كانت الورقة بين يديها ترتجف. حملتها إلى صدرها، و تسارعت خطواتها عند المنعطف الذي يصعد به نحو المباني الفاخرة لضباط الإقليم.
كان ثوبها الأزرق هو الثوب الوحيد الذي تملكه لغير أيام العمل. كانت تمشي بسرعة، وكان قلبها يدق كأنه يريد الخروج من صدرها. كانت الورقة التي أرسلها إليها، عبر خادمه، لا تزال في يدها. كلماته كانت قليلة. لكنها كانت كافية. “سأكون في انتظارك “
كانت تظن أن هذا هو ما يفعله الرجال من العالم الكبير مع الفتيات الصغيرات. يأخذونهن إلى أماكن جميلة، ويتحدثون معهن، ويقولون لهن إنهن جميلات. لقد اعتقدت أن هذا هو الحب.
—
وصلت إلى البوابة الحجرية. كانت عالية، مصنوعة من حجر رمادي فاتح، مختلفة عن كل ما تعرفه. كانت تعلم أن هذه المنازل مخصصة للضباط الكبار. لم تكن قد دخلت واحدة منها من قبل.
عندما دفعت الباب الثقيل ، اصدرت مفاصله صريرا . ثم انفتح على ممر طويل. كانت الجدران عالية، والنوافذ صغيرة، والضوء يتسلل من بين الستائر السميكة. بينما خطواتها تتردد على الأرض الحجرية تعلو وتخفت.
ابتسمت محاولة تجاهل بعض الخوف الذي نشب في صدرها . لكنها كانت تقول لنفسها إنه لا شيء يخاف منه. إنها مجرد زيارة . سترى المكان الجميل، وستتحدث معه و بعدها ستعود للمنزل .
وجدت الباب في نهاية الممر. كان مغلقاً. طرقت بخفة. بعد لحظة فتح .
كان واقفاً هناك. يرتدي ثوباً أزرق كالسماء، وشعره البني الفاتح منسدل على كتفيه، وعيناه تنظران إليها. بينما نظراته تتبع جسدها من رأسها إلى أخمص قدميها .
“أنا…” بدأت الحديث عندما لمحته . … “جئت كما وعدت.”
ابتسم ابتسامة مهذبة. “تعالي.”
و لجا معا القاعة الفسيحة للمبنى . كان هناك أريكة من قماش ناعم، وطاولة خشبية كبيرة، وستائر ثقيلة تسد الضوء. كانت رائحة عطره تملأ المكان. وقفت في منتصف الغرفة، لا تعرف أين تضع يديها و ابتسمت محاولة أن تخفي ارتباكها.
“أين المكان الجميل؟” سألت.
لم يرد. اقترب منها. كانت خطواته بطيئة، بينما كانت أنا تتراجع خطوة إلى الوراء دون أن تشعر. كان يقترب. كان يقترب أكثر مما ينبغي. كانت رائحة عطره تخنقها و يده تتحرك نحو وجهها. شعرت بالخوف يتسلق صدرها.
“أنا…” قالت، وصوتها كان يرتجف. “أعتقد أنني يجب أن أذهب.”
شعرت بقلبها ينقبض و ينذرها ان هناك شيء خاطئ .و روادتها غريزتها بالركض و الهرب .
لكنها لم تصل إلى الباب.
تغير وجهه. في لحظة، اختفت الابتسامة المهذبة. اختفت النظرة التي كانت تثقل جسدها. كان هناك وجه آخر. وجه عنيف يخفي وحشا ضاريا خلفه .
مد يده و أمسك بشعرها. كانت أصابعه تغوص في شعرها الأسود، تشده بقوة، تجذبها. انتطلقةدت صرخة مدوية من أعماقها . كان الألم حاداً في فروة رأسها. و عبثا حاولت ان تتحرر، يده كانت أقسى مما تتخيل.
“أرثرورو… أرجوك…”
فتح باب الغرفة المظلمة. كانت هناك سرير في الوسط. كانت الستائر مسدلة على الظلام الكثيف.
دفعها. سقطت على السرير. كانت تحاول النهوض، لكن يده كانت على صدرها تدفعها إلى الخلف بينما يده الأخرى كانت تغطي فمها و خنقت كل صرخاتها.
——————————
وقف ارثورو هناك، ظهره لها، يتنفس بصعوبة. ثم استدار.
كان ينظر باشمئزاز إلى جسدها العاري و ثوبها الأزرق الممزق على الأرض، كأن الجسد الذي أثاره الذي أثاره قبل لحظات، أصبح الآن يبعث على الغثيان .
اقترب منها.
و بصق على جسدها في تقزز .
توقف العالم. لم تكن تفهم. كانت تنظر إلى اللعاب على جسدها، ولا تفهم. كيف يمكن لإنسان أن يفعل هذا؟
كان هذا هو الثمن. كانت هذه نهاية الحلم الجميل الذي استحال الى كابوس لا يحتمل .
أدار ظهره. مشى إلى النافذة مرة أخرى. أخرج سيجارة، أشعلها.
“اخرجي.”
كانت الكلمة التالية باردة و كأنه ينفث قذارة من فمه ..
