كانت خداها محمرتين بحمى شديدة، وترمشت عيناها ببطء. ثم سألته بصوت متقطع:
«…يوري؟ لماذا… أنت… هنا؟»
كانت كلماتها تنقطع بين الحين والآخر. لقد استعادت وعيها، لكن حالتها لم تكن تسمح بالاطمئنان. كان من الممكن أن تسقط مرة أخرى في أي لحظة.
كان قد تجاوز منتصف الليل عندما هرع من القصر الإمبراطوري إلى قصر ديير، ينثر قواه السحرية في كل اتجاه. وريث عائلة ريفر الذي ظهر فجأة أثار حذر ديير الشديد، لكنهم اضطروا إلى فتح الأبواب له بسبب فيفيان التي كانت تفقد وعيها وتستعيده باستمرار وهي ملقاة على السرير.
حاول يوري مرارًا تهدئة قواه السحرية، لكن حالة فيفيان لم تتحسن أبدًا.
لقد فهم الآن لماذا طلبت ساشا منه قتل فيفيان.
«جئت بعد منتصف الليل. وعندما وصلت… كنتِ فاقدة الوعي.»
«…كنتُ نائمة.»
«لا. لم تكوني نائمة. كنتِ تفقدين الوعي وتستعيدينه باستمرار.»
ولهذا بقي يوري.
عاد إدموند متأخرًا، فرأى يوري وارتسم على وجهه تعبير مذهول للحظة، ثم أطفأ كل اهتمامه فجأة.
حاولت فيفيان تعديل وضعيتها قليلاً واستندت إلى الخلف. عندما مدت يدها، ظهر معصمها النحيل جدًا من بين كمها الأبيض. بدا أنها تفكر في الشيء نفسه، فظلت صامتة طويلاً.
«يبدو أنني سأموت حقًا هذه المرة.»
حركت فيفيان شفتيها بصعوبة بالغة.
أطرق يوري بصره، ووقف على مسافة قصيرة من السرير يراقبها. أسقطت ذراعها بلا حول، وأغمضت عينيها. تجعدت جبهتها. يبدو أن الصداع كان يؤلمها بشدة. كانت قد قالت سابقًا إنها تعاني من صداع نصفي رهيب.
انحنى يوري والتقط كرة الورق الملقاة تحت السرير. لم تكن كرة في الحقيقة، بل ورقتان فقط. رسالة في غاية الفوضى.
كانت بقع الدم واضحة عليها، والخط مائل ومشوه. كان واضحًا أنها كتبتها بآخر ما تبقى لها من قوة.
«إذا متُّ هذه المرة… فلن تكون هناك فرصة أخرى أبدًا.»
حولت فيفيان رأسها لتنظر إلى يوري، لكنها لم تلاحظ أنه يمسك برسالتها بذهول.
يبدو أن بصرها قد ضعف مرة أخرى.
«يجب أن أذهب الآن…»
«فيفيان، هذه سقطت.»
«هم؟»
وضع يوري الرسالة في يدها. انتفضت فيفيان واستعادت تركيزها فجأة.
عضت شفتها بقوة حتى سال الدم.
بعد وقت طويل، رفعت الورقة ببطء ونظرت إليها. وعندما رأى يوري عينيها الخضراوين الداكنتين تحاولان التركيز، شعر برغبة جامحة في الهرب من الغرفة، من الموت نفسه.
كان يريد أن يخرج ويستدعي إدموند.
لكنه لم يستطع… لأن فيفيان أمسكت به.
«يوري! هل يمكنني أن أطلب منك شيئًا واحدًا فقط؟»
«…تكلمي.»
«الرسالة… ملطخة بالدم، والخط فوضوي جدًا. هل يمكنك نسخها على ورقة نظيفة؟»
«…حسنًا.»
«شكرًا لك.»
ارتسمت على وجه فيفيان ابتسامة مرتاحة أكثر.
كان شعرها الوردي المجعد جافًا وخشنًا، بعيدًا كل البعد عن لمعانه في حفلة الرقص. بدت كأن ألوانها كلها قد أصبحت باهتت.
