توجهت إلى حيّ قديم في أطراف المدينة ، حيث توجد أسواق الحرفيين اليدوية.
كانت تبحث عن قطع غيار نادرة لمذياع والدها القديم الذي تعطل فجأة..
وهو المذياع الذي كان يربط والدها بذكريات جدها.
بينما كانت تفاوض بائعاً عجوزاً في زقاق ضيق يفوح برائحة الخشب والقهوة ، لمحته.
كان أدريان يقف عند ورشة لصناعة الساعات القديمة.
لم يكن يرتدي بذلته الرسمية ولا معطفه الفاخر..
بل كان بقميص بسيط ، وشعره مبعثر قليلاً بفعل الرياح.
بدا وكأنه هرب هو الآخر من زيف القصور ليختبئ في أصالة هذا المكان.
تسمرت تولين في مكانها.
أرادت الاستدارة والرحيل ، لكن فضولها كان أقوى.
لماذا يتواجد “سيد القصر” في هذا الحي الشعبي ؟
هل يلاحقها حتى هنا؟
في تلك اللحظة ، التفت أدريان ورآها.
لم يبدُ عليه الارتباك ، بل ظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة ، حقيقية ، خالية من أي برود.
قال أدريان بصوت هادئ:
“لا تقلقي.. لستُ هنا لأقدم نصيحة عن ‘قوانين الهدوء’. أنا زبون دائم لهذا الساعاتي العجوز.”
تحدثت تولين بنبرة حذرة ، وهي تضيق عينيها:
“لم أكن أعلم أن أصحاب ‘الساعات الذهبية’ يهتمون بالخردة القديمة. ظننتكم تستبدلون كل شيء بمجرد أن يقدم.”
اقترب أدريان خطوة واحدة ، وقال بصدق فاجأها:
“الأشياء التي تملك ‘روحاً’ لا تُستبدل يا أنسة آيلان . تماماً مثل منزلكم.. القديم ليس دائماً خردة، أحياناً يكون هو الشيء الوحيد الحقيقي في عالم من البلاستيك.”
صمتت تولين. كانت كلماته تضرب وتراً حساساً بداخلها..
لكنها تذكرت إخطار والده، وتذكرت تهديد حي الأسياد.
قالت تولين بمرارة:
“كلامك معسول يا سيدي ، لكن أفعال عائلتك مرّة. والدي يواجه خطر خسارة عمله في المنزل بسبب ‘مؤسسة فانديرميل’. فكيف تتحدث عن ‘الروح’ وأنت تمثل الجهة التي تحاول خنق روح بيتنا ؟”
أدريان، وهو ينظر إلى الساعة القديمة في يده بأسى:
“أنا لا أمثل والدي في كل شيء.. أحياناً نرتدي أسماءنا كقيود ، وليس كأوسمة. ليتكِ تدركين أنني في هذا الزقاق ، لستُ ‘فانديرميل’.. أنا فقط رجل يحب الساعات التي تدق بقلبٍ حقيقي.”
بينما كانت تولين تستعد للرد بقسوة ، تعثرت عربة خشبية محملة بالبضائع بجانبهما..
وكادت تسقط الصناديق على تولين.
بلمح البصر ، امتدت يد أدريان ليمسك بكتفها ويجذبها نحوه ، محتمياً بظهره من الصناديق التي تناثرت حولهما.
لثوانٍ معدودة ، كانت المسافة بينهما معدومة.
شعرت تولين بدقات قلبه المتسارعة ، وبخوفه الحقيقي عليها.
لم تكن هناك “طبقية” في تلك اللحظة ، كان هناك فقط شاب يحمي فتاة.
ابتعدت تولين بسرعة وهي تشعر بحرارة تغزو وجنتيها ، ارتبكت ، ولم تجد كلمات تهاجمه بها.
أدريان وهو يتفقدها بعينيه بقلق:
“هل أنتِ بخير؟”
تولين وهي تجمع حقيبتها وتفر مغادرة:
“أنا.. أنا بخير. شكراً.”
ركضت تولين بعيداً ، لكنها هذه المرة لم تكن تشعر بالحقد فقط.
كان هناك شيء جديد يزعجها ؛ وهو أن “الوحش” الذي رسمته في خيالها ، كانت يده دافئة..
و عيناه تحملان حزناً يشبه حزنها..
