بينما كنتُ ألتقي جدّي الشاب، وأختي الصغيرة جدًّا، مرّ هنا أسبوع كامل تقريبًا.
ما إن سمعتُ الكلمة حتى غمرني القلق على إدموند ويوري.
لاحظتْ ميكابيلا نظرتي، فابتسمتْ بلطف وقالت إنّ الوقت لم يمرّ كثيرًا هناك، ولا داعي للقلق.
«إذن… يا سيدة ميكابيلا، لديكِ ابنة؟»
لم أستطع إخفاء الفرح الذي يرقص في صوتي، فأجابتْ ميكابيلا بابتسامة ناعمة. كان يبدو في المرّة السابقة شابًا في ريعان الشباب، أمّا الآن فهو في منتصف العمر، وقد بدت التجاعيد على وجهه.
«نعم. حقًا… مرّ وقت طويل.»
قال «حقًا» ثم توقّف لحظة قبل أن يُكمل «مرّ وقت طويل».
«وماذا عن الحرب؟ انتهتْ بانتصاركم، أليس كذلك؟ كنتُ أعرف أنّكم ستنتصرون، فلم أقلق أصلًا.»
هزّ كتفيه كأنّ الأمر بديهيّ.
«لم أكن أتوقّع أن أراكِ مرّة أخرى، لذا شعرتُ بالارتباك قليلًا… وبالارتياح أيضًا.»
لم أفهم تمامًا ما يقصده، فأملتُ رأسي. نظر إليّ ميكابيلا بنظرة حنونة مليئة بالشوق.
«ماذا تقصد؟»
«لا شيء… فقط تذكّرتُ أنّ لكِ أيضًا مثل هذه الأيّام.»
«ماذا؟»
«سعيد جدًا برؤيتكِ مرّة أخرى، فيفيان. آسف لأنّني لم أستطع أن آتي لأصحبكِ بنفسي.»
شعرتُ أنّ هناك شيئًا معلّقًا في الهواء، لكنّ ميكابيلا لم يكن ينوي أن يُفصح عنه.
«ماذا تقول؟ أنتَ أرسلتَ لارتييه فور أن عرفتِ بمجيئي.»
بل وأرسلتَ وريثة سومرز نفسها إليّ… في أوج الحرب!
«ألا تُقدّم لي ابنتكِ رسميًّا؟ وماذا عن السيدة إيسيليا؟»
لوّح ميكابيلا بيده كأنّه يطلب منّي الهدوء. وفي اللحظة المناسبة دخلتْ ابنته لارتييه إلى الصالون. اكتفتْ بإيماءة خفيفة من رأسها تحيّة، ثم جلستْ على الكرسي المتبقّي.
«كنتُ فظّة جدًا في المرّة السابقة… آسفة.»
«لا، بل أنا مدينة لكِ. عدتُ سالمة، وحللتُ الكثير من الأمور التي كانت تُقلقني.»
ابتسمتْ لارتييه ابتسامة خفيفة.
«تكلّمي بكلّ راحة. أنتِ وأبي بالنسبة لي أسلاف بعيدون جدًّا.»
يبدو أنّ الكثير حدث خلال هذا الأسبوع. الجوّ الكئيب الذي كان يخيّم على القصر بسبب الحرب قد خفّ قليلًا. رفعتُ فنجان الشاي الدافئ في الغرفة التي يملؤها الدفء.
«إذن، فيفيان… هل حقّقتِ كلّ ما أردتِ؟»
«حصل ذلك… صدفة.»
عادةً كنتُ أنا من أتكلّم بينما ينظر إليّ ميكابيلا بابتسامة راضية، أمّا اليوم فكان العكس تمامًا.
تحدّث ميكابيلا ولارتييه عن كلّ ما جرى، وعن كيف نشأتْ هذه الحرب. استمعتُ إلى أحداث كنتُ أقرأ عنها في كتب التاريخ… من أفواه أصحابها، فشعرتُ بإثارة غريبة.
حين لم أستطع كبح التثاؤب، اقتادوني إلى الغرفة التي كنتُ أنام فيها سابقًا.
ولمّا جاء الصباح التالي، كان القصر يغلي بالحركة.
«أين ميكابيلا ولارتييه؟»
«السيد والسيدة الصغيرة والسيدة يُعالجون آثار الحرب الأخيرة.»
«ومتى سيتوقّف المطر؟»
تركتُ الخادمات يرتّبن شعري وملابسي، وجلستُ أحدّق في النوافذ بذهول. كان المطر لا يزال ينهمر. ما هذا المطر الذي يستمرّ أكثر من أسبوع؟
«لا أدري… في هذا الوقت من السنة، قد يستمرّ المطر أسبوعين كاملين دون توقّف.»
أهزّ رأسي بامتعاض، لكنّهنّ تجاهلنني وأكملنَ إلباسي الثوب. ما إن انتهين حتى سُمع طرق خفيف على الباب، ثم فُتح.