«سأستدعي إدموند. استريحي قليلاً.»
خرج يوري دون أن ينتظر الرد، وبمجرد خروجه من الغرفة، شعر أنه قادر على التنفس مجددًا.
مرر يده في شعره وأطرق برأسه. خرجت من فمه لعنة تلقائية. أصبح يفهم الآن لماذا قالت ساشا إنها لن تعود.
كان يجب أن تعود بينما لا تزال واعية.
ليس من أجل إنقاذ العائلة فقط… بل من أجل أن تعيش سنة إضافية واحدة على الأقل دون ألم.
خشخشة.
بدون أن يدري، شد يده فتجعدت الرسالة في قبضته.
«ها… هاها…»
شعر يوري أنه قد جن قليلاً.
كان يجب أن يموت هناك مع جوير التي يحبها. لا أن يقف هنا يعذب نفسه بهذه الأمور.
ومع ذلك، عندما كان ينوي العودة إلى الغرفة لتنفيذ طلب فيفيان، اصطدم مباشرة بإدموند.
كان إدموند واقفًا أمامه بعينين حمراوين منتفختين، ينظر إلى الفراغ. كان يشبه ملاكًا جميلًا جدًا طُرد بعد ارتكاب ذنب. مظهره كان خلابًا، لكن هيبته كانت كافية لقتل عدة أشخاص.
اقترب إدموند خطوة واحدة، ثم انتزع الرسالة من يد يوري.
«هذه رسالتي! فيفي أعطتها لي!»
ارتجف فكه. كان إدموند يهمس «رسالتي… ملكي» وكأنه مجنون.
«نعم، إنها لك.»
أمسك إدموند الرسالة بقوة وهو يرتجف. لم يستطع حتى قراءة ما كُتب عليها، فظل يمسح خده بظهر يده مرارًا وتكرارًا.
«هذه الرسالة التي كتبتها فيفيان إليك.»
«…»
أمسك يوري بكتف إدموند وأداره. إرسال إدموند بهذه الحالة إلى فيفيان سيكون كارثة.
«اهدأ أولًا، ثم عد.»
*
حاول إدموند مرارًا وتكرارًا قراءة رسالة فيفيان.
لكنه لم يستطع فهم شيء سوى الخط المشوه. قرأ الفقرة الأولى خمس أو ست مرات، ثم أطبق شفتيه بألم ووضع الرسالة على الطاولة.
بقع الدم التي لم تمحُ حتى بعد فركه بأصابعه جعلت قلبه يضطرب. والخط الفوضوي جعله يتخيل بمرارة كم كانت فيفيان يائسة وهي تكتب هذه الرسالة.
في النهاية، غسل وجهه بالماء البارد، ثم توجه مباشرة إلى غرفة فيفيان.
عندما فتح الباب بعنف، كانت فيفيان مستندة نصف جلوس على الوسائد، عيناها مغمضتان بهدوء.
حتى وقت رسم لوحتها الشخصية كانت بخير، لكن مع اقتراب نهاية العام بدأ نورها يخبو تدريجيًا.
لم تكن فيفيان تعلم كم كانت الخادمات يعتنين بشعرها الذي أصبح جافًا يومًا بعد يوم. ولا كم كان إدموند يضع يده تحت أنفها وهي نائمة ليتأكد من أنها لا تزال تتنفس.
«فيفي.»
«…جئت؟»
لم تتحرك فيفيان، فقط رفعت جفونها قليلاً، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي ترفع طرف شفتها. تذكر إدموند صيف العاصمة الحار في عينيها الخضراوين الداكنتين. في ذلك الوقت لم يكن يتخيل أبدًا أن النهاية ستكون هكذا.
في الفترة التي سقطت فيها فيفيان ثم استعادت قوتها بصعوبة، كان إدموند يعلم أنه لا يجب أن يفرح أو يحزن كثيرًا، لكنه مع ذلك كان يحمل الأمل.
«يجب أن أعود حقًا.»
