كان إدموند يتنهّد براحة كلّما غابت الشمس، وأنا… كنتُ أحتضنه بقلب يتمزّق، كأنّني أموتُ في كلّ مرّة.
مضتْ أيّام… لا أدري كم منها.
لم أجرؤ حتى على التفكير في العودة. كيف أتركه هنا وحيدًا؟
أعرفُ نهاية هذه القصّة: سيُنقذ إدموند، سيفقد ذاكرته، وستحرق تلك المعلّمة المجنونة القصر في النهاية.
أعرفُ كلّ ذلك… ومع ذلك لم أستطع أن أتركه.
الطفل الذي لم يُرِ قطرة دمعة واحدة طوال النهار، كان يتنهّد براحة حين تغيب الشمس، ثم يبدأ وجهه يتجهّم ويبكي.
في مكان لا يوجد فيه أيّ بالغ يُواسيه، لم يكن يحتاج حتى إلى البكاء.
بل كان يُفجّر دموعًا بلا أمل، ثم يخنقها… فيأتي الوحدة والخوف فيغرقانه، وهو يعترف لي أنّه لم يستطع احتمال ذلك.
«كيف أنقذك…؟»
ثمّ إنّني لو عدتُ، سأفقد ذكرى هذا المكان كلّه. مرّرتُ أصابعي بلطف على شعره الذهبيّ الناعم، وهو نائم على صدري.
لم يكن هناك أثاث حقيقيّ، فجلستُ على حافّة النافذة أراقب الخارج. كان القمر باردًا بشكل غريب.
والكارثة انفجرتْ في اليوم التالي، في النهار.
لم تعد المعلّمة وحدها. جاءتْ ومعها طفل آخر، لا أعرف من أين.
«هل جنّت؟»
وقف إدموند مذهولًا، لا يفهم ما يجري، أمّا أنا فكانت الشتائم تتدفّق من فمي قبل أن أفكّر. فهمتُ فورًا ما تنوي فعله. لم أفهم السبب، لكنّني فهمتُ النتيجة.
ارتجفتْ يداي.
بدأ إدموند، كعادته، يعزف البيانو مرتجفًا خوفًا. وما إن ارتكب خطأ صغيرًا حتى انقضّتْ على الطفل الآخر.
كان إدموند يضغط على المفاتيح كالآلة، وجهه شاحب كالموت، والعرق البارد يسيل منه أنهارًا، وعيناه مليئتان بالدموع.
من بين شفتيه اللتين تضغطان على المفاتيح، كانت تتسرّب توسّلات: «آسف… لن أخطئ… أرجوكِ اتركيني أعيش…»
توسّلات سمعتُها من قبل.
كنتُ عاجزة.
حاولتُ أن أسدّ أذنيه بيديّ، لكنّ لا فائدة.
نعم… الآن فهمتُ لماذا فقدتَ ذاكرتكَ في هذا الزمن. ذكرى بهذه القسوة… ربّما كان النسيان أرحم.
حتى بعد أن اقتُلعتْ هذه الفترة من ذاكرتكَ، ما زلتَ تعاني.
بعد هذا، سينسى إدموند هذه اللحظات المرعبة، وسأفقد أنا ذاكرتي ثمنًا للسفر عبر الزمن.
«أتمنّى أن أفعل شيئًا يساعده قبل أن أرحل…»
لم أعرفْ مصير الطفل الآخر.
كانت المعلّمة تصرخ في إدموند الذي تجمّد أمام البيانو: «لماذا لا تسمعين كلامي؟ أليس بسببكَ أنّ هذا الطفل المسكين صار هكذا؟»
ثم جرّته إلى مكان ما، لكنّني بقيتُ ملتصقة بإدموند.
حلّ الظلام تدريجيًّا، وسال ضوء الغروب الأحمر القاني داخل القصر، فغمر الصالة كلّها بلون الدم.
