«لا أدري ما الذي حدث بالضبط، لكن طالما أنا هنا، سأحميك.»
حين هدأ تنفسه المتقطع قليلاً، أبعد يديه عن أذنيه ببطء.
ثم مسح الدموع الغزيرة على خديه بظهر كفه. يا إلهي، كم بكى…
التقى نظره الشارد بنظري للحظة، ثم رمَش بعينيه وأدار وجهه.
ثقل قلبي.
«بيبي.»
«نعم.»
«بيبيان.»
«نعم.»
كان صوته مبحوحًا بالبكاء، متشققًا في النهاية. نادى اسمي مرتين أو ثلاثًا أخريين، ثم أمسك ذقني بيده. نغمة نكتيرن رقم 21 لراسماه، التي لم يصل إليه صوتها بعد.
تلك القطعة التي تتناسب تمامًا مع هذا الموسم كانت تقترب من نهايتها.
حين جذبني إليه، سقطت في حضنه كأنني أنهار. ضمّني إدموند بقوة. لم ينبس بكلمة لفترة طويلة. بقيت صامتة، محتضنة الصمت معه.
كان صوته لا يزال مشوشًا، كأنه لم يخرج بعد من صدمة اللحظة السابقة. يبدو أن لديه ذكرى مرعبة جدًا مرتبطة بالبيانو، وخاصة بنكتيرن لراسماه.
استندت بذقني على كتفه، ونظرت إلى القمر في السماء بذهول. كان القمر ساطعًا بشكل غير عادي. اكتفيت بمواساته بصمت.
*
استغرق الأمر وقتًا أطول حتى هدأ تمامًا. حين نهضنا أخيرًا، نفضنا التراب عن ملابسنا وبدأنا نمشي مجددًا، التفت إدموند نحو مصدر صوت البيانو.
«شكرًا.»
«هل أنت بخير الآن؟»
«…نعم.»
مشينا دون هدف محدد. كنت أنوي العودة إلى الفندق مباشرة، لكن حالته… وهذا الجو… بدا أن المشي أفضل له الآن.
ليل دويو مختلف تمامًا عن ليل فرانجيت.
في فرانجيت، الليل ينبض بالحيوية، أما هنا فيغمرك هدوء عميق. ربما هذا الفرق بين مدينة تحتفظ بمجدها القديم، وأخرى تتألق حديثًا.
مشينا طويلاً حتى وصلنا إلى تلة نابضة بالحياة نسبيًا.
كانت المباني منخفضة وقديمة، لكنها مليئة بالشخصية الخاصة. المقاهي في الطوابق الأرضية تحولت جميعها إلى حانات ليلية، وداخلها أصوات الضحك والحديث المرح يتردد.
«عذرًا، ما هذه المنطقة؟»
«ماذا؟ هنا؟ آه، سائحة إذن.»
سألت امرأة متكئة على الجدار. ضحكت بمرح.
«هذه تلة إلترامت، يا سيدتي.»
«آه، تلة الفنانين!»
«نعم. الجاز، الروايات، الشعر، الرسم… كل شيء جميل هنا. إذا أعجبكم، هل ترغبان في زيارة نادينا؟ اليوم جاءت فلور دو سارا أيضًا.»
دعتنا المرأة للانضمام إليها رغم أننا غرباء. فلور دو سارا… الكاتبة التي أصدرت مجموعة قصص قصيرة مؤخرًا وأثارت ضجة في الأوساط الأدبية.
كنت قد قرأت مجموعتها وأعجبت بها، فشعرت بإغراء خفيف، لكن إدموند كان أولويتي الآن.
«آسفة، لدينا التزام.»
«حسنًا، لا بأس.»
أشارت برأسها نحو الاتجاه الذي كنا نسير فيه.
«اصعدوا من هناك مباشرة إلى قمة التل. وصلتم إلى هنا، فلا بد أن تريا ليل دويو قبل الرحيل.»
كنت أنوي استدعاء عربة للعودة إلى الفندق.
