شق ولي العهد كايدن طريقه عبر القاعة بخطوات ثقيلة واثقة، كمن يمشي في ساحة معركة لا في حفلة راقصة. كان ينظر أمامه مباشرة متجاهلا الانحناءات المتوالية من الرعايا النبلاء.
سوزانا كانت ترتجف إلى جانب هانا. كانت عيناها الخضراوان مثبتتين عليه، تتألقان بأمل خفي يترقب الكثير الليلة . كانت ترفع ذقنها، و هي تعدل ثوبها الأحمر و تهيئ ابتسامتها الأجمل. كانت على بعد خطوات منه.و بينما كانت على وشك أن تنحني .
مر ولي العهد كايدن دون أن يلحظها على الهامش.
مر بجانبها كأنها لم تكن موجودة ، لقد عاملها كما يعامل الأعمدة الرخامية التي تصطف في القاعة.
توقف أمام الليدي إكاتلينا ستناوس.
كانت إكاتلينا واقفة بثبات . ثوبها الفضي يتلألأ تحت الأضواء، وشعرها الأسود ينسدل على كتفيها كالليل.
لكن الآن، مع اقتراب ولي العهد منها، تغير كل شيء.
تصلبت ملامحها للحظة. ارتجفت يدها البيضاء عندما مد يده إليها برفق انيق مدها . احمر وجنتاها فجأة، وكأن الدماء اندفعت إليهما دفعة واحدة. عيناها السوداوان، التي كانت طوال الحفلة باردة وثابتة، اتسعتا قليلاً، وأصبحتا لامعتين، فيهما دهشة و عجاب و شيء يشبه الذهول.
لم تعد إكاتلينا المرأة الواثقة الباردة. أصبحت فتاة صغيرة تقف أمام رجل تهتز له.
انحنى ولي العهد. انحنى أمامها، أمام الجميع، بكل هيبته وجبروته. رفع يدها البيضاء و طبع قبلة رقيقة على ظهر يدها .
كانت قبلة بطيئة، متعمدة، واضحة للجميع. كانت عيناه السوداوان مثبتتين عليها طوال الوقت. نظراته جامدة، باردة، لا تعكس مشاعر حقيقية.
لقد أعطى الصحافة للتو خبرا ساخنا سيتصدر العناوين غدا و قد يستمر لأسابيع دون ان يهدأ .
بعدها ارتسمت انحناءة باهتة على زاوية شفته . كانت ابتسامة شبه مخفية، بالكاد مرئية، رسمت على فمه للحظة ثم اختفت. لم تكن ابتسامة حب. كانت ابتسامة من يعرف قوته. .
وكانت إكاتلينا واقعة فعلًا. تقف أمامه مثل تمثال يذوب. عيناها السوداوان لا تفارقان وجهه. شفتاها مرتجفتان قليلاً. يدها التي لا تزال في يده ترتجف ارتجافًا خفيفًا. كانت مشتتة و مرتبكة .
وقف الاثنان بعدها و تبادلا التحيات الرسمية. كانت إكاتلينا لا تزال مشتتة، تحاول استعادة تماسكها لكنها تفشل. كانت تبتسم ابتسامة خجولة، ضعيفة، تجيب على أسئلته بصوت لا يكاد يُسمع، وكأنها تائهة في حضوره.
أما سوزانا…
كان وجهها قد تحول إلى اللون الرمادي. كانت عيناها الخضراوان مثبتتين على المشهد أمامها، تتسعان ببطء، يملؤهما شيء يهدد بالانهيار .
كانت شفتاها ترتجفان و شدت ثوبها بقبضتها المرتجفة . عيناها الخضراوان تلمعان بالدموع التي تقاومها بكل قوتها.
كانت ترى حب حياتها يقبل يد امرأة أخرى و يختار غيرها كمن يعلن للعالم أن سوزانا درافون لا تعني له شيئًا.
لم تكن مجرد خيبة أمل. كانت نهاية العالم. كل سنوات الانتظار، كل خططها، كل أحلامها بأن تصبح إمبراطورة يومًا… تذوب أمام عينيها.
ليديا نظرت إليها بخوف. مدت يدها لتلمس ذراع سوزانا، لكن سوزانا دفعت يدها بعنف.
“لا تلمسيني،” همست بصوت مبحوح.
كانت دموعها قد بدأت تتساقط. كانت تذرف الدموع أمام الجميع، أمام النبلاء الذين كانوا يتنافسون معها، أمام إكاتلينا التي سرقت حلمها، أمام هانا.
كان انهيارها كاملاً.
———————————————————————
كانت غرفة تغيير الملابس صغيرة، أنيقة، ذات مرآة كبيرة ومنضدة مزينة بالورود المجففة. كانت بعيدة عن ضجيج القاعة الرئيسية، المكان المثالي للاختباء.
دخلتها سوزانا أولاً، تدفع الباب بقوة، وكأنها تهرب من شيء يلاحقها. تبعتها ليديا بخطوات سريعة، ثم هانا التي أغلقت الباب خلفها بصمت.
سوزانا التي لم تعد قادرة على الوقوف.
ارتطمت بحافة المنضدة، ثم انزلقت على الأرض ببطء، كقلعة تنهار. جلست هناك، على الأرض الباردة، ثوبها الأحمر يتكوم حولها كدماء متجمدة. يداها المقبوضتان على حافة المنضدة كانتا ترتجفان. والدموع استمرت بالاندفاع أكثر .
ثم انفجرت.
