كانت تلك العينان المعكرتان كأنهما مغمورتان بالضباب، مليئتين بالريبة، لكن دون يقين.
فتنفّس أدريان الصعداء قليلًا. على الأقل، لن تُجر إليسا إلى هذا الأمر. أراد أن يزيل عنها حتى أصغر احتمالٍ للخطر.
وما إن أدرك أن الرجل لم يتيقن من طبيعة المشاعر بينهما، حتى انحنت زاوية فم أدريان.
“إن كنتم قد بحثتم إلى هذا الحد، أفلا ينبغي أن تعرفوا ذلك مسبقًا؟”
“…….”
“علاقتي بها ليست سوى زواجٍ سياسيٍ لا أكثر.”
عند صدور تلك اللهجة الفظة المفاجئة، تشوهت ملامح المستشار حول عينيه. ومع ذلك، لم يتحرك الأمير الأول قيد أنملة رغم أسلوب أدريان الذي بدا وكأنه يستخف برجاله.
كان المستشار يعلم أيضًا. الأمير الذي يخدمه لم يكن ممن يترفعون برعاية مرؤوسيهم. لقد اختاره لغبائه أصلًا، لكن هذا الغباء بات يثير ضيقه الآن.
وفوق ذلك، فإن أدريان أوبرون كان رجلًا تعهد الأمير الأول بنفسه بربطه بإحدى الأميرات، حتى أبرم معه وعدًا. وربما يصير من العائلة الإمبراطورية مستقبلًا.
كان عليه أن يطأطئ رأسه الآن. كما فعل دائمًا حتى هذه اللحظة.
‘لكن….إلى متى؟’
كان صبره ينفذ تدريجيًا.
“وفوق ذلك، فإن ذلك الزواج السياسي لم يكن ملائمًا لمكانتي منذ البداية. لقد كان أقرب إلى إكراهٍ من الملكة التي أرادت تقوية البحرية.”
“كما توقعت. يبدو أنكَ تشبهني في أمورٍ كثيرة. لديكَ نظرةٌ ثاقبة في الناس.”
وبشكلٍ مثيرٍ للاشمئزاز، بدا أن أدريان أوبرون القادم من سيفيا يشبه الأمير الأول ألبرتو إلى حد بعيد.
كانا متشابهين في نظرتهما إلى الناس وفق طبقاتهم ومكانتهم.
وبينما كان أدريان بالكاد يحافظ على هدوء ملامحه في مكانه، استمرت محادثته مع ألبرتو بسلاسةٍ ودّية. كانت تفاصيل الاتفاق بينهما تقترب من نهايتها تدريجيًا.
ثم نهض ألبرتو من مقعده وأضاف توصيةً أخيرة.
“آه، وبالمناسبة، لا تأكل السمك الأبيض الذي سيُقدَّم ثانيًا في مأدبة الليلة. أما ما بعد ذلك فاتركه كله لي.”
قال ألبرتو ذلك بتفاخر، كأنه يمسك بكل خيوط هذه اللعبة ويحركها كما يشاء، وكأنه يحرّك قطع الشطرنج من فوق رأس أبيه.
لكن كل ذلك لم يكن سوى مظهر زائف. ففوق رقعة الشطرنج الهائلة المسماة القصر الإمبراطوري، لم يكن يعرف قراءة سطرٍ واحد مما يحدث.
حتى الخطة التي وضعها الإمبراطور لعدم إعادتهم بسلامٍ إلى سيفيا لم يكن ذلك الأمير الأول البائس هو من اكتشفها بنفسه.
‘إن كان يعتمد عليّ حتى في أمورٍ تافهةٍ كهذه، فإلى متى يجب أن أُعامل بهذه الطريقة المهينة؟’
وأدريان أوبرون، ذلك الرجل أيضًا، لم يكن سوى أحمقٍ لا يستطيع قراءة معلومةٍ واضحةٍ كهذه.
فبدأ القلق يتصاعد في قلب سيتورون، مستشار الأمير الأول.
***
عاد كلٌ من الأميرين اللذين زارا إليسا وأدريان، وبدأت الشمس الحارة تتلاشى ببطءٍ خلف القصر الإمبراطوري، تاركةً شفقًا عند الجهة المقابلة.
ومع دخول أوائل المساء، حين أظلمت السماء وبدأت النجوم تظهر تدريجيًا، استدعاهم الإمبراطور جميعًا إلى قاعة المأدبة كما قال ألبرتو و رينان.
كان الوقت متأخرًا قليلًا لبدء العشاء، لكن لم يكن في هذا القصر من يجرؤ على التشكيك في قرار الإمبراطور.
بدت المائدة الطويلة المغطاة بقماشٍ أبيض ناصع، للوهلة الأولى، كأنها تابوت. وقد زاد من هذا الشعور الفرسان المدرعون الواقفون خلفهم.
وبإدخاله الفرسان المسلحين إلى قاعة المأدبة، ثبّت الإمبراطور مقصده بوضوح. كان يوجه تحذيرًا لضيوفه القادمين من سيفيا.
