“حديقة… الجليد؟”
“نعم. إنّها المكان الواقع في الجهة الشمالية من البرج. إنها مساحة يستعملها مولاي للراحة على انفراد. إن كان هناك شيء واحد يمقته مولاي بصدق، فهو أن يُزعَج أثناء استراحته. لذا… لا تقتربي من الجهة الشمالية أبدًا. لا تقلقي بشأن التنظيف، فأنا أتولّى أمره.”
“آه… أجل، فهمت.”
لم يكن ذلك القانون صعبًا بأي شكل من الأشكال.
ما المشكلة في تجنّب مكان طُلب منها بوضوح ألا تدخله؟
ومع ذلك، عقدت المرأة قبضتيها بحزم، كما لو أنها تلقت أمرًا مصيريًا لا يقبل الكسر.
كان المشهد طفوليًا، بريئًا… لكنه لم يكن ساذجًا.
عادةً… حين يُقال للمرء “ممنوع”، يولد داخله فضول يجرّه إلى العكس تمامًا… لكنها لم تسأل حتى “لماذا”.
راق لـــجيروم ذلك الموقف جدًا.
فقد شهد في الماضي الكثيرين من الخدم يخرقون هذا الحظر بدافع الفضول، قبل أن تُصبح القلعة شبه خالية من العاملين.
“هل لديك أي سؤال آخر؟”
رفعت المرأة يدها بخجل.
“هناك شيء واحد…”
“تفضّلي.”
“أنت… تواصل مناداة ذلك الشخص بلقب مولاي… فهل هو… الإمبراطور؟”
إمـبـراطــور؟!
في خياله، ظهر وجه إيفان—ذلك الوجه الوسيم حدّ الاستفزاز—وفوقه تاج الإمبراطور العظيم.
ارتجّ جيروم من الصدمة التي خلقها خياله هو نفسه.
“يا للمصيبة! لا تقولي هذا الكلام أبدًا!”
وضعت المرأة يدها على فمها مذعورة.
“صحيح أنّ مولاي وسيمٌ ومهيب، لكن قول مثل هذا علنًا؟ قد يُعدّ خيانة عظمى تُجرّين بسببها أنتِ ونحن جميعًا!”
“خ… خيانة…؟”
صدر صوتها مرتجفًا من بين أصابعها.
“لا تُفزَعي نفسك هكذا. نحن وحدنا هنا.”
بعد أن هدّأها، بدأ يشرح:
“الشخص الذي تسألين عنه هو إيفان بالتـيون، ربّ الدوقية الكبرى. تربطه بالإمبراطورية علاقة قرابة بعيدة فقط، ولذلك يحمل لقب مولاي الدوق.”
“أوه… فهمت.”
تلألأت عيناها الوردية كعينَي تلميذة يروي لها معلمها أسرار العالم.
“لكن إياك أن تخطئي وتظنّيه إمبراطورًا أمام أحد. خصوصًا أمام وليّ العهد داين. يكفي أن يصل كلامٌ كهذا إلى أذنيه حتى تنقلب حياتنا رأسًا على عقب.”
“تنقلب…؟ كيف؟”
“لأن مولاي ترك العاصمة بأكملها بسبب وليّ العهد ذاته. فقد اشتدّت ضغوطاته عليه في الآونة الأخيرة.”
“لماذا كان يضغط عليه؟”
أطرق جيروم بضيق:
“لأنه اتُّهم باتهام بشع… قالوا إنه وحشٌ دنيء طامع بخطيبة وليّ العهد.”
تجمّد وجه المرأة.
خطيبة وليّ العهد؟
إيفان… ذلك الرجل ذو الجمال غير البشري؟
مستحيل.
لا… ليس “مستحيلًا”، بل لا يتناسب.
تابع جيروم، كأنه يقرأ شكوكها:
“وليّ العهد لا يطيق وجود مولاي أصلًا. غار منه دائمًا لأنه محبوب، وسيم، وكامل الأوصاف. ثم تأتي خطيبته… وتقع في إعجاب واضح بمولاي؟ طبيعي أن يرى في ذلك فرصة للانقضاض عليه. ذهب يشكو للإمبراطور فورًا.”
