كانت هانا تستعد للصعود إلى غرفتها عندما سمعت صوت عجلات عربة تدخل ساحة القصر.
“لا يمكن أن يكونا…” همست كلارا.
نزلت من العربة امرأتان شابتان، ترتديان أفخر الثياب. الأولى كانت تتصدر الموكب بهدوء وثقة. شعرها كستنائي داكن، مصفف بدقة على طريقة البلاط، وعيناها الخضراوان تتألقان بذكاء حاد خلف رموش طويلة. كانت سوزانا ابنة الكونت درافور. خلفها، بخطوات أسرع وأقل ثقة، كانت ليديا ابنة الفيكونت، امرأة قصيرة بشعر بني وعيون خائفة، تتبع سوزانا كظلها.
توقف قلب هانا للحظة. ثم بدأ يضرب بسرعة.
كانت ذكريات هانا تتدفق كالسيل. رأت وجه سوزانا من زاوية عينين ليست عينيها، سمعت صوتها الناعم الحنون الذي كان يخفي إرادة حديدية تطفح به عينيها الخضراوين . كانت العيون نفسها تدمعان أحياناً للحصول على ما تريد، شعرت بيدها تمسك بذراعها بحنان مزيف وتقودها حيث تشاء عاجزة، بينما ليديا كانت شديدة الفخر أنها صديقة سوزانا المقربة.
لكن الأغرب من ذلك، أن سيو يوجين شعرت بشيء آخر. شعرت بأنها تعرف هاتين المرأتين. ليس من ذكريات هانا فقط، بل من شيء أعمق. كانت تعرف أن سوزانا هي من تسيطر، لكنها تفعل ذلك بأدب مخادع و بدموع مزيفة و أحيانا بابتسامة حنونة تجعل من المستحيل رفضها. وأن ليديا تابعة طائعة بينما هانا كانت أسوأهن ضعفاً.
والآن، ها هي ذا تقف أمامهما، في جسد هانا، وعليها أن تتصرف.
لم يكن لديها وقت لتخطط. كانت سوزانا قد صعدت درجات القصر بالفعل، وعيناها الخضراوان تبحثان عن شيء، أو عن شخص.
“هانا!” صاحت سوزانا بصوت ناعم مفعم بالحنان، وفتحت ذراعيها كأنها تريد عناقاً. “حبيبتي! لقد سمعنا أنك مرضت، لم نصدق أنك تختبئين كل هذا الوقت!”
اقتربت منها، وأمسكت بيديها بلطف. نظرت إلى وجهها بعينيها الخضراوين الجميلتين، وعبوس من الحزن يرتسم على ملامحها الرقيقة.
“أنتِ بخير؟ أنا قلقت عليكِ كثيراً. كنت أنتظر يوم زيارتكِ بفارغ الصبر.”
كان صوتها ناعماً و دافئاً، يفيض بالعاطفة. لكن خلف ذلك الدفء، شعرت هانا بقبضة خفية على يديها لا تستطيع الهروب منها.
خلفها، كانت ليديا تقف بصمت، تنظر إلى هانا بعينين فيهما فضول و بعض القلق . لم تقل شيئاً. كانت تنتظر أن تتحدث سوزانا أولاً.
وفجأة، وبشكل غريزي، عرفت هانا ماذا تفعل.
انحنت قليلاً، كما علمتها ذكريات هانا. “سوزانا، ليديا. ما أسعدني برؤيتكما. لم أكن أتوقع زيارتكما.”
كان صوتها لا يزال مبحوحاً قليلاً، لكنه كان مهذباً، متحفظاً، كما تفعل هانا الخجولة.
رفعت سوزانا حاجبها الرقيق بتعبير حزين. “ألم تتوقعي زيارتنا؟ نحن صديقاتك. أو هل نسيتِ؟”
تأوهت تنهيدة خفيفة، وكأنها تتألم من قسوة هانا. “أنا أفكر فيكِ كل يوم. كنت أرسل الخدم للسؤال عنكِ، أصلي كل ليلة من اجلك”
لم تكن ابتسامتها ابتسامة صديقة. كانت ابتسامة من تذكر الآخر بمكانه، لكنها كانت مغلفة بالحنان والدموع المختنقة.
“تعالي،” قالت سوزانا، وأمسكت بذراع هانا برقة، تقودها إلى الداخل. “لنصعد إلى غرفتك. أريد أن أطمئن عليكِ حقاً. لا أستطيع تحمل رؤيتكِ هكذا.”
صعدن الدرج الضخم إلى الطابق العلوي. كانت سوزانا في المقدمة، ممسكة بيد هانا كأنها تقود طفلة. خلفها ليديا التي كانت تلاحق خطواتها بحذافيرها .