كان إدموند جالسًا أمام البيانو، لا يتحرّك. وأنا… جالسة أمامه.
حاولنا أن نلتقي نظراتنا رغم أنّها لا تلتقي، وفجأة اتّسعتْ حدقتاه.
«…فيفيان.»
التقتْ عيناه بعينيّ الصغيرتين.
امتلأتْ عيناه الفضيّتان بالدموع. قفز نحوي.
«لماذا لا تكونين بجانبي في النهار؟ أنا أحتاجكِ أكثر من أيّ وقت في ذلك الوقت.»
سمعتُ صوته المبتلّ بالبكاء، فلم أجدْ ما أقوله سوى: «آسفة».
«أنا… آسفة جدًّا. لو كنتُ أفضل…»
احتضنته بقوّة وهو يرتجف. كان صغيرًا جدًّا، أحتاج أن أركع كي ألتقي نظراتنا. الإدموند الذي كنتُ أرفع رأسي لأنظر إليه دومًا… كان له طفولة كهذه. شعور غريب.
وفي الوقت نفسه، فكّرتُ: كيف يمكن أن يقع على طفل بهذا الصغر مصيبة بهذا الحجم؟
«إدموند… تذكّر.»
مسحتُ دموع خدّه. يستحقّ أن يُغلّف بأغلى ما في الدنيا، وأنا أمسح دموعه فقط بكمّ ثوبي.
«أنتَ لم تفعل شيئًا خطأ.»
«لكن…»
«سأكون بجانبكِ دائمًا. حتى لو لم أستطع لمسكَ، لا تنسَ أنّني أحتضنكَ من الداخل.»
«حسنًا.»
كان يومئ برأسه ببراءة تجعل القلب يذوب. تذكّرتُ الإدموند الذي أعرفه، فابتسمتُ ابتسامة خفيفة رغم كلّ شيء.
«سأنقذكَ بطريقة ما… انتظرني قليلًا.»
بقيتُ أحتضنه طويلًا بعد أن حلّ الليل، أطوف بالقصر وأروي له كلّ شيء: من أنا، من أيّ زمن جئتُ، كيف كانت عائلة سومرز، وما هو السحر.
«ستبقين بجانبي إلى الأبد؟»
سألني بهذا السؤال بوجه صافٍ، فخنقتني الكلمات.
نعم… سأعود. سألتقي الإدموند الكبير مرّة أخرى.
لكنّني لن أستطيع البقاء بجانبه إلى الأبد، لا الآن ولا بعد العودة.
لأنّني وعدتُ أن أنقذ أختي.
«فيفي؟»
«ليس الآن. لكنّنا سنلتقي مرّة أخرى. هذا وعدي.»
«لماذا ليس الآن؟»
لأنّ عليّ أن أعود إلى الإدموند الآخر الذي ينتظرني.
«هكذا…»
ابتسمتُ له. عاد يغرق في حضني بكلّ ثقله، بلا أيّ شكّ. مرّرتُ يدي في شعره، فهمس بصوت نعسان:
«فيفي… أنا نعسان.»
«نامْ… نامْ بعمق.»
وضعته على ستارة اقتطعتُها من نافذة الطابق العلويّ، ألقيتُ عليه سحر الدفء مرّة أخرى، ثم عدتُ أطوف في القصر.
إذا كان لا بدّ من العودة، فأريد أن أترك له شيئًا ينفعه.
فتحتُ النافذة ومددتُ يدي، فانفجر شرار. إذن حتى السحر لا يعمل؟
ما إن حاولتُ حتى ارتفع من صدري شيء حارّ مرّ، تقيّأتُ دمًا. ملأتْ راحة يدي دمًا، ثم شعرتُ بقلب السحر يهتزّ بعنف داخلي.
«هذا… قد يقتلني.»
فكّرتُ في تحطيم سقف القصر، لكنّني أدركتُ أنّني قد أموتُ قبل ذلك.
