استيقظت هانا في وقت متأخر من النهار. كانت الشمس قد عبرت ذروتها وبدأت تميل نحو الأفق، تلقي ظلالاً طويلة عبر غرفتها. لم تكن تعرف كم نامت. ساعات؟ ربما أكثر. كان جسدها منهكاً، وروحها مثقلة بكل ما رأته في الليلة الماضية.
لكن المد الهائل للذكريات كان مازال في ذروة سريانه .
بينما كانت تغفو وتستيقظ في حالة ضبابية بين النوم واليقظة، بدأت الصور تتوارد مجدداً. لم تكن قادرة على مقاومتها. كانت تنزلق إلى أعماقها كما ينزلق الغريق إلى قاع البحر.
وقفت هانا أمام النافذة، تنظر إلى الشمس وهي تشرق من وراء التلال. كان الضوء الذهبي يغسل وجهها، يدفئ جلدها البارد، لكنه لم يستطع أن يدفئ ما كان في داخلها. كانت الحقيقة لا تزال تتصاعد في صدرها، ثقيلة، مريرة، لا تطاق.
هانا ماتت. سيو يوجين ماتت. كانتا واحدة. عادت إلى البداية. وكان هناك المزيد. كان هناك دائماً المزيد.
——————————
كانت غرفة القصر الإمبراطوري فاخرة، شموعها تتألق، ستائرها من المخمل الأرجواني، وسريرها كبير مغطى بحرير أبيض. كانت ترتدي ثوب نوم حريرياً، ، ويديها ترتجفان. كانت خائفة. كانت هانا الصغيرة، السابعة عشرة، التي تزوجت من ولي العهد كايدن في اتفاق سياسي رتبه والدها مع الإمبراطور الراحل .
هانا تعلم أن والدها ظن أنه يحميها بذلك، ظن أن التحالف مع ولي العهد سيضمن مكانة العائلة للأجيال القادمة. الماركيز كان موقنا أنه يفعل ما هو أفضل لابنته.
عندما دخل بدا طويلاً، ضخماً، عيناه سوداوان عميقتان لا تُقرأ فيهما مشاعر. نظر إليها نظرة باردة، متفحصة، كأنها قطعة أثاث جديدة في الغرفة. كان هذا زواج مصلحة. كانت أداة في مشروعه. كان زواجه منها الثمن الذي دفعه مقابل إقليم دارنيل.
أطفأ الشموع. اقترب منها. وكانت الليلة الأولى.
لكن شيئاً حدث في تلك الليلة لم يكن في حسابه.
كانت خائفة، مرتجفة، لا تعرف ماذا تفعل. لكن جسدها كان دافئاً، ورائحتها كانت تفعل به شيئاً لا يفهمه. عيناها الزرقاوان في الظلام كانتا تنظران إليه بخوف وثقة غريبة في آن. وكان صمتها و خضوعها و حتى ارتجافها… كل شيء فيها يثير فيه شيئاً لم يتوقعه.
وكان يكره ذلك.
—————
كايدن كان يكره والدها. ماركيز رودريغر. لقد اضطر للتنازل و المساومة على منصبه كولي للعهد و التحالف مع رجل كان منذ الأمس عدوا سياسيا له أمام والده الإمبراطور .
وكان يكره أكثر أن ابنة هذا الرجل بدأت تعني له شيئاً.
كانت الليالي تتوالى. وكان في كل ليلة يجد نفسه يذهب إلى غرفتها ، كان يجد نفسه ينتظر اللقاء و يتساءل كيف سيكون جسدها تحت يديه هذه الليلة ، كان يتوق ل صوتها الهامس و أناتها تحته و كلما أمعن أكثر في اقتناص جسدها . كان يجد نفسه ضعيفاً، منغمساً، غارقاً فيها. وكان يكره هذا الضعف و كان يكرهها هي بالذات لأنها تسببه له.
لأنها ابنة الرجل الذي يحتقر. لأنها تذكره بأنه احتاج إلى أحد. بأنه استدان من عائلة يزدريها و أصبح مديناً لامرأة.
وكان يكره أكثر أنه لم يستطع الابتعاد.
كل ليلة كان يقسم أنها الأخيرة. وكل ليلة كان يعود. كان يغلق الباب خلفه، ويسقط قناعه، ويصبح رجلاً آخر. رجلاً لا يعرفه أحد. رجلاً ضعيفاً، متلذذاً، لا يستطيع الابتعاد عنها.
وكان يكره نفسه في تلك اللحظات و يكره ضعفه و كان يكرهها لأنها رأته هكذا.
في النهار، كان يعاقبها. كان ينظر إليها بازدراء. كان يعاملها ببرود. كان يقول لها كلمات جارحة. كان يريد أن يعيد التوازن. كان يريد أن يشعر بأنه القوي، وأنها الضعيفة. كان يريد أن ينسى أنه كان بين ذراعيها عارياً، ضعيفاً، منغمساً فيها.
لكن في الليل، كان يعود. كان يعود دائماً.
—
ثم أصبح إمبراطوراً.
كانت هذه هي البداية الحقيقية. لأكبر خسارة. ل هانا
أخضع كل القارة الجنوبية بالقوة. استطاعت جيوشه اجتياح الممالك المجاورة في ظرف وجيز مما أخضع الدوقيات المتمردة، وطهرت كل من وقف في طريقه. أصبحت إمبراطورية كالانديا العظيمة تمتد من البحر إلى الجبال في الشمال و المحيطات بالجنوب. وكان هو سيدها المطلق.