نظرت إلى إدموند خلسة. كان وجهه شاردًا، غارقًا في أفكاره. عندما تسوء حالته، يغرق في عالمه الخاص.
طوال الطريق، كان يجيب ويسأل بوعي، لكنه غائب ذهنيًا. بدأت أتساءل: هل من الآمن تركه وحده في غرفة الفندق الآن؟
لوّحت المرأة بيدها بخفة ودخلت المحل. أمسكت ذراع إدموند وسحبته.
«إيدي.»
«نعم.»
«هل زرت تلة إلترامت من قبل؟»
«…لا. ما دمنا هنا، لنذهب إلى القمة؟»
حاول الابتسام بجهد ليثبت أنه بخير.
لكن بالنسبة لي، بدت تلك الابتسامة كمحاولة يائسة للتماسك. تذكرت همهمته السابقة: «لا يمكن التغلب عليه…»
«هيا، قالوا إن الصعود مستقيم!»
وهكذا صعدنا التل معًا. تسلقنا السلالم بين المباني، ثم المنحدرات الجانبية.
حين بدأت ألهث من التعب، مد إدموند يده إليّ.
«عادةً يصعدون بالعربة أو الخيل. أتعبتكِ بدون داعٍ.»
«ماذا؟ خيل؟ عربة؟ هذا المكان يُصعد بالعربة؟»
بينما كنت ألهث، ابتسم بهدوء.
أمسكت يده وصعدنا الجزء الأخير. انفتح أمامنا سماء ليل واسعة. النجوم تغمر السماء كأنها ستسقط، وسحب بنفسجية تطفو ببطء.
الجانب الآخر من التل كان منحدرًا شديد الانحدار، محاطًا بجدار حجري يصل إلى خصري للسلامة.
وضعت يديّ على الجدار وانحنيت إلى الأمام.
تحتي، امتدت مدينة السحرة الجميلة المضاءة بأنوار صفراء على طول الطرق. كانت إلترامت منذ مئتي عام تُعرف بمنصة الإطلالة على دويو… ولم أتخيل أنني سأصل إليها بعد كل هذا الزمن.
تذكرت قصص أختي عن إلترامت في طفولتي، فضحكت وأنا أنظر إلى إدموند.
«أحببته!»
«أنا أيضًا.»
لم تكن ضحكة ذات معنى عميق. مجرد سعادة عفوية بالمشهد.
كان هو أيضًا يحدق في المدينة بذهول.
وقفنا طويلاً ننظر إلى المدينة التي تحتفظ بمجدها القديم.
في هذا المكان، الذي يسبق فرانجيت بثلاثة أسابيع في الفصول، كان الخريف قد حلّ بالفعل. بدأت أسعل من البرد، فخلع إدموند كارديغانه(ستره صوفيه) وألبسني إياه.
حتى مع حذائي ذي الكعب، كان رأسي يصل بالكاد إلى عظمة ترقوته. كان كارديفانه كبيرًا جدًا عليّ. هزّ الأكمام الطويلة بلا داعٍ، فضحك بخفة لرؤيتي متجهمة.
اقترب، أمسك خصري، ورفعني فجأة لأجلس على الجدار. صرخت صرخة خفيفة وتمسكت بكتفيه. ضحك بهدوء. ثم بدأ يطوي أكمام الكارديغان. طواها مرتين وما زالت طويلة، فطوى حتى أخرج يديّ فقط.
«الآن انتهى.»
«أنت لا تشعر بالبرد؟»
بينما أنا أرتدي كارديگانه الضخم فوق فستاني، كان هو يرتدي قميصًا صيفيًا خفيفًا فقط. هز كتفيه كأنه يقول «لا مشكلة».
جلسنا على الجدار طويلاً ننظر إلى المدينة الهادئة.
لكن السبب في قفزي من الجدار كان إدموند.
كان يتظاهر بالهدوء طوال الوقت، لكنه لم يكن بخير أبدًا. حتى من الجانب، كان الإرهاق والانهيار يتساقطان منه.