بقي أدريان واقفاً في منتصف الزقاق الضيق ، وجسده لا يزال متصلباً من أثر تلك اللحظة المباغتة.
كانت رائحة عطرها البسيط—الذي يشبه رائحة اللافندر والكتان—لا تزال عالقة في معطفه.
و شعور ارتعاش كتفها تحت يده لا يزال يحرق أصابعه.
راقب طيفها وهو يتوارى خلف زحام المارة بخطوات متعثرة ، ولم يحاول اللحاق بها.
كان يعلم أن أي كلمة إضافية الآن ستحطم ذلك “الصدع” الصغير الذي حدث في جدار كبريائها.
انحنى أدريان ببطء ليساعد البائع العجوز في جمع بعض الصناديق التي سقطت..
لكن عقله كان في مكان آخر تماماً..
قال الساعاتي العجوز وهو يرقبه بنظرة خبيرة:
“يا بني ، الجمال الذي يهرب منك بخوف ، هو الجمال الذي سيطاردك طويلاً. تلك الفتاة تملك عينين لا تنتميان لهذا الزمن البارد.”
أجاب أدريان بصوت خفيض ، وكأنه يتحدث لنفسه:
“المشكلة ليست في عينيها يا سيدي.. المشكلة في اسمي الذي تراه كلما نظرت إليّ. إنها لا ترى رجلاً، هي ترى ‘سياجاً’ يمنعها من التنفس.”
عاد أدريان إلى سيارته المركونة بعيداً عن الحي الشعبي.
جلس خلف المقود ولم يشغل المحرك فوراً.
نظر إلى مرآة الرؤية الخلفية ، ومسح وجهه بيده بضيق.
كان يشعر بمرارة لا توصف ؛ فهو يملك القوة لتغيير مصير شركات وعقارات ، لكنه يقف عاجزاً أمام فتاة تجفل من لمسته.
تذكر نظرة الارتباك في عينيها قبل أن تفر..
لم تكن نظرة كره خالصة هذه المرة ، بل كانت “دهشة”.
فكر أدريان:
“لقد لمستِ قلبي اليوم يا تولين ، وعلمتِ أنني لستُ مصنوعاً من الرخام كما تظنين. لكن هل سيكفي هذا لمواجهة ما سيفعله والدي ؟”
بدلاً من العودة للقصر ، قاد أدريان سيارته نحو وسط المدينة.
وتوقف أمام مبنىً ضخم يضم أرشيف المدينة القديم.
نزل بخطوات مصممة ؛ لم يعد يكتفي بالمراقبة الصامتة من الشرفة.
دخل إلى المبنى ، وتوجه مباشرة إلى قسم “السجلات العقارية التاريخية لحي الأسياد”.
كان يبحث عن ثغرة ، عن شيء يخص أرض منزل “آيلان” قبل أن تبتلعها أطماع والده وسولومون.
قال لموظف الأرشيف بنبرة قاطعة:
“أريد جميع السجلات التي تعود لعام 1920.. تحديداً وثائق ملكية عائلة ‘آيلان’ والمنح الطبية التي قُدمت في ذلك الوقت. هناك حق مفقود في تلك الأوراق.”
كان أدريان يعلم أنه بهذه الخطوة بدأ “خيانة” إمبراطورية والده رسمياً..
لكنه شعر ولأول مرة منذ سنوات بخفة غريبة في صدره.
لم يعد “الوريث المثالي”، بل أصبح “المحارب المجهول”.
في تلك الأثناء ، دخلت تولين منزلها وأغلقت الباب خلفها بحدة.
مستندةً بظهرها إليه وهي تلتقط أنفاسها.
سألتها والدتها بقلق:
“تولين ؟ ما بكِ ؟ هل حدث شيء في السوق ؟”
تولين وهي تحاول إخفاء ارتباكها:
“لا شيء يا أمي.. فقط الزحام كان خانقاً.”
صعدت إلى غرفتها بسرعة ، وارتمت على سريرها ذو المفرش الوردي.
نظرت إلى النافذة المتقابلة..
كانت شرفة أدريان فارغة ، لكنها لأول مرة لم تشعر بالأمان لغيابه ، بل شعرت بفراغٍ غريب.
همست تولين لنفسها:
“لماذا لم يتركنِ أسقط ؟ ولماذا كانت عيناه تحملان كل ذلك الأسى ؟ أنت عدوي يا أدريان.. يجب أن تبقى عدوي”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 8"