شعرتُ كأنّني تلقّيتُ لكمة على رأسي. ازدادتْ قوّة يده التي تمسك يدي. داعب خدّه بكفّه وهمس:
«انتظرتُكِ. انتظرتُ طويلًا جدًّا.»
لا أدري إن كان يتكلّم بوعي، أم أنّه ما زال يهذي دون أن يعرف ما يقول.
تراجعتُ خطوة دون إرادة، لكنّه اقترب أكثر، أعمق.
ثم مدّ اليد التي لم يكن يمسكني بها.
أمسك مؤخّر رأسي بيده الكبيرة، ثم انزلق إلى أسفل حتى أحاط بقفاي. كانت راحته دافئة، لكنّ أطراف أصابعه باردة كالثلج.
لم أجد وقتًا حتى لأرتجف من البرد؛ جذبني نحوه.
اقترب وجه إدموند، مائلًا قليلًا.
توقّف عند المسافة التي تكاد أنفاسنا تختلط.
«…لماذا انتظرتُ؟»
كان همسه يبدو وكأنّه يسأل نفسه.
«من كنتُ أنتظر؟»
ربّما كان سحر لارتييه قد خفّ، أو أنّ القفزة الطويلة في الزمن جعلته غير مستقرّ، فذاكرته تعود إليه الآن بشكل متقطّع.
أو ربّما انهار السحر بسرعة أكبر بسبب انفجاري ذلك اليوم، فتسرّبتْ الذكريات المحبوسة داخل اللوحة.
حتى هو قال إنّه كان ينام جيدًا في السكن أو خارج القصر، لكنّه ما إن يعود إلى هنا حتى يغرق في الكوابيس.
تراجع إدموند.
كانت رموشه الطويلة مبلّلة بالدموع، حتى إنّ كلّ شعرة منها كانت مرئية. ارتجفتْ تلك الرموش، فرفعتُ رأسي وسألتُ أخيرًا:
«من كنتَ تنتظر؟»
«لا أدري.»
أنتَ كنتَ تنتظرني. أنتَ كنتَ تنتظرني أنا.
لكنّني لم أقلْ ذلك. بدلًا منه، احتضنته مرّة أخرى.
داعبته مرّات عديدة حتى هدأ ارتجافه، ثم همس بصوت يكاد لا يُسمع حتى وأنا قريبة جدًّا منه:
«أنا… أحلم أحيانًا.»
تراجعتُ خطوة، فعثرتُ بشيء، فسقطتُ على السرير.
عندها فقط لاحظتُ إدموند: شعره مشتّت، ثيابه غير مرتبة. رفعتُ رأسي ببطء، فاصطدمتُ بوجهه.
«…!»
كان وجهًا لم أره من قبل. ليس التعب. لا، ليس ذلك. كانت هناك استنزاف رهيب يتساقط منه قطرة قطرة، استنزاف لم يستطع حتى هو إخفاءه.
«أحيانًا أُطارد… أعتذر… أحيانًا أُغلق في مكان مظلم.»
«……»
«ثم أبحث. لماذا ليستْ هي بجانبي؟»
كان يحرّك شفتيه كالآلة. رأيتُ العرق البارد يتساقط منه. ترنّح خطوة إلى الأمام.
«ثم يختنق نفَسي. التنفّس يصبح مؤلمًا. مهما حاولتُ أن أستنشق، لا يدخل الهواء. حلقي ينغلق.»
سقط.
مال عليّ كأنّه يسقط، فاستلقينا معًا على السرير، وأنا أستمع إلى كلماته المتداخلة.
«أتوسّل: أرجوكِ دعيني أعيش. التنفّس مؤلم. ثم أفتح عينيّ. فأجد نفسي هنا مرّة أخرى. أمسك كيس الورق تلقائيًّا وأحاول أن أتنفّس حتى أستيقظ تدريجيًّا من الكابوس.»
أنا إدموند دير، ثلاث وعشرون سنة، هذا قصر دير، مكان آمن، اليوم هو الشهر الحادي عشر من عام ٨٥٩ لاهان، الاختطاف كان في الثامنة، زمن بعيد جدًّا، أنا الآن بخير.
هكذا كان يردّد ليفصل الحلم عن الواقع، كما قال.
«لكنّني لا أتذكّر. كأنّ طلاءً أسود رُشّ فوق كلّ ما كان واضحًا قبل لحظات… لا شيء يعود.»
«نعم، إدي.»
«كان هناك شخص… شخص أحببته بجنون. لكنّني لا أتذكّره.»
تنهّد بحرارة وشدّني إليه أكثر.
قبل أيّام فقط، كان إدموند الصغير يدفن نفسه في حضني. الآن، هو الكبير يفعل الشيء نفسه. كان حجمه أكبر، لكنّني كنتُ أنا المحتضَنة.
«بعد قليل… بعد قليل فقط، سأنسى حتى… من كنتُ أشتاق إليه.»
همس بصوت يكاد يكون أنينًا.
تردّدتُ طويلًا، ثم وضعتُ يدي على رأسه. ارتجف جسده. بدأتُ أداعبه ببطء.
التعليقات لهذا الفصل " 85"