جلس هناك بوجه يبدو وكأنه مستعد للقفز من الجدار في أي لحظة. ناديته عدة مرات، لكنه لم يسمع.
غطيت نصف وجهي بكم الكارديغان ونظرت إليه بصمت.
لم يكن يهتم بي بهذا القدر من قبل.
هل أنا مجروحة؟
…لا.
أكثر ما أشعر به هو القلق.
لاحظت محلاً صغيرًا خلفنا قليلاً. كان مقهى نهارًا وحانة ليلاً، مرسوم عليه فنجان قهوة وكأس بيرة. أردت أن أحضر له قهوة ساخنة في هذا الجو البارد.
*
كان إدموند غارقًا في مشاعر معقدة لا يعرف كيف يتعامل معها.
هو لا يحب البيانو.
خاصة قطع البيانو لراسماه، ومن بينها نكتيرن رقم 21 بالذات.
«…أوف.»
شعر بالغثيان يرتفع مجددًا، فأجبر نفسه على النظر إلى المنظر أسفله. ركز على تنفسه. غطى فمه بيده اليسرى وسعل بقوة.
قبل الالتحاق بالمدرسة مباشرة، في سن الثامنة، تم اختطافه.
حاول استرجاع صورة معلم البيانو الضبابية في ذاكرته، ثم هز رأسه بسرعة.
بعد أشهر، عُثر عليه في قصر شبحي دون أي إصابة.
لكن عالم إدموند تغير بعد ذلك اليوم. أصبح يشعر برفض غريزي للغرف المظلمة. كلما رأى بيانو، يصارع رعبًا يتسلل من أعماقه.
الآن تحسن، لكنه في الماضي كان يصاب بنوبات عند سماع صوت البيانو فقط.
تساءل الجميع: ما الذي حدث له؟ لكنه لم يستطع الإجابة. لأنه هو نفسه كان يتساءل أكثر من أي أحد.
فقد ذكريات الاختطاف بالكامل، فيعيش حياته بشكل طبيعي… حتى يسمع صوت بيانو فينهار كل شيء.
اعتقد أهل عائلة دير أن هناك حادثًا مرعبًا مرتبطًا بالبيانو، فحجبته ذاكرته ليبقى على قيد الحياة.
«…أخطأت. لن أخطئ بعد الآن. سأكون جيدًا.»
إزميرالدا دير سييرا، أميرة الإمبراطورية وزوجة دير، رأت ابنها يرتجف ويتوسل، فلم تستطع الكلام.
نكتيرن رقم 21 لراسماه.
وافقت عائلة دير أن التركيز يجب أن يكون على هذا التروما الذي لا يعرفه إدموند نفسه جيدًا، أكثر من مجرد عيوب شخصيته.
يمكنهم تغطية العيوب، لكن الخوف من البيانو هو ألمه الحقيقي.
لذلك خضع لعلاج نفسي، وتحسن تدريجيًا.
الآن، يشعر بضيق خفيف فقط عند رؤية البيانو. لا يعزف، لكن ذلك لا يهم. كان يفضل الجاز لتلك الأسباب أيضًا.
لكن نكتيرن 21 لراسماه… لم يتغلب عليه.
اليوم أيضًا، تقيأ وارتجف من الرعب.
الإحساس بالذنب أصبح روتينيًا. الآن، كل نكتيرن مرعب.
«لا تستمع.»
لذلك، حين كان يرتجف ويتقيأ من الرعب، سمع صوتها يتردد في أذنيه. الدفء الخفيف الذي غطى يده. الهمس الناعم فوق ضجيج البيانو.
«لا تستمع إلى ما يؤلمك.»
صوتها كريشة ناعمة، يملأه بشوق لا يُطاق… وراحة عميقة.
═══∘°❈°∘═══
ترجمة: مابل
حسابي على انستا: ma0.bel
ولا تنسى ذكر الله ودعاء لأهلنا في غزة و سودان ومسلمين أجمعين
التعليقات لهذا الفصل " 57"