استيقظتُ على صوت إدموند وهو يقرأ، متّخذًا منه أغنية تهويدة، فوجدتُ الغرفة خالية. زحفتُ خارج الغطاء الثخين وجلستُ على حافّة السرير.
كانت الستائر الكثيفة تحول دون معرفة الوقت. اعتمدتُ على ضوء المصباح السحريّ الخافت وتوجّهتُ نحو النافذة. ما إن رفعتُ الستارة حتى انسكب ضوء الصباح فوقي.
«آه، السوار.»
لمع السوار على معصمي تحت أشعّة الشمس. كنتُ قد نسيته أمس من فرط الإرهاق، لكنّه الآن بدا أجمل؛ أخضر غامق يلمع برقّة.
على يدي اليسرى سوار لارتييه الذي يعدّ بإنزال المطر، وعلى اليمنى هديّة إدموند.
«يجب أن أشكره لاحقًا.»
أردتُ أن أفتح النافذة وأستنشق الهواء النقيّ. الصباح والمساء باردان قليلًا، لكنّ الخريف ما زال في أوّله. لا حاجة لرفع درجة حرارة الغرفة إلى هذا الحدّ.
وقفتُ أمام أكبر نوافذ القصر. فتحتُ النوافذ المتّصلة بعضها ببعض كلّها، فتدفّق الهواء بقوّة، خاصّة في هذا الفصل.
حاولتُ أن أفتحها بجهد، لكنّها لم تتحرّك قيد أنملة. حاولتُ مرّات عديدة بيديّ، فلم ينفع شيء.
«لماذا؟»
هل ضعفتْ قواي لأنّ الموت يقترب؟
نظرتُ إلى يديّ عدّة مرّات وأملتُ رأسي. حاولتُ فتح النافذة المجاورة، لكنّها أيضًا لم تتحرّك. بعد أن جرّبتُ كلّ نوافذ الغرفة، أدركتُ أخيرًا أنّ ثمّة خطأ ما.
«…لا يمكن.»
اتّجهتُ بخطوات متعجّلة نحو الباب. الباب الكبير الجميل كان ينفتح دومًا كلّما أردتُ، حتى لو كان «قديمًا ولا يفتح جيدًا» حجّة سخيفة.
كليك… كليك.
لكنّ الباب، وبشكل مضحك، لم يتحرّك أبدًا. لو كان يهتزّ قليلًا كالنوافذ لقلتُ إنّه خطأ فنّي.
اشتعلتْ في صدري شعلة القلق.
نظرتُ إلى السوار على معصمي الأيمن. تذكّرتُ ما حدث يوم عودتي من دويو، حين انقطع السحر. ماذا لو كان السحر محجوبًا مرّة أخرى؟
استدعيتُ قوّة السحر، فتحرّكتْ بسلاسة.
السحر بخير.
لكنّ القلق لم يزُل. رسمتُ دائرة سحريّة بأصابعي.
«ماذا؟»
لم ينبثق السحر.
شحب عقلي. السحر موجود، والدائرة ترتسم، لكنّها لا تتجاوز ذلك. يتبخّر السحر قبل أن يملأ الدائرة.
كرّرتُ المحاولة مرّات، والنتيجة واحدة.
لم يصب جسدي بأيّ أذى. طبعًا… فالسحر نفسه لا ينبثق.
خفق قلبي بعنف، واضحًا في أذنيّ. أكره هذا الصوت الذي يتعالى كلّما توتّرتُ أو خفتُ.
«…أنا محبوسة.»
نعم. هذه غرفتي التي أعيش فيها منذ وصولي، قبل وبعد السفر عبر الزمن. لم أغادرها إلّا حين عدتُ إلى الماضي أو ذهبتُ إلى قصر ريفر.
أدركتُ الآن مصدر الشعور الغريب الذي راودني منذ الصباح.
اختفتْ كلّ الزخارف الزجاجيّة والمصنوعة من الزجاج.
مشيتُ بصعوبة نحو الطاولة، وقلبْتُ أنبوب الخشب الذي يحتوي أقلامي وأدوات الكتابة. بحثتُ بعنف، لكنّ السكّين والسكّينة الخاصّة بالرسائل اختفتا.
