كانت تحضيرات الحفلة قد اكتملت تمامًا اليوم. حتى أولئك الذين نادرًا ما يُرون في قصر «ديير» كانوا حاضرين. مشيتُ أنا وإدموند عبر القصر الذي كان يتحوّل رويدًا رويدًا إلى لوحة فخمة متلألئة.
كنا الوحيدين في كل هذا القصر اللذين لم يرتديا فستانًا سهريًا ولا بدلة رسمية، فبدونا كجسمين غريبين تمامًا عن المكان.
«هم؟»
في أبرز مكان في صالة القصر الرئيسية، كانت تتدلّى لوحةٌ ذاتية لأختي. أدركتُ حينها أن إدموند قد آثر أن يُخرج هذه اللوحة بدلًا من حضور هذا الحدث المهم.
ركبنا عربةً محفورًا عليها شعار عائلة ديير، وغادرنا أرض القصر. على جانب الطريق، امتدت طابور طويل من العربات تنتظر الدخول.
كان الجو قرب نهر «روكزن» الذي يقام فيه المهرجان قد غرق في الغروب، فغمرته ألوان حمراء كثيفة.
أجواء المهرجان الغامضة، الهلامية، تبدو كأنها لا تتغير أبدًا أينما ذهبت. خشيتُ أن أفقده، فأمسكتُ بيد إدموند بقوة، وشققتُ طريقي معه بين الجموع على ضفة النهر.
لو كان مهرجان قرية «لوروشو» في سهل «دويو» الذي زرناه قبل أشهر صغيرًا وبسيطًا، فإن مهرجان «ماري-فرانجيت» كان أكثر احترافية وفخامة بمراحل.
كل خطوة، وكل نظرة، كانت تُصادف أشياء تتلألأ وتضيء.
«طعمه سيء.»
اشتريتُ بعض الأشياء الملونة وتذوقتها، لكنها لم تناسب فمي الذي اعتاد أفضل الأطعمة دائمًا.
أطلقتُ صوت «هينغ» محبطًا، وحدّقتُ في السيخ الغامض الذي بيدي. ضحك إدموند بهدوء، ثم أخذه مني. تكرر الأمر عدة مرات، وسرعان ما غرقنا في أمواج المهرجان.
كنتُ أشعر وكأنني وقعت تحت سحر لون غريب آسر.
«إنه مختلف تمامًا عما كان عليه قبل بضعة أيام!»
«صحيح. حتى أنا أزوره لأول مرة، فالشعور غريب.»
ظللنا نحدّق في النهر الذي يلمع بلمعان أحمر، ثم انسللنا قليلاً إلى الجانب. دخلنا زقاقًا، فإذا به هادئ خالٍ من الناس.
تلقى إدموند رسالة من خادم ديير كان ينتظره مسبقًا. رفعني أولًا إلى صهوة الجواد، ثم صعد خلفي.
سِرنا بالجواد عبر الزقاق فترة طويلة، حتى وصلنا إلى تل مرتفع.
«أين نحن؟»
«سر.»
عندما نزلنا عن الجواد، كانت الشمس قد غابت تمامًا، وكأن السماء قد سُكبت فيها أصباغ زرقاء داكنة.
يقال إنهم منعوا إضاءة المباني المطلة على النهر خصيصًا لهذه الليلة، فكان كل شيء أسود حالكًا بخلاف العادة.
لكن قصر ديير الضخم في الأسفل كان مضاءً بكل أنواره، حتى إنك تشعر من هنا بالفوضى البهيجة التي تجري فيه.
«حتى عندما كنتُ طفلة، كنتُ أظن أن أجمل منظر لمهرجان الفوانيس الطائرة هو الذي أراه من نافذة غرفتي… غرفتك الآن. لكن يبدو أنني كنتُ مخطئة.»
«حقًا؟»
أومأ برأسه، ثم خلع معطفه وفرشه على العشب، وابتسم ابتسامة ماكرة. جلستُ فوقه، ونظرتُ إلى قصر أختي الذي أصبح الآن ملكًا لديير، ثم إلى نهر روكزن الذي غرق في الظلام فلم يعد واضحًا.
«المنظر من هنا هو الأجمل.»
في تلك الأثناء، أخرج إدموند شيئًا من الحزمة المربوطة على الجواد، ثم جلس بجانبي.
كان الظلام قد خيّم تمامًا، فلم أعد أرى وجهه بوضوح.
وضع في كل يد من يديّ كأسًا، ثم فتح زجاجة النبيذ ببراعة. رمى الفلينة في مكان ما في العشب، وسكب النبيذ. انتشرت رائحة فواحة حلوة في المكان.
صدمنا الكأسين، وانتظرنا صعود الفوانيس.
«قبل مئتي عام، لم يكن هناك مهرجان كهذا.»
«أنا أيضًا لم أبحث عن أصله، لكنهم يروجون له كمهرجان تقليدي يعود لمئتي عام… يبدو أنه كذب.»
أو ربما بدأ بعد موتي.
