قال ذلك وهو يرفع فستانًا آخر كأنّ ما قلته هراء، ثم وضعه أمامي ليختبره، وابتسم راضيًا.
«هذا أيضًا سيبدو رائعًا عليكِ.»
تنهّدتُ وأنا أستمع إليه بأذن واحدة فقط، ثم سقطتُ مرّة أخرى على الأريكة بثقل.
ظننتُ أنّني زرتُ كلّ أرجاء قصر دير، لكنّ هذا المكان الذي أجلس فيه الآن… أراه لأوّل مرّة.
كان المكان الذي يحيط بي مليئًا بالثياب والإكسسوارات والأحذية والحقائب، تمامًا كالجناح الخاصّ في أحد المتاجر الفاخرة الذي زرته ذات يوم.
«هذا يبدو جميلًا.»
أحضر إدموند فستانًا أخضر داكنًا وقال ذلك.
نعم، كلّ هذا من صنع إدموند.
منذ أن حُبستُ، بدأ إدموند – كأنّه يشعر بالذنب – يشتري كلّ ما ألقيتُ عليه نظرة واحدة ويهديني إيّاه.
حتى حين قلتُ «لا داعي»، لم يستمع وانتهى به الأمر إلى هذا.
«لو ارتديتُ ثلاثة فساتين يوميًّا، فلن أنتهي منها حتى نهاية العام.»
«ارتديها العام القادم.»
أخرج معطفًا وتفقّد تفاصيله، ثم قال ذلك بلا مبالاة. لكنّني… فقدتُ الكلام للحظة.
كان يتحدّث عن العام القادم بطبيعيّة تامّة، فشعرتُ بالأسف نحوه.
«هل سأعيش حتى أجاوز هذا العام؟»
الشتاء الحالي… ربّما. أمّا العام كلّه… فالأمر غامض.
حين تحدّثتُ مع يوري، قلتُ إنّ النهاية ربّما تكون في آخر الشتاء أو أوائل الربيع.
لكنّ هذا المرض لا يُحسب حسابه. هناك من يظلّ يمشي بصحّة تامّة حتى اليوم الذي يسبق موته، ثم ينقطع أنفاسه فجأة.
أنا أيضًا قضيتُ أشهرًا طريحة الفراش، لكنّني أحيانًا كنتُ أستيقظ فجأة كأنّ المرض كان كذبة، منتعشة تمامًا.
«لا، العام القادم سيكون هناك موديلات جديدة.»
هزّ إدموند كتفيه وقال إنّ الثياب التي لا تُلبس ستصبح مصيرها الإهمال، بكلّ غطرسة.
طوال فترة هذا الحبس الغريب، كان إدموند يتلهّف ليهديني كلّ شيء ثمين. كلّ ما أبديتُ اهتمامًا به، اشتراه فورًا.
وليس ذلك فقط. كلّما قرأتُ كتابًا، أو غرقتُ في التفكير ورفعتُ رأسي، كان إدموند هناك.
وما إن تتلاقى أعيننا حتى ينظر إليّ بعينيه الفضيّتين الثابتتين، فأشعر أنّني أغرق في نظرته.
«إدي.»
«نعم.»
كما الآن تمامًا.
لم تتزعزع نظرته قيد أنملة. ما إن ناديته حتى مرّت على وجهه الجامد نسمة ربيع مبكرة. انحنى طرف عينيه وابتسم بلطف.
«لماذا ناديتني؟»
«……»
لكنّ هذه الابتسامة لا تخفي الامتلاك الذي يتساقط منه قطرة قطرة. بل كلّما ضاقتْ عيناه، ظهرتْ المشاعر التي يحاول إخفاءها بوضوح أكبر.
لهذا كنتُ أتعجّب دائمًا.
يحمل هذه العينين، ومع ذلك… لم يلمسني حتى بطرف إصبع.
اليد التي كان يمدّها لي سابقًا بلباقة… صارت تتجنّب لمسي. تذكّرتُ كيف احتضنتُ إدموند الصغير بقوّة، فأطبقتُ شفتيّ. شعرتُ بالأسف فجأة.
«فيفي؟»
«تعبتُ. أريد أن أرتاح.»
في هذا القصر، الوحيد الذي قد يكون في صفّي هو إدموند نفسه. الخادمات والخدم الذين كانوا لطيفين معي… كانوا في النهاية رجاله. وهذا الإدموند… له جانب متسلّط.
سواء قلتُ إنّني لا أريد أو أريد، كان يفعل ما يشاء عادةً، لكنّه حين يتعلّق الأمر بجسدي… كان يتراجع خطوة.
وضع يده على جبهتي دون تردّد.
يدٌ لا تلمسني أبدًا، لكنّها تلامس جبهتي كثيرًا. غرقتُ في الأريكة أكثر تحت وطأة التعب، وأغمضتُ عينيّ قليلًا.
كان السلام يغمرني… لكنّه سلام تحت سطح الماء، مع تنّين يسبح بجانبي، فشعرتُ بالقلق.
والمشكلة أنّني لستُ الوحيدة التي تشعر بهذا.
إدموند أيضًا… كان متوترًا مثلي تمامًا.
*
في الأيّام التي تثلج فيها، يتحوّل العالم خارج النافذة إلى بياض مذهل. عندها أشعر بشيء جديد تمامًا.
اليوم أيضًا حلمتُ. أختي تجري في سهل ثلجيّ أبيض، وأنا أراقبها من الأعلى. يبدو أنّه كان اليوم الذي تساقط فيه الثلج مبكّرًا.
التعليقات لهذا الفصل " 84"