبراطورة أرينوس المعروفة بولعها بالرجال، لكانت الإمبراطورة باعت الإمبراطورية نفسها لتجعله خليلها.]
“هم؟ إيسيرا، هيا.”
بدفعٍ من الملكة، تنهدت إيسيرا ثم فتحت فمها.
“نعم. حتى مع الزواج وإنجاب الأطفال، لم يضعف بصري. وأي امرأةٍ تُحضَر إلى هنا ستمنح التقييم ذاته لوجه السيد أوبرون.”
ومع ذلك، لم تستطع أن تنطق بكلمة نفي.
“لكن هناك امرأةٌ واحدة لا يؤثر فيها ذلك الوجه.”
“لا وجود لامرأةٍ كهذه في العالم.”
على عكس إجابتها الملتوية السابقة، جاء هذا النفي حاسمًا. فانفجرت الملكة ضاحكةً بصوتٍ عالٍ، فيما بدأ رأس إيسيرا يؤلمها.
“جلالتكِ، أرجوكِ، الهيبة.…”
“حقًا توجد. هناك امرأةٌ لا يؤثر فيها وجه السيد أوبرون. لقد رأيتُها بنفسي للتو.”
“ومن تكون تلك الشابة العظيمة؟”
“خطيبة السيد أوبرون.”
“ماذا؟”
“امرأةٌ يمكن إقناعها بدعمٍ للبحرية بدلًا من وجه السيد أوبرون….لا أدري أأسميها سهلةً أم صعبة.”
لم يكن لدى إيسيرا ما تقوله أمام كلمات سيدتها الملتبسة سوى أمرٍ واحد.
“لقد طال بقاؤكِ في الخارج. أليس من الأفضل أن نعود الآن؟”
“أرغب في ذلك أيضًا. أريد أن أعود إلى القصر في أقرب وقتٍ لأرى ذلك الرجل وابنتي.”
كانت الملكة أكثر الناس رغبةً في أن يتخلى شولتز توغراهن عن أدميرال بحرية سيليا ويعود إلى شلريد.
***
كان المكان الذي فُرشت فيه مفرش طاولة تتدلى منه شرائط كثيرة هو مقهى الحلويات “أوديسيا”، حيث يجتمع عشّاق روسيريكا الشباب.
جلس أدريان وإليسا في مقعدٍ بجانب النافذة المطلة على الطريق الساحلي المفتوح، كأنهما بطلا المشهد.
أرسلت بعض الشابات اللواتي سبق أن رأن أدريان في حفل السفينة نظرات إعجابٍ نحوه. لكن أدريان، الذي لم يتردد في إطعام إليسا بيده بدافع المودة، قطع تلك النظرات كالسكاكين ولم يعرها أي اهتمام.
“نحن….نعتذر عن إزعاجكما لقضاء وقتكما الممتع.”
ثم بدأن بالاقتراب بطريقةٍ أخرى.
“هذا مُرسلٌ من الطاولة المقابلة. نتمنى لكما وقتًا سعيدًا في أوديسيا.”
قال النادل ذلك وهو يضع مثلجات الليمون على طاولتهما.
“شكرًا لكَ.”
هذه المرة، ولسببٍ ما، لم يتجاهل أدريان مثلجات الليمون، بل ابتسم ابتسامةً لطيفة وردّ التحية.
و الفتاة التي كانت ترتدي فستانًا أزرق داكنًا في الطاولة المقابلة وضعت يدها على صدرها وانحنت قليلًا ردًا على التحية.
“آه-”
“…….”
“إليسا، قولي آه.”
في تلك اللحظة، خيّم صمتٌ بارد على المكان كأن ماءً مثلجًا سُكب عليه.
الفتاة ذات الفستان الأزرق الداكن غطّت وجهها وركضت خارج أوديسيا. و تبعتها صديقاتها وهنّ يحدّقن في إليسا بنظراتٍ حادة. لا إلى أدريان أوبرون، بل إلى إليسا شوتر.
أمورٌ كانت مألوفة في أيام الأكاديمية العسكرية، لكنها نُسيت تمامًا بعد التخرج بوقتٍ ليس بالطويل.
وكأن شيئًا من ذلك كله لا يُرى، ظل أدريان ينظر إلى إليسا وحدها. وحين بقيت إليسا مطبقةً شفتيها حتى ذابت مثلجلت الليمون فوق الملعقة، فأفرغ أدريان المثلجات المذابة وغرف ملعقةً جديدة بوفرةٍ وقدمها لها مجددًا.
فوبّخت إليسا نفسها بخفةٍ على تهورها حين وافقت سريعًا على تنفيذ أمر الملكة.
‘ألم يكن بإمكاني أن أؤمّن تمويل سفينة كُورَّن بطريقةٍ ما؟’
وحين لم تفتح إليسا فمها حتى النهاية، تخلّى أدريان عن إطعامها مثلجات الليمون ووضع الملعقة جانبًا.
وبينما ينظر إلى إليسا التي تبدو متقززةً بصدق، انفجر ضاحكًا بصوتٍ مسموع.
“تبدوا مستمتعاً؟”
“ولِمَ لا أكون كذلك؟ أنا في موعدٍ سعيد مع خطيبةٍ محبوبة إلى هذا الحد.”
شعرت إليسا وكأنها تصاب بدوار البحر وهي على اليابسة. وقد انعدمَت شهيتها تمامًا.
التعليقات لهذا الفصل " 30"