لم يعد بحاجة إلى أحد. لم يعد بحاجة إلى تحالفات ليساوم عليها . او وعود تكبله ..
ماركيز رودريغر خسر كل شيء آنئذ . شمالت خسائره إمتيازاته و أراضيه التي فقد نفوذه عليها . لم يعد الحليف القوي الذي ظن نفسه عليه. أصبح مجرد تابع من بين آلاف التابعين.
ونُفي بعدها إلى قصر أرشيل البعيد. قصر صغير، مهمل، على أطراف الإمبراطورية. كان هذا مصير من ظنوا أنهم يستطيعون التفاوض مع كايدن.
لكن هانا بقيت في القصر الإمبراطوري.
بعد تجريدها من لقبها. لم تعد إمبراطورة و لا حتى في مقام زوجة. كانت نكرة . مجرد امرأة تعيش في غرفة في أقصى الجناح .
مع ذلك ظل كايدن يزورها. كان يأتيها كل ليلة. كان يأتيها كما كان يفعل منذ أول ليلة.
حتى مع تعيين اكاتلينا كامبراطورة. كان كايدن يستمر في زياراته الليلية لها . و من الغريب بمكان انه حتى ليلة اقترانه بإكاتلينا قرر قضاء الليلة في مهجع هانا دون اقامة اي اعتبار لمشاعر و مكانة الامبراطورة الجديدة.
كان كايدن يظن أنتصاراته ستشفيه. و الإطاحة بالماركيز سيمحو ضعفه. كان يظن أنه بعد هذه الليلة التي اقترن فيها بابنة الكونت سترواس لن يعود بحاجة إليها.
لكنه وجد نفسه يقتحم غرفتها متلهفا لها .
كانت جالسة على حافة السرير. تنظر إليه بعينيها الزرقاوين، وكان فيهما شيء لم يره من قبل.
كان فيهما… عدم الاكتراث.
نظرت إلى الإمبراطور القوي المنتصر. وقالت بصوت هادئ، بارد، لم تكن تتحدث به من قبل .
“لقد انتصرت الآن. فلماذا مازلت تأتي؟”
توقف.
كانت الكلمات صغيرة، بسيطة. لكنها ضربته في الصميم. مفادها …لقد حصلت على ما تريد. لقد نفي والدي. لم تعد مديناً لأحد. و لم تعد بحاجة إلي. فلماذا أنت هنا؟ لماذا تعود؟
لماذا يعود؟
كان هذا السؤال الذي كان يهرب منه و لم يستطع الإجابة عليه. لم يكن بحاجة إليها و لم يكن مديناً . لقد أضحى إمبراطوراً قويا يستطيع بسهولة سحق اي تمرد و الإطاحة بأعرق الامبراطوريات .
لكنه كان هنا مجددا . كان واقفاً في غرفتها، كما كان يفعل كل ليلة. لأنه لا يستطيع الابتعاد. لأن كل شيء فيه يحتاجها.
وشعر بالغضب يتصاعد في صدره. غضب من كلماتها التي تفضح ضعفه الذي لم يستطع إخفاءه.
انقض عليها. أمسك بفكها بعنف، بأصابعه القاسية التي غاصت في عظم وجهها أجبرها على النظر إليه.
“أيتها السافلة، اصمتي.”
كان صوته هامساً، لكنه كان أشد من الصراخ. كانت عيناه السوداوان تحترقان بغضب لا يوصف. انفحرت رغبة عارمة في اوصاله . كان يريد أن يكسرها و يعيدها إلى مكانها. كان يريد أن يسمعها تخاف و تتوسل.
لكنها لم تفعل. كانت تنظر إليه بعينيها الزرقاوين و للحظة هاله ما رآه . عيون زجاجية فارغة . بدت المرأة أمامه الان و كأنها جسد فارغ من كل أشكال الحياة .
وشعر كايدن بشيء لا يشعر به غالباً. شعر بالعجز. كانت تحت يده، بين أصابعه، أضعف مما يمكن أن تكون. لكنه كان عاجزاً عن كسرها او اخضاعها .
أراد فعلاً أن يقتلها. شعر بيديه ترتجفان على وجهها و بالرغبة في الضغط أكثر حتى يكسر عظامها و إنهاء كل شيء. كان يريد أن يقتل هذا الضعف الذي تمثله المرأة أمامه و يقتل الدليل الحي على أنه ليس قوياً كما يظن.
لكنه لم يستطع .
ترك ذقنها وتراجع خطوة إلى الوراء. كانت يداه لا تزالان ترتجفان و بدأ يتنفس بصعوبة. نظر إليها. كانت لا تزال جالسة على حافة السرير، لا تتحرك ، لا تنظر إليه. كانت تنظر إلى نقطة ما خلفه، إلى لا شيء.
لم يعرف ماذا يفعل بنفسه . كيف سيكون الغد إن قتلها. لم يعرف كيف سيعيش في عالم هي ليست فيه و لا كيف ينام دون أن يعرف أنها هناك، في مكان ما، تنتظر. دون أن يعرف أنه يستطيع أن يأتي إليها إذا أراد.
كانت المرأة الوحيدة التي جعلته يشعر بالحياة. وكان يكرهها على ذلك.
خرج من الغرفة. أغلق الباب خلفه. وقف في الممر الطويل، يتنفس بصعوبة، يداه لا تزالان ترتجفان.
كان يعلم أنه سيعود. سيستمر بملاحقة ملذاته و سعادته بجانبها في كل ليلة . و قد كان مستعدا لتقبل هذا الضعف الان بكل سرور .
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"