2
جاءها الوعي كموجة باردة تطرق صدرها بعنف.
شعرت أولاً بالمطر. كان صوت قطراته تتساقط على زجاج النافذة بإيقاع ثابت . ثم شعرت بالبرد يسري في أطرافها، برداً مختلفاً عن أي برد عرفته من قبل. لم يكن برد الشتاء الكوري الجاف، بل برداً رطباً يتسلل إلى العظام .
فتحت عينيها بصعوبة. كان الجفنان ثقيلين، كأنهما لم يستخدما للنظر إلى الضوء منذ زمن طويل.
ما رأته جعلها تعتقد للحظة أنها لا تزال تحلم.
سقف مرتفع مزين بزخارف حصوية معقدة، ثريا من الكريستال معلقة في الوسط، لكنها مظلمة غير مضاءة. الجدران مغطاة بورق حائط بنقوش زهرية باهتة، وأثاث من خشب الماهوجني الفاخر . ستائر ثقيلة من المخمل الداكن تغطي النوافذ، لكن خيوط الفجر الأولى كانت تتسلل من بين ثناياها، مختلطة بظلال المطر.
كانت الغرفة عبارة عن تحفة معمارية .
أدارت رأسها ببطء، وشعرت بثقل غريب في رقبتها. حركة بسيطة، لكنها استنزفت طاقتها. توقف نظرها على منضدة بجانب السرير: شمعدان من الفضة، كتاب جلده فاخر و عطر ، كأس من الخزف عليه بقايا سائل داكن، ومفتاح ذهبي وضع على منديل أبيض.
جالت بنظرها نحو جسدها.
كانت يدها ترقد على الغطاء المخملي الناعم . فوقفت أنفاسها للحظة.
يد بيضاء كالثلج تكاد تكون شفافة . أصابعها طويلة ورفيعة و الأظافر مصقولة بدقة، تلمع تحت خيوط الفجر الأولى. رفعت يدها الأخرى، نفس البياض و نفس النعومة. رفعت ذراعها قليلاً، فانكشف معصمها النحيل الدقيق الذي يمكن ليد أن تطوقه بسهولة.
هذا الجسد… ليس جسدها. جسدها كان قوياً بعضلات مفتولة من سنوات التدريب، كتفيها عريضتان، يداها خشنتان من شد الوتر. أما هذا الجسد فكان هشا مثل قطعة خزف ثمينة .
نهضت بصعوبة لكنها شعرت بدوخة شديدة كادت تعيدها إلى الفراش. تمسكت بحافة المنضدة حتى استقرت. كانت قدمها الحافية تلامس بساطاً فارسياً فاخراً. نظرت إلى قدميها: صغيرتان، أنيقتان، كأنهما لم تخطوا خطوة شاقة في حياتهما.
ثم نظرت إلى المرآة.
كانت على الجدار المقابل، مرآة كبيرة بإطار مذهب على شكل صدفة. مشت إليها بخطوات متململة غير ثابتة، كل خطوة كانت تشعر فيها بخفة غريبة، كأن جسدها الجديد لا يزن شيئاً.
وصلت إلى المرآة ورفعت عينيها.
وجمدت في مكانها.
لم تصدق ما تراه.
وجه هانا كان ينظر إليها من المرآة، وكان… كان أجمل مما يمكن لأي وصف أن يعبر. وجه صغير، متناسق، كأنه منحوت بعناية إلهية. البشرة بيضاء شاحبة و صافية كالبورسلين، تتوهج تحت ضوء الفجر الخافت كأنها تنير الغرفة من داخلها. الخدود ممتلئة قليلاً بشكل طبيعي، دون حاجة إلى أي تزيين، تعطي الوجه نضارة طفولية لا تليق بجفونها المتعبة.
العينان كانتا كبيرتين، بلون أزرق عميق، واسعتان ولامعتان حتى في ظلمة الغرفة. الرموش كثيفة وسوداء، تظلل العينين بظل طبيعي يزيدهما سحراً. الأنف صغير ومشغول بدقة، والشفتان ممتلئتان بشكل مثالي، ورديتان حتى دون أحمر شفاه.
الشعر الاشقر كان طويلاً كثيفاً، ينسدل على كتفيها وظهرها كشلال حريري كل ملامحها كانت متناسقة .
جسمها كان ممشوقاً، نحيفاً بطريقة صحية . كتفان متناسقان، خصر نحيف، أطراف رشيقة. كانت ترتدي ثوب نوم أبيض من الحرير، يتدلى على جسدها بشكل يظهر كل تفاصيله المثالية.
هذه هانا. عرفت اسمها فجأة، دون أن يعرفها أحد. الاسم قفز إلى ذهنها كأنه كان هناك دائماً.
لكن شيئاً كان مخطئاً.
رغم هذا الجمال الآسر، كانت هانا التي تنظر إليها من المرآة تبدو منهكة. العينان اللازورديتين المتوهجتين بالزرقة الزاهية . كانتا غائرتين تلمعان في الظلمة .
كانت جميلة.!! جميلة بشكل يأسر الأنفاس.
فتحت فمها لتقول شيئاً، لكن صوتها لم يخرج. شعرت بغصة في حلقها، كأن يداً خفية تقبض على حنجرتها، تمنع الهواء من المرور و الكلمات من التشكل.
