5
المساعدة.
كانت تلك الكلمة، بكل ما تحمله من بساطةٍ ظاهرة، كنزًا لا يُمنح إلا لمن يمتلك القدرة فعلًا على أن يكون نافعًا، حقيقةً لم يدركها جيروم بعمقٍ جارحٍ إلا في هذه اللحظات، لحظاتٍ كانت فيها أروقة القلعة تضجّ بصراخه المتتابع الذي لم يعرف الانقطاع، صراخًا بدا كأنه صدى استغاثة رجلٍ يرى مملكته الصغيرة تنهار أمام عينيه بلا رحمة.
“أتُنظَّف النوافذ بخرقةٍ مبللة؟! ماذا سنفعل الآن بآثار الماء هذه!”
“ومن الذي يترك أرضية الممر زلِقة إلى هذا الحد؟! كدتُ أن أنكسر ظهري وأنا أنزلق!”
“كم مزهريةً وقطعة خزفٍ يجب أن تتحطم قبل أن نفهم؟! هل تفعلين هذا عمدًا؟!”
“ولِمَ، ولمَ تحديدًا، تتعثرين وتُصابين في كل مرة تحاولين فيها التنظيف؟!”
“……هل تسمّين هذا طيًّا للملابس؟! هل ترين حقًا أن هذا الشكل صحيح؟!”
وتحت وابل التأنيب المتواصل، لم تستطع المرأة في النهاية أن تحبس دموعها، فانهمرت قطراتٌ صغيرة خانتها، لا لأنها ضعيفة فحسب، بل لأنها أدركت فجأة—وبقسوة—كم كانت عديمة الفائدة، وكم بدت شبيهةً بخادمةٍ مثيرة للشفقة لا تصلح لشيء.
لكن، وبالإنصاف، لم يكن هذا الإدراك حكرًا عليها وحدها.
فجيروم نفسه، وهو يراقب حجم الكارثة التي خلّفتها، تيقّن يقينًا لا لبس فيه: لو تُرك أمر إدارة القلعة لهذه المرأة، لتحوّلت من حصنٍ متداعٍ إلى مسرحٍ يوميٍّ للصدمات والرعب.
“أ-أنا آسفة! آسفة حقًا!”
غير أنّ اعتذاراتها المتكررة لم تمنح جيروم أي عزاء، إذ إنّ كل اعتذارٍ جديدٍ لم يكن سوى إعلانٍ إضافيٍّ عن فوضى أخرى تنتظره. وحين أنهكه إصلاح ما أفسدته حتى بدا شاحبًا أكثر بكثير مما كان عليه في الصباح، استدار أخيرًا مولّيًا إياها ظهره.
‘هذه المرأة… موهبتها في التنظيف معدومة إلى حدٍّ مذهل.’
وتسلّل إلى ذهنه، بفضولٍ حقيقي هذه المرة، سؤالٌ لم يجد له جوابًا:
أيّ نوعٍ من الحياة كانت تعيشه قبل أن تفقد ذاكرتها؟
وبينما كان يعيد تنظيف آخر غرفة ضيوف بنفسه، دوّى فجأة صوتٌ مكتوم في الممر—
كُـنغ!
“س-سموك؟”
خرج جيروم مسرعًا، وما إن وقعت عيناه على المشهد حتى رفع يده ليغطي فمه صدمةً.
كان إيفان… ممددًا على أرض الممر، ساقطًا على ظهره تمامًا في الموضع ذاته الذي انزلق فيه جيروم قبل قليل.
أما المرأة، التي لحقت بهما، فقد اندفعت نحوه بملامح مشوشة مذعورة.
“ه-هل أنت بخير؟!”
كان وجهها يصرخ بالذنب.
لكن القدر، كعادته، لم يُفوّت الفرصة.
“أُوخ!”
زلّ—طخ!
انزلقت هي الأخرى، وانتهى بها الأمر وهي تسقط فوقه مباشرةً، في مشهدٍ بدا أقرب إلى عرضٍ هزليٍّ غير مخطط له. كانت تحاول مساعدته على النهوض، لكن النتيجة أنها تمددت فوقه بدلًا من ذلك.
“هل تحاولين إضحاكنا عن قصد؟”
قالها جيروم وهو يقترب منهما، لا يدري أيمسك ضحكته أم دموعه.
“أ-أعتذر! أعتذر حقًا!”
نهضت المرأة مذعورة من فوق إيفان، بينما كان الأخير يرفع جسده ببطء، قابضًا على مؤخرة رأسه بعد أن اصطدمت بالأرض مرةً أخرى.
كان رجلًا لا تتغير ملامحه بسهولة، لكن هذه المرة تسلّل شيءٌ يشبه الضيق إلى وجهه.
وفي اللحظة ذاتها التي خطرت فيها للمرأة فكرة أن المسافة بين وجهيهما قريبة أكثر مما ينبغي، شعرت فجأة بإحساسٍ غريبٍ تحت راحتيها.
‘ما هذا…؟ هذا الإحساس… الدافئ… المتماسك…؟’
نظرت إلى أسفل ببطء.
كانت يداها… متموضعتين تمامًا فوق صدر إيفان.
يدها اليسرى على جانبه الأيمن، واليمنى على الأيسر.
تجمدت.
ثم رفعت يديها ببطءٍ مرتجف، عاجزةً عن النطق.
لماذا، من بين كل الأوضاع الممكنة، انتهى بها السقوط هكذا؟
“قولي الحقيقة.”
قال جيروم وهو يجثو قربهما، محدقًا فيها بنظرةٍ جادّة ضاغطة.
“كنتِ ممثلة مسرح، أليس كذلك؟ كوميديا اسكتشات. ومن الدرجة الثالثة أيضًا.”
