1 - سيو يوجين
كانت الغرفة مظلمة، رغم أن الشمس قد أشرقت منذ ساعات.
ستارة النافذة الثقيلة مسدلة بإحكام، تسمح لخيط وحيد من الضوء بالتسلل من عند حافتها، ليرسم خطاً ذهبياً رفيعاً على أرضية الباركيه. ذلك الخط الذهبي كان يتحرك ببطء مع مرور الوقت، كعقرب ساعة صامت، يشهد على ساعات النهار التي تمضي دون أن تلمس صاحبة الغرفة.
على المنضدة بجانب السرير، وقفت قارورة صغيرة من الماء، وبجانبها علبة دواء فارغة تقريباً. يوجين كانت تمسك بالعلبة بيدها المرتجفة، تنظر إلى الحبتين المتبقيتين في راحة يدها. حبتان فقط. لم تكونا كافيتين .
نهضت من السرير بصعوبة، شعرت بدوار خفيف اعتادته في الأشهر الأخيرة. سارت إلى حقيبة الأدوية الصغيرة على رف المكتب، بأقدام حافية، تتحسس الأرض الباردة. فتحت الحقيبة، وبدأت تخرج منها علبة تلو الأخرى: مسكنات الألم، أدوية الغدة الدرقية التي لم تعد تلتزم بمواعيدها، ومهدئاً خفيفاً وصفه لها الطبيب قبل أشهر.
وضعت كل ما وجدته على السرير. كانت تحسب الكمية بعينين جافتين، كأنها تقوم بعملية حسابية بسيطة. ستة أقراص هنا، أربعة هناك، إضافة إلى الحبتين المتبقيتين من العلبة الأولى. اثنا عشر قرصاً. كانت كافية.
جلست على حافة السرير، وبدأت تفرغ محتويات العلب في راحة يدها. كانت الحركة ميكانيكية، باردة، كأن جسدها يعمل لوحده بينما روحها تطفو في مكان ما، تنظر من بعيد.
لم تكن تعرف متى بدأ هذا الشعور بالتحديد. ربما في اليوم الذي تلقت فيه المكالمة من الاتحاد الكوري للرماية: “السيدة سيو يوجين، نأسف لإبلاغك…”
آه، تلك المكالمة. كانت تجلس في غرفة المعيشة، تضع كمادات الثلج على ركبتها المتورمة بعد جلسة تدريب شاقة. سمعت صوت المدير الفني يقول كلمة “وزنك” ثلاث مرات، وكلمة “اللياقة” خمس مرات، وكلمة “نأسف” مرة واحدة فقط. قالت له إنها ستعود أقوى، إنها تحتاج فقط لبضعة أسابيع. قال إن القرار نهائي لا رجعة فيه . أغلقت الخط، ثم جلست ساعة كاملة تنظر إلى الحائط الأبيض أمامها.
لكن الأسوأ جاء بعدها بأيام.
فتحت هاتفها ذات صباح، كعادتها، لترى رسائل التهنئة والتعليقات المشجعة التي اعتادت عليها بعد كل إنجاز. لكن ما رأته كان مختلفاً.
كانت الصورة الأولى تظهرها في المقهى قبل ثلاثة أشهر، وهي تطلب قطعة كعكة. وجهها منتفخ قليلاً من تأثير المرض، وجسدها الذي بدأ يكتسب وزناً تحت ثوب فضفاض. التعليقات كانت أمضى من نصل السيف .
“ما هذا؟ من أين أتت هذه البقرة؟”
“أين ذهبت البطلة الأولمبية؟ لقد أكلتها الدهون.”
“هذا ما يحدث عندما تتوقف عن التدريب. تستحق الإقصاء.”
” من بطلة أورلمبية إلى خنزيرة بدينة تتمرغ في وحل من الذهون “
ظنت أن الأمر سيهدأ بعد يوم أو يومين. لكن الصور كانت تتكاثر. صور قديمة التقطها لها المارة في الشارع وهي تمشي، صور من آخر ظهور علني لها في حفل توزيع الجوائز، صور مقارنة بين جسدها اليوم وجسدها عندما كانت ترفع الذهبية في الأولمبياد.
“من هنا إلى هناك… انظر كيف سقطت.”
“كانت جميلة. الآن أصبحت مثيرة للاشمئزاز.”
“الرماية رياضة تحتاج إلى تركيز، لا إلى شره.”
توقفت عن فتح هاتفها بعد أسبوع. ثم توقفت عن الرد على المكالمات. حتى انها لم تعد قادرة على فتح ستارة النافذة ، ثم بدأت تأكل كل ما تراه أمامها . جسدها كان يعاقبها، وكانت هي تعاقبه بالمقابل.