حاولت مرة أخرى. لا شيء. فقط شهقة قصيرة، ثم صمت.
أطرقت بصرها إلى الأرض، تحاول التقاط أنفاسها. وكانت تلك اللحظة التي شعرت فيها بشيء غريب يحدث في رأسها.
بدأت الصور تتوارد كالسيل.
امسكت سيوجين برأسها . كان الصداع مفاحئا مع كل صورة ذهنية تنطلق من مؤخرة رأسها .
رأت نفس المرآة التي تقف أمامها الآن، لكنها كانت مغطاة بملاءة سوداء. بينما رجل طويل القامة، هيئته ضخمة، يقف في الظلام تلاه صور متوالية تباعا لصديقتين تضحكان، سوزانا المتكبرة، وليديا ابنة الفيكونت المغرورة.
كانت ذكرياتها … لا لا هذه ذكريات ليس لها. ذكريات هذا الجسد الذي تسكنه الآن.
أغمضت عينيها بشدة، وظنت أن هذا سيزيلها. لكنها ازدادت وضوحاً.
عرفت فجأة أن درج المنضدة الأيمن يحتوي على مجوهراتها — مجوهرات هانا — في علبة مخملية سوداء. عرفت أن الكتاب الموضوع على المنضدة هو رواية فرنسية قديمة، أن الماركيز اشتراه لها من باريس قبل عامين ثم الخزانة في الزاوية تحتوي على رداء نوم حريري بلون الخزامى . و المفتاح الذهبي على المنضدة يفتح الدرج العلوي في الدولاب حيث تحتفظ بمجموعة اكسيسورات خاصة بوالدتها .
ع كل شيء عن هذه الغرفة بدا بديهيا و معتادا و كأنها كانت منذ البداية جزءا منه .
فتحت عينيها مرة أخرى، ونظرت إلى المرآة. وجه هانا الجميل كان يحدق فيها، لكن العينين…لكن فجأة انهمرت الدموع . و شعرت ان قلبها يتمزق لأشلاء . كان الألم النفسي ساحقا .
“أنا…” همست بصوت مبحوح، كشفت أخيراً طوق الغصة عن حنجرتها. “أنا لست هانا.”
صوتها كان غريباً على أذنيها. ليس صوتها الكوري الحاد، ولا صوت هانا الناعم. كان صوتاً مختلطاً، متردداً، كأنه يحاول أن يجد مكانه.
“أنا سيو يوجين.”
قالت الاسم وكأنه تعويذة تخاف أن تنساه. سيو يوجين. بطلة أولمبية. رامية. امرأة قررت أن تنهي حياتها قبل… كم مضى؟ دقائق؟ ساعات؟
نظرت حولها في الغرفة الفيكتورية الفاخرة، ثم عادت إلى المرآة، إلى وجه هانا الذي أصبح وجهها الآن. ذلك الوجه الذي يمكن أن يجعل الملوك يسجدون، كان الآن شاحباً مرهقاً، كأنه يخبئ سراً لا يطاق.
“كيف؟” همست. “كيف حدث هذا؟”
لم يجبها أحد. فقط صوت المطر كان يتساقط بغزارة على النافذة، كأن السماء نفسها تبكي على شيء لا تفهمه.
جلست على الأرض الباردة أمام المرآة، وضمت ركبتيها إلى صدرها. نظرت إلى يديها البيضاويتين و أصابعها الرشيقة التي لم تمسك قوس رماية يوماً. هذه اليدان كانتا تعرفان كيف تمسكان كأس شاي، كيف توقعان رسائل و تخفيان ارتجافاً.
لكنها كانت جميلة. كانت هانا جميلة بشكل لا يصدق. ورغم ذلك، كانت وحدها في هذه الغرفة، تذبل يوماً بعد يوم.
لماذا؟ ماذا حدث لهذه المرأة التي تملك كل هذا الجمال؟
نهضت ببطء، وسارت نحو الباب. أدارت مقبضه البارد، وفتحته برفق.
نظرت إلى الممر الطويل المظلم .
عالم من الرخام والظلال والأسرار . كان هذا امرأة تدعى هانا، جميلة كالقمر، لكنها اختفت عن الجميع. وربما… ربما اختارت الرحيل كما اختارت هي.
لكن يوجين لم تكن مستعدة للرحيل بعد. لقد حاولت، وفشلت. أو ربما… نجحت بطريقة أخرى.
أغلقت الباب، وعادت إلى الغرفة. جلست على حافة السرير . لم تستطع من هول الصدمات ان ترمش .
بينما استمرت ذكريات هانا بالتدفق . استسلمت لذكريات هانا التي كانت تتوارد إليها كالنهر الهادئ، تحمل معها أسراراً لم تطلب معرفتها، لكنها أصبحت جزءاً منها الآن.
كان الفجر قد انبلج تماماً، والمطر ما زال يهطل. وكانت سيو يوجين، بطلة الرماية الكورية، تفتح عينيها للمرة الأولى على عالم هي فيه الآن هانا .
—
Chapters
Comments
- 2 منذ ساعتين
- 1 - سيو يوجين منذ 3 ساعات
- 0 منذ 4 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 2"