دخلن غرفة هانا.
وقفت سوزانا في وسط الغرفة، ونظرت حولها بعينيها الخضراوين الواسعتين. نظرت إلى السرير المرتب و المنضدة النظيفة . ثم توقف نظرها عند المرآة الضخمة المغطاة بملاءة سوداء في الزاوية.
“ما هذا؟” سألت بصوت ناعم فيه قلق. “حبيبتي، هل تخفين شيئاً عني؟”
لم تتردد هانا. ” مجرد غطاء .! الغبار يدخل من النافذة.”
نظرت سوزانا إليها طويلاً، وكأنها تبحث عن كذب في عينيها. ثم تنهدت تنهيدة خفيفة. “حسناً. أنتِ تعرفين ما هو أفضل لغرفتك.”
جلست على كرسي بجانب النافذة، ورتبت ثوبها الفاخر بدقة. نظرت إلى هانا .
“اجلسي يا عزيزتي. لا تقفي. أنتِ مريضة، لا ترهقي نفسك.”
جلست هانا على حافة السرير، كما كانت تفعل هانا القديمة بطريقة خجولة و متحفظة .
أما ليديا، فوقفت بجانب الباب، لا تجرؤ على الجلوس دون إذن.
“سمعت أنك مرضت،” قالت سوزانا، وصوتها يفيض بالحنان. “مرض غريب. حبست نفسك في غرفتك شهراً كاملاً. الناس تتحدث. وأنا كنت . قلقة جداً.”
ارتفع صوتها قليلاً، وظهرت دمعة في زاوية عينها الخضراء. مسحتها بأناقة بأطراف أصابعها.
“كنت أظن أنكِ تخفين شيئاً عني. ألم نكن دائماً صديقتين؟ ألم أكن دائماً بجانبكِ؟”
كانت تتباكى بأدب و بأناقة تجعل من يستمع إليها يشعر بالذنب.
“كنت متعبة،” قالت هانا بصوت منخفض.
“متعبة؟” تنهدت سوزانا تنهيدة طويلة. “أنا أيضاً متعبة من القلق عليكِ. لكن المهم أنكِ بخير الآن.”
نظرت إلى هانا بعينيها الخضراوين، وفجأة تغير تعبيرها. أصبح أكثر جدية و حزماً، لكن الحنان لم يفارق صوتها.
“هناك شيء، عزيزتي. حفلة في قصر الملحق يوم الأحد. ولي العهد سيكون هناك.”
توقفت و نظرت إلى هانا وكأنها تنتظر رد فعل.
“أحتاجكِ أن تأتي معي. أنتِ وليديا. نحن صديقات، أليس كذلك؟ يجب أن نكون معاً.”
كانتتكلب بحنان وحشي مغلف بأدب الحديث ، وكأنها تقدم لهانا معروفاً بدلاً من أن تطلب منها شيئاً.
وقفت فجأة، ومشت إلى الخزانة في زاوية الغرفة. الخزانة التي عرفت هانا من ذكرياتها أنها تحتوي على مجوهرات والدتها. التي كان مفتاحها في درج المنضدة الأيمن، في علبة مخملية سوداء.
فتحت سوزانا الدرج. أخرجت المفتاح. نظرت إلى هانا.
“أتعطين الإذن، عزيزتي؟”
كان السؤال مؤدباً، لكن يدها كانت تفتح الخزانة بالفعل. لم تكن تنتظر إجابة حقيقية.
فتحت الخزانة، وبدأت تتفحص المجوهرات بعيون متألقة. كانت مجوهرات ثمينة هي إرث والدة هانا التي توفيت قبل سنوات. كانت هانا تحتفظ بها كأغلى ما تملك.
اختارت سوزانا دبوس ألماس. كان كبيراً، رائعاً، يلمع تحت ضوء الشمس كأنه قطرة نجم سقطت على الأرض.
رفعته إلى الضوء، وتأوهت بإعجاب. “يا إلهي. ما هذا الجمال. رأيته عندكِ من قبل، لكنه يبدو اليوم أكثر روعة.”
التفتت إلى هانا، وعيناها الخضراوان تتألقان. كان هناك شيء يشبه الطمع يلتمع في عينيها .
“عزيزتي هانا…” تنهدت تنهيدة خفيفة. “أحتاج هذا الدبوس. سأحتاج أن أرتديه لحفلة قصر الملحق يوم الأحد.”
“أريد أن أبهِر ولي العهد. وهذا الدبوس… سيساعدني. أنتِ تريدين لي الخير، أليس كذلك؟ أنتِ صديقتي، وأعرف أن قلبكِ كبير.”