.بكت بحرقة لم تسمع لها هانا مثيلاً. لم تكن تبكي بصوت عالٍ، بل بصوت مكتوم، مختنق، كأنها تخنق أنينها بأسنانها. كانت شهقاتها قصيرة، متقطعة، وجسدها كله يهتز كغصن في عاصفة.
ليديا وقفت بجانبها، مشلولة. لم تكن تعرف ماذا تفعل. كانت سوزانا دائمًا القوية، المتسلطة، التي لا تبكي أبدًا. لم تكن تعرف كيف تواسي امرأة كانت تخافها طوال حياتها؟
مدت يدها أخيرًا، ولمست كتف سوزانا برفق. “سوزانا…”
لكن سوزانا لم تسمع. كانت غارقة في بكائها، تنظر إلى الأرض .
اكتفت ليديا بالتربيت على كتفيها د
لكن سوزانا لم تهدأ. كانت تبكي أكثر. ألقت بنفسها على ليديا فجأة، ودفنت وجهها في كتفها، وبكت هناك. دموعها تبلل ثوب ليديا الوردي، ويداها تتمسكان بكتفيها وكأنها تخشى السقوط.
ليديا تصلبت للحظة. ثم، ببطء، أحاطت ذراعيها حول سوزانا، وبدأت تربت على ظهرها بحركات أوسع و أكثر ثقة.
“همم… أنا هنا… … لا تخافي…”
كانت هانا واقفة عند الباب بلا حراك .
كانت واقفة هناك، جامدة و مصدومة.
لم تكن صدمتها من سوزانا. كانت صدمتها مما رأته قبل دقائق. كانت الذكريات لا تزال تتصاعد في صدرها، لا تهدأ.
توقفت هانا عن التنفس للحظة. شعرت بالغثيان و بالدوار . كأن الأرض تختفي من تحت قدميها.
هذا الرجل. هذا الرجل الذي يعاملها بازدراء في النهار، كان يأتي إليها كل ليلة. كان يغلق الباب، ويسقط قناعه، ويصبح رجلاً آخر. رجلاً ضعيفًا، منغمسًا، لا يستطيع الابتعاد عنها. كان يحتاجها و يلهث من أجلها و هو يهمس باسمها بصوت لا تسمعه آذان أخرى.
وكل صباح، كان يلبس قناعه مرة أخرى. كان ينظر إليها بازدراء و يعاملها ببرود. كان يخرج من غرفتها دون كلمة، وكأن ما حدث في الليل لم يكن.
لماذا؟ لماذا يفعل هذا؟ لماذا يحتاجها هكذا ثم يعاملها كحشرة؟ لماذا يكون ضعيفًا بين ذراعيها ثم قاسيًا في وجهها؟
لم تكن تفهم. كانت فقط مصدومة و جامدة. لا تستطيع الحركة.
—
بكت سوزانا طويلاً. كانت دموعها لا تنقطع. وكانت ليديا تواسيها بكلماتها الخجولة أن كل شيء سيكون بخير .
لكن بين الحين والآخر، كانت ترفع عينيها وتنظر إلى هانا.
كانت هانا واقفة عند الباب، ظهرها مستندًا إلى الحائط، وجهها شاحب، وعيناها الزرقاوان مفتوحتان على اتساعهما، تنظران إلى الفراغ . كانت كمن فقدت روحها للحظة.
ليديا لم تفهم. كانت سوزانا تبكي لأن ولي العهد اختار إكاتلينا. كانت تفهم ذلك. كانت سوزانا تحبه، ورأت حلمها يتحطم أمام عينيها.
لكن هانا؟ ماذا حدث لهانا؟
كانت هانا طوال الحفلة مختلفة. كانت واثقة، هادئة، لا تخاف من سوزانا، لا تهتم بالأمير كاسيان، لا تنزعج من شيء. كانت تبدو أقوى مما رأتها ليديا من قبل.
لكن الآن، كانت واقفة هناك كمن رأى شبحًا.. بدت منهارة و مدمرة داخليًا دون أن تصدر صوتًا.
ليديا كانت تتساءل. ماذا حدث لها؟ ماذا رأت؟ هل رأت ولي العهد أيضًا؟ هل كان له أثر عليها كما كان على سوزانا؟ لكن هانا لم تكن تحب ولي العهد. لم تكن تعرفه حتى. أو هكذا كانت تعتقد.
لكن نظرات هانا الآن كانت تقول شيئًا آخر. كانت يداها المقبوضتان على جانبي ثوبها ترتجفان. كانت شفتاها مغلقتان بإحكام، كأنها تكتم صراخًا لا تريد أن يخرج.
ليديا لم تفهم. لكنها شعرت بالخوف.
“هانا؟” نادتها بصوت خافت، تخشى أن تزعج سوزانا التي كانت لا تزال تبكي على كتفها.
لم ترد هانا. كانت تنظر إلى نقطة في منتصف الغرفة، إلى شيء لا تراه ليديا.
“هانا؟” نادتها مرة أخرى، بصوت أعلى قليلًا.
فتحت هانا عينيها فجأة. نظرت إلى ليديا. كان في عينيها شيء لم ترَه ليديا من قبل. خوف قديم، عميق، مدفون. كأنها عادت فجأة إلى زمن كانت فيه خائفة، ضعيفة و منهزمة.
“أنا…” همست هانا. توقفت. بلعت ريقها. “أنا بخير.”
لكن صوتها كان يرتجف. وكانت ليديا تعرف أنها ليست بخير.
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"