احتسيتُ النبيذ وحدّقتُ في قصر ديير المضيء. كم كان عدد الناس كبيرًا. كان سمرز يقيم حفلات راقصة مماثلة. بما أنه كان صاحب نفوذ في الجنوب، كان عدد الحاضرين هائلًا.
كنتُ دائمًا وحدي. حتى الآن لا أستطيع الاندماج وسط الجموع، لكن الوضع الآن أفضل بكثير. على الأقل، إدموند بجانبي، وأنا أحبه.
«لا أعرف الأصل بالضبط. لكن هناك رواية تقول إن عائلة فقدت ابنتها الصغيرة في سن مبكرة، فكانت تطلق الفوانيس كل عام في ذكراها. وفعلًا، في كثير من الثقافات يُطلق الفوانيس رمزًا للحزن والوداع.»
«يبدو أنها كانت محبوبة جدًا.»
أجبتُ بفتور، ثم وضعتُ ذقني على ركبتي المرفوعة.
ارتدى إدموند معطفه على كتفيه وهزّ جسده قليلاً. تبادلنا النظرات بين الحين والآخر، وتحدثنا عن أمور تافهة، ثم ذكرتُ نزهتنا السابقة.
«وااا…»
ثم أخيرًا… في البعيد، ارتفع ضوء صغير جدًا.
بدأ الأمر بخجل. فوانيس صغيرة كاليراعات، واحدة… اثنتان… ثم سرعان ما ارتفعت مجموعة كبيرة بلون قرمزي، كأنها شمس طائرة.
فقدتُ الكلام، وحدّقتُ في المشهد بذهول. بدأت مجموعة الفوانيس من خلف قصر ديير، ثم ارتفعت مع الريح، وصعدت ببطء على طول النهر.
«……»
عندما استعدتُ صوتي أخيرًا بعد أن غرقتُ طويلًا في هذا المنظر الخلاب، كنتُ قد غُمرتُ تمامًا باللون القرمزي.
التفتُّ، فوجدتُ إدموند ينظر إليّ، لا إلى الفوانيس، وسط ظلال الشمس المشتعلة.
رأيتُ شعره الذهبي يلتهب بلون قرمزي، فضحكتُ… لا، انفجرتُ بالبكاء.
ارتفع شيء حار من أعماقي.
«…فيفي؟»
«أنا… رأيتُ هذا من قبل.»
لأن هذا المنظر الجميل الذي ظننتُ أنني لم أره أبدًا… كنتُ قد رأيته بالفعل.
«كيف نسيتُ هذا؟»
في اليوم الذي متُ فيه.
«انظري إلى خارج النافذة.»
رأيتُ السماء المشتعلة بجانب أختي.
المرة التي أطلقنا فيها فانوسين في السهل.
المرة التي كنتُ أجلس فيها في المكتبة القديمة في شارع سيرينغتون 83 في دويو، أقلّب الكتب وأثرثر.
ثم إلى أبعد من ذلك… ذكرياتي وأنا مستلقية على السرير أنظر إلى خارج النافذة.
تذكرتُ كيف كنتُ أحاولُ التمسك ببصري ووعيي المتقطع، وكيف كانت النافذة كلها قرمزية. كلما أطبقتُ عينيّ وفتحتهما، كان العالم يبدو لي جميلًا جدًا.
«جميل… جميل جدًا.»
كانت الفوانيس تنتشر أكثر فأكثر. لو مددتُ يدي، لكأنني سألمسها. عضضتُ على شفتي، وانجذبتُ مرة أخرى إلى المشهد.
«فيفيان.»
«قالوا إن مهرجان الفوانيس هذا يحمل معنى الحداد، أليس كذلك؟»
هذه الفوانيس… هذه اللحظة الجميلة… كانت أختي ترسلها إليّ منذ مئتي عام.
والمنظر الذي أرتني أياه أختي في يوم موتي كان هدية لليوم الذي كنتُ أتذمر فيه وأقول إنني أريد رؤية انعكاس النجوم في سهل لوروشو.
أختي قاسية في الغالب… وأحيانًا رقيقة.
وأنا… لا أستطيع ترك الأخت الرقيقة، فأصبح تعيسة مرة أخرى.
«…أكره أختي.»
كلما تمسكتُ بها أو ناديتُها، كنتُ أتخيل كم سأبكي.
والآن أيضًا.
كانت السماء الممتلئة بالفوانيس جميلة إلى حد يدمع له العين، وكنتُ أبكي حتى لم أعد أستطيع التنفس. السهل الذي كنتُ أتوسل وأنا أموت أن أراه كان موجودًا هنا.
شعرتُ برغبة خفيفة… في الموت.
«فيفي.»
اقتربتُ من إدموند الذي بدا مرتبكًا لا يدري ماذا يفعل، وعانقته.
أمسكتُ به بكلتا ذراعيّ، دفنتُ وجهي في صدره، وبكيتُ طويلًا وأنا أصدر أصواتًا تشبه الصرخات. كلما رفعتُ رأسي، كان البحر القرمزي ما زال هناك.