ضمت الدبوس إلى صدرها، كأنها تخشى أن تسلبه منها. نظرت إلى هانا بنظرة طفلة خائفة.
“فقط هذه المرة. سأعيده بعد الحفلة. أعدكِ.”
كانت تتباكى بأدب، بأناقة، بطريقة تجعل رفضها مستحيلاً. من يستطيع أن يقول لا لامرأة تدمع؟ من يستطيع أن يرفض صديقة تطلب بأدب وحنان؟
شعرت هانا بأن ذكريات هانا تغلي في رأسها. تذكرت كيف كانت سوزانا تفعل هذا دائماً. تطلب بأدب، تتباكى، تتظاهر بالضعف، ثم تأخذ ما تريد. هانا كانت ترد بالصمت، تخفض رأسها، تشعر بالذنب لأنها جعلت صديقتها تبكي.
في تلك اللحظة، شعرت سيو يوجين بشيء لم تشعر به من قبل. شعرت بالغضب. ليس غضب هانا الخائف، بل غضبها هي. غضب بطلة أولمبية كانت تعرف كيف تقف في وجه العالم كله.
لكنها تذكرت أنها ليست سيو يوجين الآن. تذكرت أنها في جسد هانا الخجولة الضعيفة. تذكرت أن أي تصرف خارج عن المألوف قد يثير الشكوك. تذكرت أن عليها أن تكون حذرة.
أطرقت بصرها إلى الأرض. كما كانت تفعل هانا.
“حسناً،” قالت بصوت منخفض، خجول. “خذيه.”
ابتسمت سوزانا ابتسامة انتصار خفيفة. مسحت دمعتها المزيفة بأطراف أصابعها، ووضعت الدبوس في حقيبتها الصغيرة بحذر.
“شكراً لكِ، عزيزتي. أعرف أن قلبكِ كبير. لن أنسى لكِ هذا الجميل.”
نهضت، ورتبت ثوبها. نظرت إلى ليديا.
“تعالي، يا عزيزتي. لنترك هانا ترتاح. لقد أتعبتها زيارتنا.”
مشت إلى الباب، ثم توقفت. التفتت إلى هانا للمرة الأخيرة.
“لا تنسي. يوم الأحد. سأرسل عربتي لأخذكِ. ارتدي أفضل ما لديكِ.”
ابتسمت ابتسامة حنونة. “سأعتمد عليكِ، يا صديقتي.”
خرجت، تاركة خلفها رائحة عطرها الخفيف، وفراغاً ثقيلاً.
ليديا توقفت عند الباب للحظة. نظرت إلى هانا. كان في عينيها شيء. شيء يشبه الاعتذار و الشعور الساحق بالخجل.
ثم أغمضت عينيها، وتبعت سوزانا بسرعة، ككلب يخاف أن يتخلف عن صاحبه.
—
بعد أن غادرتا، بقيت هانا جالسة على السرير. كانت يداها مرتجفتين. ليس من الخوف، بل من الغضب.
نهضت فجأة، ومشت إلى الخزانة. فتحتها. نظرت إلى العلبة المخملية الفارغة حيث كان الدبوس. شعرت بغصة في حلقها. لم يكن غضبها فقط على سوزانا. كان غضبها على هانا. على هانا التي سمحت لهذا أن يحدث. على هانا التي كانت ضعيفة جداً لدرجة أنها تركت امرأة تأخذ ما هو أثمن لديها دون أن تنبس ببنت شفة.
“لن أكون مثلك،” همست لنفسها، بصوت لم يكن صوت هانا بالكامل. “لن أكون ضعيفة.”
في تلك اللحظة، دخلت كلارا. كانت قد سمعت من الخدم بزيارة سوزانا، وجاءت مسرعة. رأت هانا واقفة أمام الخزانة، ويديها مقبوضتان، ووجهها شاحباً لكن عينيها… عيناها كانتا تنطلقان شراراً.
“آنسة…” همست كلارا. “هل أخذت شيئاً؟”
نظرت هانا إليها. في عينيها كان هناك شيء جديد لم ترَه كلارا في هانا من قبل.
“دبوس أمي. دبوس الألماس.”
صمتت كلارا. عرفت من الذي أخذه. كانت تعرف سوزانا جيداً.
“سأستعيده،” قالت هانا فجأة.
نظرت كلارا إليها بدهشة.
“ليس الآن. لكنني سأستعيده. ولن تأخذ مني شيئاً بعد اليوم.”
كان صوت هانا حازماً، واثقاً. لم يكن صوت هانا الخجولة الضعيفة. كان صوت امرأة أخرى. امرأة تعرف كيف تقاتل.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"