اشتعل جيروم غضبًا وهو يلوّح بقبضته:
“أقسم… لو رأيته مجددًا أنا وتلك الخطيبة، سأخلع رتبتي وأريهم—”
“جيروم.”
تجمّد جيروم فورًا.
كانت تلك الصوت… صوت إيفان الهادئ، الحادّ، الذي يُشبه حافة نصل مُثلّج.
كان يقف عند باب الغرفة، وقد سمع كل شيء.
“متى… وصلت، مولاي؟”
انكمش جيروم واقفًا باستقامة.
قال إيفان، ملامحه هادئة لكن جوه تحته مرعب:
“ثرثرتك لا تنتهي. أتحاول أن تُقتل فعلًا؟”
كانت المرأة تحدّق به مصدومة مجددًا…
ذلك الجمال… ذلك البرود… تلك الهيبة…
لا، لا يجب أن تحدّق. أطبقت شفتيها بوعي كي لا تبدو بلهاء.
قال جيروم مدافعًا:
“أنا فقط… أردت أن أشرح الحقيقة! لكن مولاي لا يبذل أي جهد لتوضيح موقفه للناس!”
نظر إليه إيفان نظرة ضيق:
“إن انتهيتَ من المحاضرة، فابدأ التنظيف. إن رأيت عنكبوتًا آخر، سأطردك من القلعة.”
“…نعم، يا مولاي.”
انصرف إيفان، لكنه قبل أن يخرج تمامًا، ألقى نظرة جانبية على المرأة…
نظرة سريعة، فاحصة… وكأن ثيابها أزعجته بطريقة ما.
تمتمت المرأة لنفسها وهي تنظر إلى زيّ الخادمة:
هل هو… متّسخ؟ هل لا يناسبني؟
لكن جيروم عاد ليتمّ قصته دون أن يعطيها وقتًا للتفكير.
“على أي حال، مولاي وأنا نقيم هنا منذ خمس سنوات. الجميع في العاصمة تخلّوا عنه حين اشتدّ الضغط السياسي. باعوه… وخذلوه.”
تنهدت المرأة بأسى، فابتسم جيروم ابتسامة صغيرة، حزينة.
“لكن مولاي… يبدو مرتاحًا هنا. لا يرغب في العودة للعاصمة.”
غير أنّ عيني جيروم حين نظر من النافذة…
كان فيهما شيء آخر…
حنينٌ خافتٌ لدفء العاصمة.
رفعت المرأة يدها برفق فوق يده وقالت بصوت يقطر صدقًا:
“لا بد أنكما عانيتما وحدكما… كثيرًا.”
أصيب جيروم بالارتباك.
لم يعتد أن يواسيه أحد.
هزّ رأسه سريعًا:
“حسنًا! كما قال مولاي… المحاضرة انتهت. هيا إلى التنظيف قبل أن يطردنا معًا. تولّي أنتِ غرف الضيوف الأخرى.”
“نعم! اتركا الأمر لي!”
وحين ابتسمت الفتاة بتلك الإشراقة الطاهرة التي تُضيء كقنديلٍ صغير وسط هذا القصر الكئيب، قرّر جيروم ببساطة أن يُفكّر بإيجابيّة هذه المرّة.
فهو، في النهاية، كان يواجه صعوبة مروّعة في إدارة هذا القصر العظيم بمفرده، وكانت مسؤولياته تمتدّ كمساحات الثلج التي لا تنتهي حول الأسوار.
‘صحيح… ظهرت في حياتي صدفة، وهويّتها ما تزال ضائعة في الضباب… لكن حتى تستعيد ذاكرتها، يمكنني على الأقل الاستفادة منها جيدًا.’
وما إن صاغ هذا القرار داخله، حتى شعر صدره يتنفّس براحة لم يعرفها منذ زمن، وارتسم على فمه أخيرًا ظلّ ابتسامة خفيفة—ابتسامة رجل ظنّ أن يومه ربما سيكون أهدأ من أمس.
ولم يعلم… لم يعلم قطّ أنّ الساعات القليلة القادمة كانت تُدحرج نحوه جحيمًا لا يُمكنه حتى تخيّله، جحيمًا يزحف نحوه بخطوات هادئة، مختبئًا خلف وجه تلك الفتاة المشرقة.
جهلٌ ناعم… كان آخر ما منحته له الحياة قبل العاصفة.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"