عانقني إدموند بلطف، وداعب ظهري ببطء.
«إيدي… ماذا أفعل؟»
«فيفيان، لا بأس. ابكي. كل شيء بخير.»
لماذا أضطر دائمًا في مثل هذه اللحظات الأخيرة أن أعترف بالمشاعر التي كنتُ أرفضها، بل أنكرها؟
مددتُ ذراعيّ ولففتُ أصابعي حول شعره. كانت الدموع تعيق رؤيتي. لكنه أطرق برأسه معي، فاصطدمت شفتيه بشفتيّ.
لا أدري إن كنتُ أنا الحارة أم هو البارد.
كنتُ فقط أتمسك به بيأس، كمن يغرق ويلهث بحثًا عن الهواء.
«…في… في.»
لكن لماذا لا يروى العطش، ولماذا يزداد اليأس توترًا؟ مهما شددتُ عليه، مهما حاولتُ الاقتراب أكثر، لم تختفِ القلق والدموع.
«فيفيان.»
رمشتُ عدة مرات، فرأيتُ رموشي المبللة بالدموع. كان إدموند يمسح شفتيّ بأصابعه.
أمسكتُ بيده بكلتا يديّ. يده الكبيرة لم تختفِ حتى في قبضتي، لكنه سلّمها لي بكل سرور.
كانت عيناه الفضيتان الرماديتان، كأنهما رمال الصحراء المحماة تحت الشمس حتى ابيضّت، تنظران إليّ بهدوء. عينان تفيضان بالحب.
فحاولتُ أن أبتسم، ومضغتُ الكلمات التي تتمايل في حلقي مرات عديدة، ثم أخرجتها أخيرًا:
«أحبك.»
نظر إليّ إدموند بوجه ذاهل. حتى أنفاسه لم تُسمع رغم القرب الشديد.
تركتُ محاولة الابتسام، وانفجرتُ بالبكاء مرة أخرى، ثم اعترفتُ ثانية:
«أحبك.»
لم تتوقف الدموع. لهثتُ وفتحتُ فمي بصعوبة.
«ماذا أفعل؟ يجب أن أعود حقًا.»
نعم… يجب أن أعود.
فقط حتى تصدر الرواية الجديدة للكاتب المفضل… فقط حتى يصدر الكوليكشن الجديد في مورغان… فقط حتى نذهب معًا إلى المهرجان… فقط حتى تنتهي اللوحة…
فقط حتى لا يبقى لي أي تعلق بإدموند.
لكن كلما قضيتُ وقتًا معه، كلما اقتربت النهاية، كان التعلق يزداد بدل أن ينقص.
حان الوقت لأتقبل ما كنتُ أؤجله دائمًا.
—
(جانب إدموند)
بلغتُ ذروة الوسواس، فبدأ يهدأ قليلاً بعد ذلك.
كنتُ أحرق وسواسي بداخلي بالغيرة والقلق وكل الخيالات القبيحة، لكنني على الأقل كنتُ أستطيع الحفاظ على رشادي من الخارج.
كل لحظة لا تكون فيها فيفيان أمام عينيّ كانت رعبًا. حتى لو حاولتُ إخفاء ذلك، كان صعبًا.
لم أفهم لماذا أخاف هكذا من أن تتركني. كأنها سترحل كما في المرة السابقة.
«كما في السابق؟»
هل رحلتْ من قبل؟ لا أدري.
منذ اللحظة التي ظهرتْ فيها هنا، بدتْ وكأنها قد تختفي في أي وقت. لا أعرف إن كان ذلك لأنها ليست من هذا العالم، أم لأن الموت يحيط بها دائمًا.
فيفيان التي كانت توبخني سابقًا قائلة إن تصرفي مبالغ فيه، لم تعد تضيف شيئًا بعد عودتها من الماضي.
لقد أصبحت فيفيان أكثر تسامحًا بالتأكيد.
«أنا أحبك كما أنت.»
كانت تقول ذلك ببراءة وهي تنظر إلى وجهي الذي يحمل تعلقًا ثقيلًا.
وكنتُ أهمس يائسًا: «لا يجب أن يكون الأمر كذلك.»
تذكرتُ أنها أحبت إطلاق الفوانيس ذات مرة، فخرجتُ بها إلى مهرجان الفوانيس بدلًا من الحفلة الرسمية المملة.
لكن النهاية كانت هكذا.
حتى اللحظة التي لمستْ فيها يدها الصغيرة مؤخرة رأسي، لم يكن لديّ متسع للتفكير في أي شيء آخر.
كانت فيفيان تبكي الآن، ودموعها مختلفة تمامًا عما رأيته من قبل.
كانت ذراعاها الضعيفتان تحتضنانني بكل ما أوتيت من قوة، لكنها كانت أول مرة أتلقى فيها عناقًا منها.
═══∘°❈°∘═══
ترجمة: مابل
حسابي على انستا: ma0.bel
ولا تنسى ذكر الله ودعاء لأهلنا في غزة و سودان ومسلمين أجمعين
التعليقات لهذا الفصل " 91"