في يدها الآن، اثنا عشر قرصاً بألوان مختلفة: أبيض، أزرق فاتح، أصفر باهت. كانت تنظر إليهم وكأنهم أصدقاء سينهون هذا الألم المندلع في صميم صدرها .
رفعت رأسها ونظرت إلى المرآة الصغيرة على المكتب المقابل. رأت امرأة لا تعرفها. وجهاً منتفخاً و عيوناً غائرة فقدت بريقها و برز التقعر المحيط بالجفون اكثر و أكثر . شعراً طويلاً مهملاً لم تمشطه منذ أيام حتى ظهرت بوادر التخشب على أطرافه . هذه ليست سيو يوجين. هذه امرأة أخرى احتلت جسدها وأفقدتها كل شيء.
ذهبيتان أولمبيتان و سجل وطني. حلم عمرها. ذهب كله في لحظة، ليس لأنها توقفت عن التدريب، بل لأن غدتها الدرقية قررت أن تخونها، ولأن الناس قرروا أن جسدها أصبح ملكاً للتعليق عليه.
رفعت يدها بالحبوب إلى فمها.
في تلك اللحظة، سمعت صوتاً خفيفاً من خارج النافذة. صوت أطفال يلعبون في الحديقة المجاورة. ضحكات عالية، صراخ، ثم صوت أم تنادي أحدهم: “يوجين! تعال لتأكل!”
توقفت للحظة. يوجين. نفس الاسم. طفلة صغيرة تحمل اسمها، تناديها أمها لتأكل.
غمضت عينيها. تذكرت والدتها التي هجرتها عندما كانت في الثانية عشرة. و اضطرت للعيش في ميتم .
“لقد كانت حياة بائسة على كل حال .” همست لنفسها و هي تغمض عينيها .
فتحت عينيها. نظرت إلى الحبوب في يدها.
” ليس لدي الان شيء واحد يستحق أن أعيش من أجله “
همست الكلمات في الهواء الفارغ، ثم وضعت الحبوب كلها في فمها، ورفعت قارورة الماء إلى شفتيها . ابتلعتها دفعة واحدة . و لوهلة حتى شعرت أن كل شيء أصبح خلفها و أنها أصبحت خفيفة .
وضعت القارورة على المنضدة، واستلقت على السرير.
شعرت بدوار أقوى من المعتاد. نظرت إلى السقف الأبيض، الذي بدأ يبدو بعيداً جداً. كان جسدها يخدر ببطء، كأنه يودعها.
مدت يدها المرتجفة إلى هاتفها على المنضدة. فتحته بصعوبة، وعيناها تتداخلان. بحثت عن اسم تشوي سوآه، صديقتها الوحيدة التي لم تتخل عنها.
بدأت تكتب رسالة. أصابعها كانت ترتجف، الكلمات تتداخل.
“سوآه… آسفة. لم أعد أقوى على الكفاح … شكرا لك على وجودك إلى جانبي .”
توقفت. نظرت إلى الشاشة التي بدأت تتمايل أمامها.
ثم رأت شيئاً غريباً.
كان هناك ضوء أبيض ناصعاً يتشكل في زاوية الغرفة، يتوسع ببطء، كأنه باب يفتح على مكان آخر.
أغمضت يوجين عينيها، ظنت أن هذا بداية النهاية.
لكنها سمعت صوتاً. ليس صوتاً من الخارج، بل صوتاً في رأسها. صوتاً غريباً، قديماً، يتحدث بلغة لم تفهمها، لكنها شعرت بمعناه في أعماقها:
“ألستِ مستعدة للمغادرة بعد؟”
فتحت عينيها. الضوء الأبيض كان الآن يملأ الغرفة كلها، يغمرها و يرفعها.
شعرت بخفة غريبة. جسدها الثقيل، الذي أصبح عبئاً عليها في الأشهر الأخيرة، لم يعد يثقلها. كانت تطفو و ترتفع باتجاه ذلك الضوء.
نظرت إلى الأسفل، ورأت جسدها ما زال مستلقياً على السرير. كانت تراه من فوق، كأنها تنظر إلى شخص آخر.
“أنا… أموت؟”
لم يكن هناك خوف. فقط فضول خفيف، وشعور غريب بالارتياح.
ثم سمعت الصوت مرة أخرى:
“لا. أنتِ تولدين من جديد.”
انجذبت نحو الضوء بقوة لا تقاوم. شعرت بأنها تُسحب و تُطوى و تُعاد تشكيلها. كان هناك ألم للحظة، ثم اختفى كل شيء.
Chapters
Comments
- 2 منذ 36 دقيقة
- 1 - سيو يوجين منذ ساعتين
- 0 منذ 3 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"