كانت لارتييه تقف هناك.
«لارتييه.»
«فيفيان. هل لديكِ جدول اليوم؟ أقصد… هل لديكِ أيّة خطط؟»
«لا، لا شيء. وتكلّمي بكلّ راحة.»
أصدرتْ صوتًا «همم» ثم ابتسمتْ ابتسامة واسعة.
«حسنًا؟»
بدأتْ تتحدّث معي بطريقة مريحة، ثم هزّتْ رأسها فجأة.
«لا… سأترك الكلام الحرّ للقاء القادم.»
روتْ لي لارتييه الكثير من الأمور، معظمها عن عبث معرفة المستقبل. كانت وجهها يحمل مرارة خفيفة حين قالت:
«صحيح… لو استطعنا تغيير المستقبل، لما تزوّج أبي أمّي أصلًا.»
«……»
«قال أبي إنّ التاريخ لا يتغيّر. لم أفهم ذلك طوال حياتي… لكنّني فهمتُ قليلًا بعد أن رأيتُكِ.»
لم أفهم شيئًا ممّا تقوله.
كانت تتحدّث عنّي كأنّها تعرفني جيّدًا، مع أنّني أراها اليوم لأوّل مرّة.
قالت إنّ الخارج خطر، ثم بدأتْ تمشي ببطء في أروقة القصر الضخم. كلّ خطوة تخطوها تتمايل معها أمواج سحر جميلة.
«لارتييه… هل سبق أن التقينا؟»
«همم… ماذا تظنّين؟»
«……»
كانت تمشي أمامي بخطوة، ثم توقّفتْ فجأة والتفتتْ إليّ.
«فيفيان، لديّ حبيب أحبّه بجنون.»
ثم توقّفتْ أمام باب. ارتبكتُ قليلًا من حديثها المفاجئ عن حبيبها، لكنّني أومأتُ برأسي. حبيب… نعم، لديّ أيضًا في المستقبل، بعد ألف ومئتي عام.
تردّدتْ لحظة، ثم تنهّدتْ بعمق وفتحتْ الباب. دخلتُ خلفها إلى غرفة مليئة باللوحات.
كنتُ قد ذهبتُ من هذه الغرفة لألتقي جدّي. فتحتُ عينيّ على وسعهما، أتساءل إن كانت كلّ هذه اللوحات تحمل سحر العائلة.
ضحكتْ لارتييه ضحكة خفيفة وهزّتْ رأسها.
«ليس كلّ اللوحات. فقط اللوحة التي ذهبتِ إليها سابقًا، وهذه اللوحة. اثنتان فقط.»
أشارتْ إلى اللوحة الضخمة التي وقفتُ أمامها أمس، لوحة <العشّاق>.
كانت عملاقة إلى درجة أنّها تبدو وكأنّها ستسقط عليّ. وقفتُ أمامها أرمش بعينيّ. أمّا لارتييه فقد مرّرتْ يدها في شعرها بخجل خفيف.
«إنّها… أوّل وآخر لوحة أكملتُها في حياتي.»
«هذه لوحتكِ؟»
«…نعم.»
عدنا ننظر إلى اللوحة في صمت. ثم بدأتْ لارتييه تتكلّم فجأة:
«حبيبي… مريض جدًّا.»
كانت عيناها لا تفارقان اللوحة.
الآن لاحظتُ أنّ الملاك في اللوحة يشبهها قليلًا.
«قال أبي إنّه أمر عبثيّ.»
قالت إنّ أباها يبذل قصارى جهده في كلّ لحظة، لكنّه يترك الماضي خلفه دون ندم. أمّا هي فلا تستطيع. تمسك بالذكريات، تنظر إليها مرّة بعد مرّة، وتعيش هكذا.
«لذلك… رسمتُ هذه اللوحة من أجلي.»
«وما هي هذه اللوحة؟»
«أنا، بخلاف أبي، لا أستطيع تحديد زمن معيّن. لستُ عبقريّة. لذا اضطررتُ إلى استخدام حيلة.»
التفتتْ إليّ وابتسمتْ ابتسامة ساخرة.
«أنتِ من أخبرتني بها.»
«أنا؟»
ماذا؟ متى؟ لكنّها لم تهتمّ بتعجبي وتابعتْ:
«أعزّ شخص لديّ يستطيع الذهاب إلى الزمن الذي مرّ فيه بهذه اللوحة.»
كان سحرًا مجرّدًا جدًّا، لكنّه في الوقت نفسه حيلة ذكيّة.
السحر يسمح بمثل هذه الأمور الغامضة. استخدام قلب الشخص وذكرياته أسهل من تحديد زمن بالكلمات.