وأومأ إيفان برأسه موافقًا بلا تردد.
شحب وجه المرأة، إذ خافت فجأة أن يُطلب منها مغادرة القلعة فورًا.
في الخارج، كانت العاصفة لا تزال تعصف بالنوافذ، والسماء بدأت تميل إلى ظلمة المساء.
لو طُردت الآن… فلن تنجو.
غررر…
وفي خضم هذه الأفكار المرعبة، خانها بطنها وأطلق صوتًا مدوّيًا.
“أرأيت؟ قلتُ لك. ممثلة كوميدية.”
أشار جيروم إليها بينما كانت تطأطئ رأسها خجلًا.
لحسن الحظ، لم يطرداها، بل اصطحباها إلى قاعة الطعام.
“كان عليكِ تغيير ملابس الخادمة.”
كانت هذه كلمات إيفان المقتضبة، التي جعلتها تُسرع بتبديل ثيابها إلى فستانٍ بسيطٍ متواضع، لا يزيّنه سوى شريطٍ صغير.
سارت خلفهما بصمت، تتأمل طوله الفارع، كتفيه العريضتين، وتشعر بحرارةٍ غريبة تصعد إلى وجهها كلما تذكرت ما حدث.
‘توقفي… كفى… لا تفكري بالأمر… لا بالشكل ولا بالإحساس…!’
وحين دخلوا قاعة الطعام الواسعة، ذات الشموع الخافتة والستائر المخملية الثقيلة، شعرت بقشعريرة تسري في عنقها.
‘كأن مصاصي الدماء سيتناولون العشاء هنا…’
وعندما تُركت وحيدة مع إيفان، لم تحتمل الصمت طويلًا.
“س-سموك… شكرًا جزيلًا لأنك سمحت لي بالبقاء هنا.”
أجابها ببرودٍ لا لبس فيه:
“لا داعي للشكر. حين تتذكرين شيئًا، سأعيد طرح السؤال نفسه. اعتبري نفسكِ محتجزةً حتى أسمع الإجابة.”
كان واضحًا أن ما طلبته قبل أن تفقد وعيها—مهما كان—شيءٌ بالغ الأهمية بالنسبة له.
“ولهذا، لا حاجة لأن تُجهدي نفسكِ بمحاولة أن تصبحي خادمة.”
أضاف، بنبرةٍ هادئة.
حرّكت أصابعها بخجل.
“مع ذلك… شكرًا لتفهمك. وإن تذكرت أي شيء، سأخبرك فورًا.”
جلست تفكر بعمق:
‘ما الذي طلبته…؟ ولماذا لا أتذكر شيئًا…؟’
أما إيفان، فقد اكتفى بمراقبتها، بصمتٍ طويل، وهو يتأمل تقلّبات تعابيرها المتخبطة، كما لو كان يشاهد لغزًا حيًّا لم يقرر بعد إن كان يستحق الحل… أم الكسر.
أن تكون أفكارها مكشوفةً إلى هذا الحد، تُقرأ ملامح روحها كما لو كانت صفحةً مفتوحة، فذلك وحده كافٍ للحكم عليها.
بهذا الوضوح الفاضح… لا يبدو أنها تملك حتى موهبة التمثيل المسرحي، فضلًا عن إتقانها.
كـوانغ!
دُلْك! دُلْك— دُلْك!
“هيك!”
في تلك اللحظة، دوّى فجأة صوتٌ عنيف من إحدى النوافذ، صوتٌ أجوف اخترق السكون بلا سابق إنذار.
انتفضت المرأة مذعورة، وانكمش كتفاها غريزيًا، كمن باغته الخطر من حيث لا يُرى.
“إنه مجرد صوت الرياح. في هذا المكان، تشتدّ العواصف مع حلول المساء.”
شرح إيفان الأمر بهدوءٍ جامد، دون أن يطرف له جفن، موجّهًا كلماته إليها وقد شحب لونها.
“ثم إن تلك النافذة تحديدًا، إطارها منحرف قليلًا. كنتُ قد أخبرت جيروم بضرورة استبدالها، ويبدو أنه لم يفعل ذلك بعد.”
“آه… إ-إذًا هذا هو السبب.”
ضمّت المرأة يديها المرتجفتين إلى بعضهما، تحاول أن تستعيد شيئًا من ثباتها.
ورغم التفسير المنطقي، ظلّ القلق عالقًا في صدرها، كظلٍّ يرفض الانسحاب.
‘م-ما الذي أصابني فجأة؟ لماذا أشعر بهذا الاضطراب…؟’
بدت الشموع القليلة المشتعلة في قاعة الطعام الواسعة، المغمورة بالعتمة، كأنها ألسنة نارٍ غريبة، تتراقص على هيئة أضواءٍ موحشة، أشبه بنيرانٍ مسحورة لا تبعث الدفء بل تُنذر بشيءٍ غامض.
وخارج النوافذ، خُيّل إليها أن شيئًا ما—شيئًا غير مرئي—يتربص بها، مستعدًا لأن يهز الزجاج من جديد، لا ليُسمَع فحسب، بل ليُرعب.
حاولت أن تهدّئ نفسها؛ أعادت شعرها إلى الخلف، ومسحت عرق كفّيها في طرف ثوبها، تتشبّث بأي حركةٍ قد تعيد إليها الإحساس بالسيطرة.
لكن بلا جدوى.
فمع كل لحظة تمر، كان الظلام من حولها يضيق، يطبق على أنفاسها ببطءٍ خانق، كأن الهواء نفسه صار أثقل من أن يُحتمل.
“أُه… هَك… هـه…”
كانت تعضّ على شفتيها بقوة، تقبض يديها في محاولةٍ يائسة لردع الارتجاف، حين—
طَقّ.
التعليقات لهذا الفصل " 5"