ثم تحطم ذلك الأمل في مهرجان الفوانيس.
استسلم إدموند لفيفيان.
كان الاستسلام مستحيلاً، لكنه اضطر إليه. لقد أحبها بجنون، ومع ذلك ذابت هيبته وتعلقه الشديد في بحر حبه العميق.
«كل البشر سيموتون.»
«علينا أن نقبل ذلك.»
كانت قد قالت له ذات مرة إن الإنسان عاجز أمام الموت.
لكنه لم يستسلم لفيفيان لأنه استسلم للموت. بل استسلم لأنه ركع أمام حبه العميق، وأمام ابتسامتها التي تضيء العالم كله في أحلك لحظاتها.
عندما استعادت وعيها، كان إدموند جالسًا بجانب السرير مباشرة. كانت فيفيان قد رفعت رأسها تنظر إليه.
انهار إدموند. جلس على حافة السرير وأمسك بيدها الصغيرة النحيلة بكلتا يديه. انحنى ظهره، وانخفض رأسه.
«ارجعي، فيفي.»
توسل إليها إدموند.
«إذا عدتِ… ستعيشين، أليس كذلك؟»
تابع إدموند كلامه سواء أجبته أم لا.
«ارجعي معي، فيفي.»
كانت هذه المرة توسلاً مختلفًا تمامًا عن كل المرات التي كان يتوسل فيها إليها ألا تذهب.
«ارجعي إلى طفولتك المبكرة جدًا. ارجعي إلى هناك وعيشي طويلاً، طويلاً جدًا. هل فهمتِ؟»
«…»
«فيفي.»
«نعم.»
عندها فقط ابتسم إدموند ابتسامة مشرقة. أمسك بوجهها الشاحب، ورتب خصلات الشعر المتطايرة بلطف، وقال بصوت رقيق:
«حقًا… أكره أن أقول هذا، لكن يجب أن تتعايشي جيدًا مع ساشا أيضًا. لا، حتى لو لم تستطيعي، فلا بأس. لا تتعلقي بها كثيرًا. الأهم هو أنتِ، يجب أن تفكري في نفسك فقط.»
قبل ظهر يدها بلطف.
«يجب أن تطلبي المساعدة من يوريسيون. لا تتعلقي بما كنت أفكر به تجاه عائلة ريفر. عندما تشعرين بالصعوبة، اطلبي منه المساعدة. لا تختنقي بالكلام كما تفعلين هنا، بل يجب أن تعيشي بأي طريقة ممكنة. هل فهمتِ؟»
«نعم.»
ابتلع إدموند ريقه بصعوبة، ثم وضع يده على جبهته. بدا أن كلامه تعثر، فحرك شفتيه عدة مرات قبل أن يرسم ابتسامة مصطنعة تشبه الرسم.
«إذا كنتِ تعودين لأنك تريدين الحصول على اعتراف ساشا، أو حتى ذرة من حبها، فسأظل أعارض. هل تحبك ساشا حقًا؟ لا أعرف إن كان ذلك صحيحًا. لكن ذلك ليس المهم.»
أمسك بكتفيها بلطف.
«فيفي، أنا أيضًا أحبك. أحببتك فأردت أن أحتفظ بك هنا، أردت أن أضعك في يدي بأي ثمن. لكنني لن أحتفظ بك فقط لأنني أحبك.»
نزلت يده من كتفها إلى ذراعها ثم أمسك بيديها بقوة. قال بصوت حازم، خالٍ من أي ابتسامة:
«للسبب نفسه، يجب ألا تعودي فقط من أجل الاعتراف والحب.»
«لماذا؟»
«لأنك إذا عُدتِ ولم تعترف بك، ولم تحبك، فسوف تكررين الوقت نفسه، وستكونين تعيسة مرة أخرى بنفس الطريقة.»
═══∘°❈°∘═══
ترجمة: مابل
حسابي على انستا: ma0.bel
ولا تنسى ذكر الله ودعاء لأهلنا في غزة و سودان ومسلمين أجمعين
التعليقات لهذا الفصل " 97"