«كنتُ أخاف دائمًا يوم موت خطيبي. في ذلك الوقت… أنتِ قلتِ لي: لماذا لا ترسمين لوحة كهذه؟»
«……هل جئتُ إلى الماضي من قبل؟»
لم تجب. لكنّ تعبير وجهها وحده أخبرني أنّني زرتُ هذا الزمن سابقًا. شعرتُ بغرابة شديدة. يعني أنّني أيضًا… رأيتُ جزءًا من مستقبلي.
لا عجب أنّ ميكابيلا كان يتصرّف بغرابة.
ابتسمتْ لارتييه ابتسامة باهتة ونظرتْ إليّ.
«لكنّه رحل قبل أن أكمل اللوحة… ففقدتْ معناها.»
في اللوحة يتبادل العاشقان قبلة. قبلة مليئة بالحبّ… وبنوع من اليأس، كأنّ أحدهما يتوسّل الهواء.
«هذه اللوحة تتطلّب ذكرى كثمن.»
«أيّ ذكرى؟»
«تستطيعين الذهاب إلى زمن آخر، مقابل الذكرى التي تعادل الزمن الذي مررتِ به في اللوحة، بالإضافة إلى سحر سومرز.»
إذن ما الفائدة؟ سأفقد ذكرى لقائي بالأشخاص الذين أحبّهم!
لكنّ لارتييه أدركتْ ما أفكّر فيه، فتابعتْ:
«لكنّ الطرف الآخر سيستطيع تذكّركِ.»
«إذن… ليستْ عديمة الفائدة…»
اقتربتُ من اللوحة كالمسحورة. لم تمنعني لارتييه، وتابعتْ:
«وستبقى هذه الذكرى محفوظة داخل اللوحة، فتحافظ على سحري لزمن طويل.»
خفق قلبي بقوّة. لو ذهبتُ عبر هذه اللوحة… هل سألتقي أختي؟ أم…
ابتلعتُ اسمًا حنونًا في صدري وسألتُ:
«إذا استخدمتُ سحر هذه اللوحة… هل أستطيع الذهاب إلى أيّ مكان؟»
«إذا كان هناك من تحبّينه، وشخص تشتاقين إليه.»
ابتسمتْ لارتييه بمرارة، ثم وضعتْ ذراعيها على صدرها وأومأتْ برأسها.
شعرتُ كأنّ حجرًا ثقيلًا استقرّ على قلبي. أصبح التنفّس صعبًا. لا أدري في أيّ زمن يقيم الذي أحبّه. هل في قصر سومرز بعد ألف عام؟ أم بعد مئتي عام إضافيّة في قصر دير؟
تردّدتُ لحظة، ثم أطلقتُ قطرة من سحري. ارتفع موج سحري قويّ. انتظرتُ الموجة التي شعرتُ بها أمس مرّات عديدة، ونظرتُ إلى لارتييه التي أمسكتني بعينين مذعورتين:
«كيف أعود؟»
«……يكفي أن تفكّري “أريد العودة”، لكنّ القفز عبر زمن طويل قد يجعل السحر غير مستقرّ. لذا عودي فورًا. اتّفقنا؟»
ابتسمتُ لها ابتسامة مطمئنة، ثم أغلقتُ عينيّ ببطء.
وحين فتحتهما… ظننتُ طبعًا أنّني سأكون في قصر سومرز أو قصر دير. بل ظننتُ أنّني سأفتح عينيّ في قصر “دير” حيث كانت اللوحة.
«آه… بارد. أين أنا؟»
هبطتُ في قصر لم أره من قبل.
ارتعدتُ وفركتُ ذراعيّ. كنتُ أرتدي ثوبًا شتويًّا، يكفي لو كنتُ داخل منزل، لكنّ هذا المكان… كان باردًا بشكل غير طبيعيّ رغم أنّه قصر.
ولم تكن فيه أيّة أضواء، فلم أرَ شيئًا حتى اعتادتْ عيناي الظلام.
حين أصبحتُ أستطيع التمييز، لاحظتُ لوحة <العشّاق> معلّقة في مكان مرتفع، كأنّ هذا المكان معبد ينهار.
«لا أطيق البرد.»
نقرتُ بأصابعي، فغلّفتُ المكان بدفء. عندها لاحظتُ تحت اللوحة كومة صغيرة ملقاة على الأرض.
في البداية ظننتُ أنّها كلب كبير. كان ملطخًا بالأوساخ حتى صار لونه غير واضح.
«من…؟»
صعدتُ الدرج ببطء، فتحتْ الضوء الأحمر الخافت عن شكل طفل صغير.
«إدموند؟»
كان هناك إدموند… لا يتجاوز العاشرة من عمره.
خفق قلبي وسقط في قدميّ.
اخرجي من اللوحة خطوة واحدة فقط.
═══∘°❈°∘═══
ترجمة: مابل
حسابي على انستا: ma0.bel
ولا تنسى ذكر الله ودعاء لأهلنا في غزة و سودان ومسلمين أجمعين
التعليقات لهذا الفصل " 78"