بحثتُ في كلّ مكان آخر، والنتيجة نفسها.
اختفى كلّ شيء حادّ أو يمكن أن يصبح حادًّا، دون أثر.
«…إدموند دير. ماذا تفكّر؟»
أنا محبوسة في هذه الغرفة.
والشخص الذي فعل ذلك… لا بدّ أنّه إدموند.
*
فكّرتُ في استدعاء المزيد من السحر حتى لو أرهقني.
لكنّني بدلًا من ذلك، جلستُ على حافّة السرير.
التفتُ، فرأيتُ لوحة أختي الوحيدة معلّقة هناك. شعرتُ بقلق غامض.
طرق طرق.
بينما كنتُ أتيه في التفكير دون خطّة، سُمع طرق على الباب. لم أجب.
انفتح الباب بسلاسة، كأنّ ما حدث قبل لحظات كان وهمًا.
«أنتِ مستيقظة.»
دخلتْ الخادمات اللواتي يخدمنني عادة. دخلنَ مبتسمات كالمعتاد، وكأنّ لا شيء غريبًا.
«نعم.»
«خرج السيّد إلى العمل. قال إنّه آسف لأنّه لم يستطع البقاء حتى تستيقظي.»
«آه، لا مشكلة.»
لم أكن أفكّر في ذلك أصلًا. انتظرتُ في صمت، آملة أن يذكرنَ شيئًا عن النوافذ المغلقة أو الباب.
فتحتُ فمي ثم أغلقته. الخادمات اللواتي كنّ يسمعنَ كلّ كلمة منّي بدأنَ يرفضنَ طلباتي. جفّ حلقي.
أدركتُ أنّهنّ لا يتجاهلنني، بل ينفّذنَ أمر إدموند بدقّة.
رأيتُ الأطباق الشهيّة تُصفّ على الطاولة، فأدرتُ وجهي.
خفق قلبي بعنف.
شعرتُ أنّ هذا حدث من قبل. ليس مع إدموند، بل مع ساشا.
ربّما في عيد ميلادي. اليوم الذي جلستُ فيه وحدي أمام طاولة كبيرة باردة، أطفأتُ شموع كعكة ضخمة، وأكلتُ قطعة كاملة رغمًا عنّي لأنّ أختي قالتْ «هذا لكِ».
جلستُ، ورفعتُ السكّين. هذه الأطباق التي بذل الطاهي فيها جهدًا كبيرًا بدتْ اليوم مقزّزة.
«أنا… حقًا لا أشعر بطعم. سآكل هذا فقط.»
تناولتُ بضع ملاعق من الحساء. دخل الدفء يديّ، فشعرتُ باسترخاء طفيف. يبدو أنّني كنتُ متوترة أكثر ممّا أظنّ.
عندها فقط بدأ عقلي يعمل.
عادةً، كنّ الخادمات يفتحنَ النوافذ فور استيقاظي للتهوية، لكنّهنّ اليوم لم يقتربنَ منها أبدًا.
«أريد الخروج للتنزّه بعد هذا.»
«آسفات.»
أدركتُ أنّني محبوسة نصف حبس حين قلنَ «آسفات» بهذا التعبير الذي لا يحمل أيّ حرج.
تظاهرتُ بتناول الحساء مرّتين ثم وضعتُ الملعقة. اضطررنَ إلى إزالة الطعام. جلستُ على الأريكة أحدّق في الخارج بذهول.
حرّكتُ قدميّ، فسقطتْ الخفّ الذي كان معلّقًا على أصابعي. لمستْ قدميّ السجادة الناعمة التي تغيّرتْ مع الفصل.
لم أشعر بالغضب.
«لماذا…؟»
كان الأمر أقرب إلى الحزن. حزن، ألم، أسى، وحزن مرّة أخرى.
بينما كنتُ أفكّك هذه المشاعر التي لا أفهمها، سُمع صوت خطوات مألوفة من بعيد، ثم طرق على الباب. انفتح الباب قبل أن أجيب.
التفتُّ، فكان إدموند.
«فيفي، كيف حالكِ؟»
كانت خدّاه حمراوين من البرد الخارجيّ. خلع معطفه وهو يقترب.