كان السماء ما زال مظلمًا، لكنّ ساعة القصر كانت تقول إنّ الصباح قادم.
عضدتُ على أسناني وعدتُ إلى حيث إدموند… فانفتح الباب الثقيل الذي لا يُفتح أبدًا في الليل بقوّة.
«ما هذا؟»
شحب عقلي.
فتح إدموند عينيه مذعورًا.
«إدي؟ أين إدي الصغير؟ المعلّمة عادتْ مبكّرًا اليوم.»
كانت هي. نظر إليّ إدموند مذعورًا. مسحتُ الدم عن فمي بسرعة وأمسكته.
كنتُ مستعدّة أن أستخدم كلّ سحر أملكه لإنقاذه.
لكنّ إدموند كان أسرع. أمسك بي بيأس لم أره من قبل، جرّني إلى نهاية الممرّ، ثم دفعني خلف الستارة بجانب لوحة <العشّاق>.
«إدي، ما بكَ؟»
«المعلّمة لن تقتلني… لكنّ فيفيان…»
لم يستطع إكمال الجملة. كان يحاول إخفائي بيديه الصغيرتين كالسرخس. صدمتني هذه الحركة.
«اختبئي هنا. لا تخرجي. فهمتِ؟»
ثم خرج يركض، وصوته يرتجف.
بقيتُ خلف الستارة أسمع سيمفونية البيانو التي يعزفها إدموند.
تذكّرتُ كيف قال ذات يوم إنّه كان يعزف جيدًا في طفولته. نعم، يعزف جيدًا… حتى في هذا العمر. لكنّ أجمل من نغمات البيانو كان البكاء الخافت الذي يجري تحتها.
«ماذا أفعل… سأجنّ.»
كنتُ أعضّ شفتيّ حتى تدمّتْ، حين انفجر صوت «خبط» مع ضغط مفاتيح البيانو معًا. عرفتُ ما حدث دون أن أرى.
لم أستطع أن أبقى. خرجتُ من الستارة، أمسكتُ بالدرابزين.
لم أفكّر أصلًا في أنّها قد ترني.
وحين رأيتُ بعينيّ ما تفعله تلك «المعلّمة» بإدموند… شحب عقلي تمامًا.
كووونغ… كووونغ―!
استدعيتُ كلّ ما تبقّى من سحري. لم يكن صوتًا كبيرًا، لكنّ شيئًا انكسر، ثم انفجر صوت هائل هزّ القصر كلّه.
كان جسدي يئنّ. في العادة كنتُ سأستسلم وأسقط. كان سيأتي أحد: أختي، أو ساحر العائلة، أو يوري… لينقذني.
لكنّ هنا… كان هناك من يجب أن أحميه.
لو هدمتُ القصر كلّه، سيموت إدموند معي. لذا اكتفيتُ بسقف واحد… لا أدري إن نجحتُ. كان جسدي يئنّ، والرؤية تختفي وتعود.
رأيتُ المعلّمة تهرب مذعورة. وإدموند… ملقى على البيانو.
«إد… كح… كح… إدموند.»
مسحتُ الدم عن فمي بكمّي المتّسخ وهرعتُ إليه.
نهض ببطء.
«إدي، انهار القصر… سيأتي الناس قريبًا.»
«فيفي… هل أنتِ بخير؟ هل تؤلمكِ؟ لا يجب أن تتألمي…»
«أنا… يبدو أنّني يجب أن أرحل الآن.»
صار التنفّس صعبًا. انحنتْ ركبتاي، فجلستُ على الأرض. ابتسمتُ في عينيه الفضيّتين المذهولتين.
الصباح… قادم.
═══∘°❈°∘══
ترجمة: مابل
حسابي على انستا: ma0.bel
ولا تنسى ذكر الله ودعاء لأهلنا في غزة و سودان ومسلمين أجمعين
التعليقات لهذا الفصل " 80"