بدأ الخدم المتجمدون في أماكنهم يرتبون الطعام والشمعدانات والزهور بانضباط، ويعدّون المائدة.
ورغم أن الطبق الأول وُضع كاملًا، لم يستطع أحدٌ أن يبدأ الأكل. وقد جلس الأمراء والأميرات جميعًا في أماكنهم، لكن المقعد الأرفع بقي فارغًا.
“جلالة الإمبراطور يدخل!”
عندما كاد البخار المتصاعد من الطعام يتلاشى، دخل الإمبراطور قاعة المأدبة ببطء. و أخذ يدور حول الطاولة الطويلة، ناظرًا إليهم واحدًا واحدًا، وكأنه يتفقد من يجلس في أي مكان.
كوحشٍ مفترس يستعد لاصطياد فريسته.
وما إن جلس في مكانه حتى استدعى الطاهي.
“أعيدوا تقديم الأطباق التي بردت.”
بأمر الإمبراطور، قاد كبير الخدم الخدمَ وأخذوا يتحركون بانشغال، وكان من بين الأطباق التي حملها طبقٌ يحتوي على سمك أبيض رُشّ بعصير الليمون.
وبعد لحظات، عادت الأطعمة التي يتصاعد منها البخار لتوضع على المائدة من جديد، بسرعةٍ وكأنهم كانوا ينتظرون.
“ما رأيكم؟ إنها أطعمةٌ أعدّها طاهي القصر الإمبراطوري، هل أعجبتكم؟”
سألهم الإمبراطور ذلك قبل أن يرفع حتى الملعقة أو الشوكة.
وبفضل ذلك بقيت أدوات المائدة الفضية، التي لم تُستخدم ولو مرة، نظيفةً تمامًا، وانعكست على سطح السكين اللامع سيوفٌ ورماح الفرسان المصطفين خلفهم.
ومع ذلك، ابتسمت إليسا بهدوءٍ وأجابت.
“نادراً ما تسنح لنا فرصة تذوّق مآدب الإمبراطورية الفاخرة، نشكركم على كرمكم.”
“تفضلوا وابدؤوا الطعام.”
هزّ الإمبراطور رأسه راضيًا عن إجابة إليسا.
ثم، ومن دون أن يبعد الفرسان المسلحين الواقفين خلفه، تناول أدوات المائدة بوقاحة، بينما راحت إليسا تراقب بعنايةٍ الأطباق التي يمدّ يده إليها. فلم يكن بالإمكان تجاهل احتمال أن يكون الأمراء قد كذبوا عليهم.
ومع ذلك، فإن الإمبراطور نفسه لم يلمس ولو مرةً واحدة الطبق الذي تفوح منه رائحة الليمون القوية أمامهم.
لم يكن السبب أنه بعيدٌ فقط. فحتى الأطباق البعيدة كان يأمر الخدم أن يجلبوا منها الطعام ليُخفي تفضيلاته.
لكن ذلك الطبق وحده لم يمدّ إليه يده أبدًا.
وهكذا استمرّت مائدة العشاء وكأنها السير فوق جليدٍ رقيق، وكلما مرّ الوقت تسلّل غضبٌ بارد إلى وجه الإمبراطور.
وفي النهاية، لم يمدّ أي شخصٍ يده إلى طبق السمك، ولم يستطع الإمبراطور إلا أن يلاحظ أن المعلومات قد تسرّبت من مكانٍ ما.
لم يجنِ الإمبراطور أي فائدة، وبعد رفع الأطباق الرئيسية، فُرش على المائدة قماشٌ نظيف من جديد.
“إذًا، من بينكم، من الذي قتل دبلوماسيّنا؟ من سيجثو أمامي طالبًا الصفح؟”
وما إن سقط صوت الإمبراطور في قاعة المأدبة حتى تحرّك الفرسان المدرّعون وكأنه إشارة انطلاق.
“اقبضوا عليهم جميعًا! إنهم مجرمون قتلوا دبلوماسي إستروا العظيمة!”
جاء صوت رجل مسنّ جهوريّ بدل الحلوى.
نهضت إليسا في لحظة، وضربت خصر الفارس الذي اندفع من خلفها بكرسي. ثم تعمّد ذلك الفارس أن يُسقط سيفه أمامها.
على الرغم من أن ساق الكرسي الخشبية بالكاد يمكن أن تُلحق أي ضرر بشخصٍ مغطى بالدرع.
لم تستطع رؤية وجهه بسبب الخوذة، لكنها استطاعت معرفة لأيّ أميرٍ يخدم. و لم تفوّت إليسا الفرصة والتقطت السيف فورًا.
_______________________
وش ذاه الفصل قصنون المؤلفه عجزانه تكتب ولا وش؟ 😭
المهم خير حسبت اليسا وادريان بيجون سوا يعلموت بعض وش صار غشين
اما الامبراطور بزر اجل تقولون الامير الرابع يشبه له؟ احس الامير الاول يشبه له اكثر
التعليقات لهذا الفصل " 101"