«فيفي؟»
لمستْ يده جبهتي بقلق، فسكتُّ.
اكتشفتُ الآن أنّني أريد أن ألبّي كلّ ما يريده.
«آسف لأنّني لم أبقَ حتى تستيقظي.»
«ألم تذهب إلى العمل؟ لماذا عدتَ مبكّرًا هكذا؟»
«سمعتُ أنّكِ لم تأكلي تقريبًا،وقالوا إنّ معدتكِ سيّئة.»
«فقط لم يكن لديّ شهيّة. لكنّني أكلتُ الحساء.»
«سمعتُ أنّكِ تناولتِ بضع ملاعق فقط.»
لم أكن أتوقّع أن تصل إليه مثل هذه التفاصيل الصغيرة بهذه السرعة. بدل أن يجلس كعادته على الأريكة بجانبي، ركع أمامي على ركبة واحدة.
«هيا، كلي شيئًا أكثر. نعم؟»
كان وجهه يلمع اليوم أكثر من أيّ وقت، وهو يربتُ عليّ.
«إدموند.»
مددتُ يدي ومرّرتُها في شعره، فاختلط شعره الذهبيّ المرتب. لم يبالِ. بل ابتسم بسرور ودفن خدّه في كفّي.
«أخيرًا تنظرين إليّ.»
«……»
«هل أنتِ بخير؟»
أردتُ أن أقول له شيئًا، لكنّني تردّدتُ. بدلًا من ذلك، سألتُ سؤالًا آخر.
«هل أكلتَ؟ يبدو أنّ الوقت لم يسمح لكَ.»
«لم آكل. أردتُ أن آكل معكِ. الجوّ جميل… هل نأكل في البيت الزجاجي؟»
البيت الزجاجي… خارج الغرفة، بل خارج المبنى كلّه. إذا كان معه، هل يُسمح لي بالخروج؟
عضضتُ شفتيّ. يبدو أنّ إدموند لم يحبسني ليقيدني.
نظر إليّ بعينيه اللتين تدوران قليلًا، فاختفتْ ابتسامته البريئة، وبدأ وجهه يتصلّب تدريجيًّا.
شفتاه المشدودتان، وطرف عينيه المرتجف… كلّ ذلك يصرخ بمدى توتّره.
أمام هذا الوجه… قطعتُ كلّ التفكير والقلق الذي كان يخنقني.
نعم.
على أيّ حال، سأرحل. سواء إلى الماضي أو إلى الموت، الرحيل أمر لا يتغيّر. لذا كان يؤلمني ويحزنني هذا التعلّق اليائس منه.
لهذا ابتسمتُ، كما كنتُ أبتسم في الأيّام التي لم أكن أعرف فيها أنّ الموت قريب، ولا قلق في قلبي.
«إذن… هل نأكل مرّة أخرى؟»
ما إن ابتسمتُ حتى رأيتُ إدموند يرتاح قليلًا وهو يتبعني.
إذن… سألبّي ما يريده.
إذا لم يشرح لي سبب إغلاق الأبواب والنوافذ، فلن أسأل.
في الصباح، حين يذهب إدموند إلى المعرض، أكون محبوسة في الغرفة.
لم أكن أكره ذلك، ولا أشعر بالاختناق.
لأنّ النوم زاد فجأة، كأنّه يعدّني للرحيل. كنتُ أتعب بسهولة. ربّما حتى لو لم يحبسني، لما خرجتُ من الغرفة.
هكذا، طوال اليوم، كنتُ أغفو كالدجاجة المريضة، ثم أنهض متثاقلة حين يأتي إدموند، أقرأ كتابًا، فيأتي. يخرجني بلا مبالاة لنتناول العشاء معًا، أو نقضي الوقت في المكتبة.
بدأتْ هكذا فترة الحبس الغريبة التي لم ينطق بها أحد.
═══∘°❈°∘═══
ترجمة: مابل
حسابي على انستا: ma0.bel
ولا تنسى ذكر الله ودعاء لأهلنا في غزة و سودان ومسلمين أجمعين
التعليقات لهذا الفصل " 83"