———————————-
كان البيت مفتوحًا.
توقفت هانا عند العتبة، وقطبت حاجبيها. لم تكن آنا و لا سنتيا لتتركا الباب مفتوحًا أبدًا.
“آنا؟”
لم يجبها أحد.
دخلت ببطء، وهي تضم كتابها الطبي إلى صدرها.
كان الصمت ثقيلاً، خانقًا. والهواء في البيت بدا باردًا على نحو غريب.
خطت خطوة أخرى نحو لتتوغل في الداخل أكثر.
تراءى لها شبح غريب لشيء ممدد على الأرض.
للحظة، بدا كظل كتلة داكنة ملقاة قرب الموقد . ثم سقط ضوء الشمس عبر النافذة على خصلة شعر و ذراع و وجه.
وكان الوجه وجه آنا.
اندفعت هانا نحوها، لكن خطواتها تباطأت فجأة، كما لو أن عقلها يرفض أن يقترب أكثر.
كانت آنا ملقاة على الأرض، تضم نفسها بذراعيها كطفلة مذعورة. شعرها مبعثر، ووجهها مخدوش، وعلى جلدها آثار كدمات زرقاء وسوداء كأن أحدًا حاول أن يترك بصماته عليها متعمدا . كانت ترتجف بعنف، وعيناها مفتوحتين على اتساعهما، تحدقان في الفراغ .
شهقت هانا، وتراجعت خطوة وهي تضع يدها على فمها.
“يا إلهي… يا إلهي…”
ثم خرّت إلى ركبتيها بجانبها.
“آنا! آنا، انظري إلي!”
لكن آنا لم تنظر.
كانت تبكي بصمت، الدموع تنزلق على وجهها دون صوت،
ثم خرجت الكلمات من هانا أخيرًا، مكسورة، مرتعبة
“من فعل بك هذا؟”
ارتعش جسد آنا كله.
أغلقت عينيها بقوة، كأن الاسم نفسه يؤلمها.
“أ… أرثورو.”
همست بها بصوت بالكاد سُمِع.
ثم فجأة، أمسكت بقميص هانا بكل ما تبقى لديها من قوة.
“لا!” قالت وهي تخنق دموعها. “أرجوك، لا تخبري أحدًا… أرجوك، هانا، لا… سأموت إن عرف أحدا هذا ..”
كانت تتكلم بسرعة، بهلع، أنفاسها تتكسر، وجسدها يرتجف أكثر فأكثر حتى بدا وكأنها ستنهار.
أمسكت هانا وجهها بكلتا يديها بقوة، أجبرتها أن تنظر إليها.
“آنا. آنا، انظري إلي.”
لكن عينيها كانتا زائغتين، مذعورتين.
“انظري إلي!” كررتها هانا، وصوتها انكسر.
وأخيرًا، رفعت آنا عينيها إليها.
كانت تبدو وكأنها تغرق.
“تنفسي.” همست هانا، ودموعها هي الأخرى بدأت تنهمر. “أرجوك… تنفسي. أنا هنا. أنا هنا، هل تسمعينني؟ لن أتركك. لن أخبر أحدًا إذا لم تريدي. فقط… فقط ابقي معي.”
وضعت يدها على صدر آنا المرتجف.
“هكذا… خذي نفسًا… تنفسي ارجوك تنفسي .”
ببطء، ببطء شديد، بدأت أنفاس آنا تهدأ.
بعد وقت بدا كأنه ساعة، ساعدتها هانا على الوقوف. كانت آنا تتعثر، تكاد تسقط، فلفت هانا ذراعها حولها وأخذتها إلى الحمام.
لم تتركها وحدها.
جلست على الأرض قرب الحوض و بدأت تغسل جسد انا المليء بالكدمات الارجوانية بينما تبدت الدماء الجافة من سافيها .
ضمت أنا ساقيها و بدأت تبكي بصوت مكتوم. كانت هانا تسمع شهقاتها وكل واحدة منها كانت كطعنة.
وضعت أمامها كوبًا من الأعشاب الساخنة. كانت يدا آنا ترتجفان إلى درجة أن السائل كاد ينسكب.
فأمسكت هانا الكوب معها.
“اشربي.”
رفعت آنا عينيها إليها، حمراء ومتورمة.
وبقيت هانا ممسكة بيدها، كما لو أن إفلاتها للحظة واحدة قد يجعلها تسقط من جدي
” لا أريد أن اشرب ”
لكن هانا أصرت عليها ان تشربه .
“اشربيه أنا ، انا ارجوكي.”
رفعت آنا نظرها إليها ببطء.
“ما هذا؟”
ترددت هانا لثانية، ثم ابتلعت الغصة في حلقها.
“شيء قد يساعد…” قالت بصوت مكسور. “في حال… في حال كنتِ خائفة من أن…”
لم تستطع إكمال الجملة.
لكن آنا فهمت.
شحبت أكثر، وانخفضت عيناها إلى الكوب. بقيت تحدق فيه طويلًا، ثم بدأت دموع جديدة تنزل على وجهها.
“أنا لا أريد أن أتذكره…” همست. “لا أريد أن يترك شيئًا منه معي .”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 24"